بلد واحد هو العالم “في المصحّات العقليّة حقيقة…

“في المصحّات العقليّة حقيقة معروفة جداً: أنّ المرضى يكونون أشدّ خطراً
في حالات الخوف منهم في حالات الغضب أو الحقد”
يونغ

شكلت الفترة بين الحربين العالميتين مصدر رعب وصدمة بالنسبة إلى كثير من الكتاب والمفكرين الغربيين، بسبب حجم العنف والدمار والوحشية التي انبجست من المجتمعات الغربية ودولها، خاصة بعد وعود التقدم المطرد والشامل الذي انتهى إليه القرن التاسع عشر والعقد الأول من القرن العشرين.
وقدم استيفان تسفايغ الألماني لوحة مؤثرة عن ذاك الأمل وتلك الخيبة في كتابه الرائع “عالم الأمس”. في هذه الفترة بالذات، ومن وحي هذه الأجواء، كتب المحلل السويسري كارل يونغ مجموعة مقالات ضمها كتاب صغير الحجم صدر بالعربية تحت عنوان “النازية في ضوء علم النفس”، ترجمة نهاد خياطة. يونغ لم يستطع البقاء في عيادته النفسية منصرفاً للبحث العلمي الهادئ، فوجد نفسه مضطراً إلى الخوض في غمار ميدان السياسة بحذر، رغم أنه في قرارة نفسه يريد الاحجام عن “صخب السياسة وكذب الدعاية ودجل الخطابة الديماغوجيّة”.
راهِنُ يونغ، الحربان العالميتان وصعود الحركات النازيّة والفاشيّة، يبدو أنه ما يزال راهناً في العالم العربي، بارزاً هنا وكامناً هناك. النظرة السيكولوجية حاضرة ومشبعة في تفسير الجنون الفردي ولكنها أيضاً مطلوبة وضرورية أكثر من أي وقت مضى في تفسير جنون وهستيريا الجماعات، سواء كانت سياسية حزبية أم طائفية دينية.
فالأحداث تثبت المرة تلو الأخرى أن لا شيء تغير تقريباً، فالإنسانية لم تستطع تجاوز شراهة “مستضعفيها” للجنون، وشهوتهم العارمة للدم، وصمتهم المريب، وكأن الزمن لم يحضر قط في تقويمهم أبداً.
يونغ، لا يخفي رعبه من جنون الجماعات، وخوفه من إنسانها المسخ، في حين يعلي عالياً من مكانة الفرد، فعلى عاتقه وحده “يتوقف كل شيء ذي قيمة في الحياة البشرية في نهاية المطاف”.
وموقفه هذا ليس فريداً في هذ الاتجاه، إذ ثمة أدبيات كاملة عن الانطباع السلبي العام الذي يحمله الكثير من المفكرين والأدباء والفلاسفة عن “إنسان الجموع”. وقد قدم الفرنسي غوستاف لوبون تحليلاً وافياً بهذا الشأن في كتابه “سيكولوجيا الجماهير”، ولكنه على خلاف غيره من المفكرين، أنصف الجموع، بعيداً عن تملقها، ولم ينظر فقط إلى الجانب السلبي منها، بل تحدث عن الجانب الإيجابي، فالجماعات البشريّة ليست مجرمة بالكلية، بل يمكن أن تقدم على أعمال بطولية وأخلاقية تعكس مدى تفانيها في سبيل قيم المجد والشرف.
جعل يونغ من الألمان، شعباً وقيادة، موضوع دراسته النفسية. وفي تلك الفترة بالذات حققت ألمانيا نهضة عظيمة من الناحية الصناعية والتقنية.
ولأن سيكولوجيا الجماعة ضاربة عميقاً في سيكولوجيا الفرد، فإن التحليل النفسي للجماعة يكتسب صدقية ترفد التحليلات السياسية الاجتماعية والاقتصادية بأبعاد جديدة ومستويات أعمق من الفهم للإنسان والمجتمع. ولاحظ يونغ منذ عام 1918 “اضطرابات غريبة في خافية المرضى من الألمان الذين عالجتهم”، والمقصود بالاضطرابات الغريبة هي انبعاث الرموز الجماعية الأسطورية المرتبطة بكل ما هو عنيف ووحشي في خافية الجماعة، وتتلاقى هذه الرّموز وتنبعث بكثافة عالية في قائد فرد يتوافر لديه، أدنى حس من المسؤوليّة، وأعلى رغبة بالسّلطة، وأكثر عقد النّقص تأثيراً، ويكون بمثابة الشّرارة التي تشعل النّار في كلّ شيء قابل للانفجار. ويقول يونغ عن هتلر “كان أكثر النّاس عجزاً وانعدام تكيف ومسؤوليّة ومرضاً نفسياً، ممتلئاً تخيلات طفولية فارغة، لكنه ملعون بحدس حاد يتمتّع به جرذ أو ابن أزقة.
كان يمثل الظل، أي الجانب المنحط من كل شخص، بدرجة طاغية، وكان هذا سبباً آخر في هيام الألمان به”.
القائد الملهم والجماعة المنوّمة مغناطيسياً، يسيران معاً ككتلة النّار الملتهبة تحرق كلّ ما حولها، وتبدو عصيّة ومعادية لأي توجه عقلاني، رشيد يسعى لتفتيت هذه الوحدة بهدوء، وخاصة إذا أتى من داخلها، فيعد بمثابة الخيانة العظمى لقيم الجماعة ومبادئها. كرة النار هذه استثناء في حياة الجماعة، وعمرها قصير، لأن حياتها تغذيها أوهام ومخاوف غير واقعية تفسر سلوك أفرادها الهستيري ضد الجماعات الأخرى، بدعم من رمزيات دينية تعمل على تنشيط الخافية الجماعية بكل سلبياتها، وبكل عنفها ووحشيّتها.
في حالة هستيريا الجماعة يصبح “الشّعور بالنقص علامة على نقص الشّعور”، فتفترض الجماعة كره الآخرين لها، وحقدهم عليها، ومحاولتهم النيل منها، على نحو يهدّد وجودها، إنها تصنع أكاذيبها التي تصدقها بسهولة ويسر ودون مراجعة نقدية، وتنكر سلبياتها أو ظلها، فتلجأ إلى اسقاط كل الجانب القاتم في روحها على الآخرين وتنعتهم بأقسى النعوت، وتسعى عملياً الى محاربتهم والقضاء عليهم قبل أن يفتكوا بها. وهنا يصبح السلوك الوحشي والعنيف مبرراً، ودفاعياً، وممجداً لأنه مشحون بمزيج سريع الانفجار من الروح الدينية والوطنية معززة بالرّموز والأناشيد والعواطف الملتهبة.
يحمِّل يونغ الاشتراكيّة القوميّة قسطاً من المسؤوليّة كونها تطابقت بأفكارها مع حالة غير سويّة في العقل الألماني، والمتمثلة في طغيان محتويات الخافية بشكلها التدميري على الواعيّة، أي أنّها حركت الأنماط الأوليّة بصورها السالبة، وفتحت الباب عريضاً أمام النزعة التدميرية بأسوأ أشكالها. والأمر الذي ساهم في تفعيل هذه الحالة، هو اعتماد الألمان على الدولة اعتماداً كلياً، ما أفقد الفرد الألماني “فطرة حفظ الذات”، لأن الدولة تكفلت بكل متطلبات حياته، فيصبح المجموع متماهياً مع الدّولة التي تقوده وتسيطر عليه كقطيع ولا يستطيع فكاكاً منها.
عندما تنتهي الجماعة ناقصة الشّعور من استثناء كرة النّار، سواء من داخلها أو بفعل عمل خارجي، تبرز للعيان آثار الدمار والتخريب التي خلفتها حولها، وينشأ لديها مهما بلغت من قسوة المشاعر وتحجرها، شعور بالذنب الجماعي، يظلل حياتها وحياة أبنائها بغيمة سوداء لا تفارقها. شعور من طبيعته أنه غير منصف لأنه يدين جميع أفراد الجماعة، حتى الأبرياء منهم “ولكن هذا بالضبط هو ما يكون الطبيعة غير العقلانيّة للذّنب الجماعي: لا يعبأ بالأخيار والأشرار”.
وهنا يبدو أعتراض حنا أرندت على فكرة الذّنب الجماعي، في كتابها الموسوم “في العنف”، غير واقعي تماماً، فهي تعتبر أنّه إذا كان الذّنب الجماعي يشمل الجميع، البريء والقاتل وهي هنا تتحدث عن العنصريّة)، فهذا يعني أن لا أحد مذنب “نحن جميعاً مذنبون تعني أن ليس هناك مذنب، إن الاعتراف بالخطيئة الجماعية أفضل طريقة ممكنة للحيلولة دون اكتشاف المذنبين الحقيقيين”.
فمن الناحية الواقعية يبقى من ارتكب الجريمة معروفاً ومحدداً، ولكن المشاركة المقصودة هنا لا تقتصر على الفعل المباشر الدموي، بل تكون أيضاً من خلال المشاركة العاطفية والصامتة، التي تدعم الجريمة دون التلوث بالدماء التي تسال، وأصحابها أشخاص يحاولون الحفاظ على صورة لائقة لهم في ألبوم الجماعة الدموي.
الذنب الجماعي يستتبع غفراناً خاصاً. والغفران برأي جاك ديريدا، هو غفران ما لا يغتفر. وبصرف النظر عن التعقيد الشكلي للجملة، فإنّ صواب التّعريف ودقته واضحة وجليّة، وهي تبرز أشدّ ما تبرز في “حقل” جنون الجماعات وآثارها التدميريّة الهائلة، ليس على الأرض والحجر فقط، بل بالدّرجة الأولى على المخيلة البشريّة، والتي تثخنها الجراح يوماً بعد يوم فيبدو ماضيها القريب والبعيد جنّة، قياساً إلى ما حملته وتحمله الأيّام في جعبتها.
يونغ، المولع بالأنماط الأوليّة والأساطير القديمة والرموز الدينيّة، يرى أن الغفران يقتضي “طقس خروج مناسب، إلى تسليم رزين بالذنب عبر قاض وجلاد وجمهور، يعقبه أداء كفارة… وليت النّاس يدركون مبلغ الغنى الذي يجلبه اكتشاف الإنسان لذنبه، ومبلغ الشّعور بالشّرف والكرامة.
ولكن ليس يبدو أن هذا التبصّر موجود في أي مكان.”. هذه الأمنية تصطدم بواقع أن مستقبل الانسان مظلم ولا يبشر بالخير، فالإنسان هو الشيء الوحيد الخاطئ في العالم. و”الحقائق الازلية لا تنقل بطريقة آلية، بل لا بد أن تولد من النفس البشرية ولادة جديدة في كل عصر” مع كل ما تستتبعه هذه الولادة الجديدة من مخاض وآلام.
وهذا ما يفسر، ربما، العودة المظفرة والدورية في كل عصر، للمجازر والعنف والإبادة الجماعيّة والتّطهير العرقي والطّائفي. أوربا تخلّصت تقريباً من هذه الحالة المرعبة بعد الحرب العالميّة الثانية، ولكنها ألقت بكامل حمولتها في بقاع هامشية خارج جغرافيتها، وجرى استقبالها ودمجها مع أساطير الواقع المحلي لهذه البلدان، وإعادة إنتاجها على هيئة حروب مقدسة يتألق فيها الانسان بوصفه “ذئباً بشرياً، وهذه حقيقة محزنة، ولكنّها خالدة مع ذلك”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This