تكفير التفكير… نماذج لقمع المبدعين / عمار علي حسن

قبل أيام خرج علينا من يتهم المفكر والفيلسوف د. حسن حنفي بالكفر، ويطالب بمصادرة كتبه. وتزامن هذا مع اتهامات متوالية لمصريين كثيرين بازدراء الأديان، منهم الكـُـتاب المشاهير، ومن بينهم أناس مغمورون يريد أتباع التيار الديني المتطرف أن يطبقوا فيهم الحسبة، أو يغيروا بهم ما يعتقدون أنه “المنكر”، متكئين على ما أعطاه لهم “دستور الإخوان” الذي سلق سريعاً في ليلة مظلمة. وبالطبع فإن كل هذا ليس جديداً أبداً، فقد عايناه وكابدناه على مدار سنين بل قروناً، زعم فيها “الحفظة المتعالمون” بأنهم حماة الدين وأن السماء قد وكلتهم في الدفاع عنها، فراحوا ينهون عن أفعال يأتونها، ويعدُّون على الناس أنفاسهم، وعلى الكتاب كلماتهم، وعلى الوعاظ المختلفين منهم كل ما تنطق به ألسنتهم.

وبالقطع فقد لا يجدي كثيراً هنا النزول إلى قعر الماضي البعيد بحثاً عما حدث لابن رشد وابن حزم والسهروردي المقتول، فالمؤسسات الدينية الحديثة استبدلت بهم أسماء آخر، ولكن أصحابها يشتغلون بالفكر أيضاً. فقبل سبعة وسبعين عاماً، وتحديداً في عام 1926، وجد الشيخ علي عبدالرازق نفسه في ورطة حقيقية، بسبب كتابه الصغير المؤثر “الإسلام وأصول الحكم”، فقد كفره البعض ورفت من وظيفته، وصودر الكتاب، وأجبر صاحبه على الصمت المطبق وتغيير وجهته العقلية حتى وافته المنية. وفي العام الذي يليه مرّ طه حسين بالموقف نفسه، جراء كتابه “في الشعر الجاهلي”، وأجبرته الضغوط النفسية التي تعرض لها على أن يعدّل في أجزاء من كتابه، ويمارس نوعاً من الرقابة الذاتية، التي كانت تعني بالنسبة له تعطيل منهج الشك الديكارتي، وذلك على رغم أن القضاء برأه من تهمة الكفر، التي وصمه بها أعداء كتابه. وهوجم كتاب “ابن رشد وفلسفته” لفرح أنطون بضراوة، لأنه اعتبر أن ما أتى به هذا الفيلسوف الإسلامي العظيم من أفكار يصلح لأن يكون أساساً للعلمانية، وأدى الهجوم إلى إغلاق مجلة “الجامعة” التي كان يصدرها أنطون. وتوالت سلسلة تكفير التفكير ومصادرته في رواية “أولاد حارتنا” لنجيب محفوظ، وكتاب “مقدمة في فقه اللغة العربية” للويس عوض، وكتاب “الحسين ثائراً وشهيداً” لعبد الرحمن الشرقاوي، و”سوسيولوجيا الفكر الإسلامي” للدكتور محمود إسماعيل. وبلغ الأمر إلى حد المطالبة داخل أروقة مجلس الشعب عام 1978 بإحراق كتاب “ألف ليلة وليلة” وكتاب “الفتوحات المكية” للصوفي الكبير محي الدين بن عربي.

وجاء عقد التسعينيات من القرن المنصرم ليشهد موجة عارمة من مطاردة الفكر المختلف ومحاصرة أصحابه وتجريمهم، ووصل الأمر إلى حد التصفية الجسدية في حالة الدكتور فرج فودة، الذي اغتاله إسلاميون متطرفون. وبدرجة أقل إلى حد إصدار حكم الارتداد على الدكتور نصر حامد أبوزيد، والتفريق بينه وزوجته، وإجباره على الخروج من مصر، إيثاراً للسلامة، وحفاظاً على حياته. وقوبلت كتب المستشار محمد سعيد العشماوي بهجوم شرس، وصل إلى حد تكفيره من قبل بعض الجماعات الإسلامية المتطرفة. ووجد الروائي محمد عبدالسلام العمري نفسه متهماً بالتعدي على الإسلام، جراء قصة يصور فيها تنفيذ حد الزنا. ودخل الروائي علاء حامد إلى السجن على خلفية روايته “مسافة في عقل رجل”. وتمت مصادرة كتاب “آل جيم” للشاعر حسن طلب، وتقديم استجواب في مجلس الشعب حول أشعار نشرها عبدالمنعم رمضان في مجلة “إبداع”. ورفع محمود أبو الفيض دعوى ضد فيلم “المهاجر” ليوسف شاهين. وكاد المجلس الأعلى للطرق الصوفية يقيم دعوى قضائيـة ضد عمار علي حسن بسبب كتابه “الصوفية والسياسة في مصر”، ولكن المجلس اكتفى بتنظيم ندوة للرد على الكتاب، وجه من حاضروا فيها تهمتي “الفسق” و”الكذب” إلى الكاتب.

وبلغ الأمر ذروته مع رواية “وليمة لأعشاب البحر” للأديب السوري حيدر حيدر التي نشرتها الهيئة العامة لقصور الثقافة. فما إن أصبحت الرواية، التي سبق نشرها في بيروت مطلع الثمانينيات من القرن العشرين، بين أيدي القراء حتى اهتاج عليها محمد عباس في مقال تحريضي بصحيفة “الشعب”، لسان حال حزب “العمل”، اتهم فيه الكاتب بالكفر لأنه تطاول على الذات الإلهية، وهاجم وزارة الثقافة لأن الكتاب صادر عن إحدى هيئاتها. وعلى الفور اندلعت مظاهرات بالحرم الجامعي للأزهر، وانتهت مشاهد الاحتجاج المتكررة، المصحوبة بجدل واسع النطاق بين النخبة الفكرية حول حدود حرية التعبير والإبداع، إلى إغلاق جريدة “الشعب”، وتجميد نشاط حزب “العمل”، بعد أن أدخلته هذه الواقعة في نفق قضائي حين تنازعت أجنحته حول أحقية كل منها في الحزب، ورغبة بعضها في إنهاء ما أسمته اختطافه من قبل بعض الإسلاميين. ولم تمر سوى أشهر قلائل حتى تفجرت أزمة أخرى سميت “أزمة الروايات الثلاث”، التي صدرت عن هيئة قصور الثقافة أيضاً، لتوفيق عبدالرحمن، ومحمود حامد، وياسر إبراهيم، وانتهى الأمر بإقالة رئيس الهيئة علي أبو شادي، ومنع توزيع هذه الروايات، وتقديم اثنين من المسؤولين عن سلسلة “أصوات أدبية”، التي صدرت الروايات في إطارها، إلى المحاكمة، وهما الروائيان إبراهيم أصلان وحمدي أبو جليل. وهناك وقائع أخرى عديدة في هذا المضمار، سقطت سهواً، أو تمثل تكراراً لكل هذه الحالات، التي من المتوقع ألا تنتهي في المستقبل المنظور.

والآن، بعد ثورة نادت بحرية التفكير والتعبير والتدبير، عاد هؤلاء يطلون برؤوسهم من جديد موزعين التكفير يميناً وشمالًا، والخطر هذه المرة أن الأمر لم يعد مقتصراً على الكتاب والمفكرين وأساتذة الجامعة والروائيين والفنانين والشعراء، بل امتد حتى إلى مدرسي المرحلة الابتدائية، إذ صار بوسع أي مدرس متطرف أن يرفع دعوى قضائية على زميل له بتهمة ازدراء الأديان، وهذه عودة إلى زمن القهر والكبت، الذي يقاومه المصريون الآن بقوة وعزيمة، وسينجحون قريباً في الانتصار للحرية.

عن جريدة الاتحاد الإماراتية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق