تجاهُلُ مصر في عهد مبارك التطاولُ على مصر في عهد “الإخوان” / جهاد الزين

توغّل عهد الرئيس حسني مبارك خصوصا في عقده الأخير في توجيه الديبلوماسية المصرية نحو تقديم ما أسماه كتابٌ صدر عام 2010، قبل أشهر من اندلاع ثورة ميدان التحرير، “خدمات مجانية” للسياسات الغربية على أصعدة مختلفة. كان عنوان الكتاب بحد ذاته مُعبِّرا و”ممثِّلا”: العنوان هو “خريف الديبلوماسية المصرية” والمضمون بحثٌ وعرضٌ جادان للصحافي محمد عبد الهادي علام، المتابع الديبلوماسي في صحيفة “الأهرام”، عن تطوّرِ مواقفِ السياسة الخارجية من خلفية تاريخية مصاغة من موقع كان يعبِّر عن “جو” نقدي واسع لقطاع من النخبة المصرية بدأ قبل سنوات يتلمّس ويُحذّر من هامشية في السياستين الدولية والإقليمية آل إليهما وزن مصر.

وكان يشارك الكاتبَ في هذا الموقف جوهريا كثيرٌ من السفراء المصريين أنفسهم، إنما بدون إعلان طبعاً. فالسفير أقدر على معرفة عناصر الضعف والقوة في حضور الدولة التي يمثّلها بحكم تماسه اليومي مع القضايا والمشاكل والأفعال وردود الأفعال في الإطار الجغرافي السياسي الاقتصادي الذي يعمل فيه. وكانت لي في هذا المجال “تجربة” الاستماع من وقت لآخر إلى “تململات” السفير الصديق حسين ضرار من محدودية الدور المصري عندما كان يمثّل بلاده في بيروت قبل سنوات (وهو بالمناسبة من سلسلة السفراء العرب والأجانب الذين أسرهم نمط الحياة اللبناني فاختاروا العودة للعمل الخاص في بيروت بعد انتهاء مهمتهم الرسمية).

كانت تلك سنواتٍ هامشيةً في الديبلوماسية المصرية تعكس في العمق تجاهلاً حقيقيا- خلف المظاهر- لمصر في صناعة القرارات التي يتّخذها التحالف الغربي في المنطقة.

سقط الرئيس حسني مبارك في ثورة فعلية تليق بتقاليد مصر السلمية رغم بعض العنف المدني الذي أسمّيه “العنف السلمي” وسيطر “الإخوان المسلمون” على السلطة بدءا من الفوز بانتخابات رئاسة الجمهورية لنلاحظ لاحقاً –وسط الأسف والأسى- أن الدور المصري الإقليمي انتقل إلى وضع جديد أكثر سوءا بالقطع من هامشية ديبلوماسية مبارك.

لقد انتقلت مصر من تجاهلها قبل الثورة إلى التطاول عليها بعد تولّي “الإخوان”. الأمثلة كثيرة وخصوصا الكبرى بينها وفي المقدمة انتقال إثيوبيا من التحضير إلى التنفيذ في بناء السد على مسار نهر النيل في أراضيها مما بات معروفا أنه قد يشكّل معضلة مائية استراتيجية لمصر غير مسبوقة. ويبدو التعامل الرئاسي مع هذه الأزمة في ظل الرئيس محمد مرسي ليس فقط مرتبكا بل ركيكٌ انطلاقا من فضيحة جلسة التشاور بين القوى السياسية التي دعا إليها قبل أسابيع للبحث في الموضوع وخرجت على العلن التلفزيوني بعض الآراء فيها. ثم في الوضع الهش والخطر في سيناء الذي ثبت أن “نهر” تهريب السلاح الأساسي من “المنبع” الليبي أصبح يصب فيه. وعلى مجرى هذا “النهر” الجديد تدخل إلى مصر سياساتٌ ومخطّطاتٌ متداخلة عنوانها الرئيسي الإمعان في إضعاف الدولة المصرية أو ما تُحب أن تسمّيه النخبة المصرية “إضعاف الأمن القومي المصري”.

على أنه بعيدا عن هذين النهرين المائي والسلاحي ظهر أن ما بات يقترب من ثلاث سنوات على عمر نجاح ثورة ميدان التحرير وسنتين على سيطرة “الإخوان” على مقاليد الأمور وسَنَةٍ على تولّيهم الرئاسة لم تفرز حتى الآن أي معالم سياسة مختلفة عن العهد السابق، وبعض المحاولات التي جرت انتهت بانهيار مفاجئ وكامل. الأزمة المصرية عميقة على منابع ومجاري ومصبّات كل “الأنهار” المصرية وفي مقدمها نهر النيل.
لم تغب استقلالية السياسة المصرية فحسب، بل ضاع بين ممارسات “الإخوان” توظيفُ الزخم الأخلاقي والقِيَمي والسياسي للنموذج الثوري الذي قدّمته مصر والذي أصبح فعلا نموذجا للتحرك الاعتراضي الفعّال والراقي في العالم المتقدم من “وول ستريت” في نيويورك إلى “ساحة تقسيم” في اسطنبول.

بات “التطاول” على مصر في الأمن والسياسة والاقتصاد هو السائد بأشكال مختلفة.

لهذا يستمد موعد 30 حزيران كل هذه الأهمية. فهو وإن كان اعتراضاً على ممارسة داخلية ركيكة للحكم في ظل “الإخوان” فهو يتصل مباشرة بالوضع المتَطاوَل عليه لمصر كبرى بلادنا العربية.

عن جريدة النهار البيروتية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This