تونس: من «الزمقتال» إلى «القاعدة» / محمّد الحدّاد

عديدة هي المقالات التي نشرناها هنا، نحذّر فيها من التغلغل البطيء والعميق لتنظيم «القاعدة» وأفكارها ومقولاتها في تونس، وعديدة الأحداث التي شهدتها البلاد التونسيّة منذ الثورة ويرجّح أن «القاعدة» تقف وراءها. لكنّ التعتيم ظلّ سيّد الموقف، وتواتر الأحداث جعل المواطن ينسى مصيبة الأمس بمصيبة اليوم، والإعلام التونسي قائم على الإثارة لا التحليل، والمسؤولون السياسيّون مصرّون على أن هذه الظواهر عرضية تزول من تلقاء نفسها، ويتهمون من يسعى إلى فتح الملف بأنّه يريد إحراج الحكومة.

الموقف تغيّر بـ180 درجة في الأسابيع الأخيرة، والسبب حادثة لم يكن ممكناً التعتيم عليها. فقد تولّت مجموعة متشدّدة الاعتداء على مسؤول أمني وذبحه بفتوى من إمام مسجد، ثم الاختفاء في المسجد تحت حماية الإمام. هذا الحادث الفظيع الذي تضاف إليه عشرات حوادث الاعتداء على الأمنيين وأسرهم وممتلكاتهم، دفع المؤسسة الأمنية إلى وضع احتجاجي لم يعد ممكناً للمسؤولين التغاضي عنه، ولا لحزب «النهضة» الحاكم أن يزعم أنه «فزّاعة» يطلقها أزلام النظام السابق. لذلك جاء القرار حاسماً بمنع انعقاد المؤتمر الثالث لتنظيم «أنصار الشريعة» الذي يرجّح ارتباطه بالقــاعدة في المغرب الإسلامي، لا سيّما والبلد يشهد احتقاناً آخر يتمــــثل في تواصـــــل محاصرة قوات الأمن والجيش لجبل الشعانبي علــــى الحدود الجزائرية، والذي تتحصّن فيه، على ما يقال، مجموعة إرهابية تابعة للقاعدة، عدا عمليات اكتشاف مخابئ الأسلحة في كل مكان، وقد أصبحت أخباراً شبه يومية في الصحافة.

طبيعي أن نسجّل اليوم بايجابية هذا التطوّر لموقف الحكومة والحزب الأغلبي فيها، ومما لا شكّ فيه أن رئيسها الحالي كان من ضمن القياديين النهضويين الذين اتخذوا موقفاً واضحاً ضدّ الإرهاب منذ القديم، وقد يكون أوّل قيادي نهضوي استعمل كلمة «إرهابي» لوصف الجماعات الجهادية، عكس الموقف الرسمي لـ «النهضة» الذي ظلّ يميّع التسميات والمواقف حتى وقت قريب. لكن لا بدّ أيضاً أن نسجّل، للتاريخ، مسؤولية من ترك «القاعدة» تتغلغل إلى أن أصبحت لها قواعد تدريب ومخابئ أسلحة ومقاتلون يُدرّبون على الحروب في مالي وسورية. وهذه المسؤولية تعود إلى «النهضة»:

فقد كان متوقّعاً أن تتسم سياسة «النهضة» بالتعثر في الميدان الاقتصادي والإصلاح الإداري، لأن أعضاءها كانوا مبعدين عن الشأن العام. ولحدّ ما، يمكن للتونسيين أن يغفروا هذه التعثرات، فهي ضريبة من ضرائب الانتقال الديموقراطي. لكن ما لم يكن متوقّعاً أن تكون سياسة «النهضة» متعثرة أيضاً في الميدان الديني، بل هي سياسة فاشلة وخطيرة. فهذا الميدان هو «اختصاصها»!

فالمساجد أصبحت ميادين نزال بين مجموعات الإسلام السياسي التي تتنافس على السيطرة عليها، وخطب الجمعة أصبحت سياسية وتحريضية، والعنف الديني بدأ مع مدارس الزمقتال التي افتتحها المدعوّ الشيخ الورغي، وقد توفي منذ فترة، وهو عضو في حركة «النهضة»، خرج من السجن بعد الثورة، وأحاط الكثير من الأساطير بقدراته القتالية الخارقة التي اكتسبها في أفغانستان، وقد سعى إلى تدريب «الشباب الإسلامي» عليها في المدارس التي دعيت بمدارس الزمقتال حيث تدرّب شباب «النهضة» و «القاعدة»، وبدأت تنمو فكرة الجهاد بالمعنى القطبي والبنلادني.

وكانت حسابات «النهضة» بسيطة وهي استعمال ذلك الشباب للانتفاضة إذا ما زُوّرت الانتخابات، لكن بعد وصولها إلى السلطة لم تدر ما تفعل بحلفائها القدامى الذين غرّرت بهم، وتركتهم وشأنهم مثلما ترك الأميركيون المجاهدين الأفغان بعدما حققوا غايتهم في التخلص من العدوّ السوفياتي، فكان مصير «النهضة» كمصير أميركا في 2001: تركت الخطر ينمو ويكبر إلى أن انفجر في وجهها.

منذ أحداث السفارة الأميركية في أيلول (سبتمبر) 2012، خضعت «النهضة» لضغط قوي من حليفها الأميركي لحلّ هذه المشكلة، لأن الدافع الرئيسي لمساندة أميركا للنهضة، وللحركات الإخوانية، توسّم القدرة فيهم على التصدّي لإرهاب «القاعدة». وسعت «النهضة» مذّاك إلى محاورة الجهاديين، فزادت الوضع سوءاً، لأنها داوت بالتي كانت هي الداء. فبدل أن تسعى إلى تعميق قيم المواطنة والتسامح وتميّز بين السياسي والديني وتفرض شروطاً موضوعية لإمامة المساجد، استقدمت جحافل من «الدعاة» المشرقيين للردّ على الجهاديين بمقولات وخطابات من نفس مقولاتهم وخطاباتهم. وكان آخرهم محمد حسّان، الذي لم تنفع خطاباته ولا بركاته في ثني «أنصار الشريعة» عن عقد مؤتمرهم، ولم نره يذهب إلى المتحصّنين في جبل الشعانبي يقنعهم بالرجوع عن غيّهم، وإنما أتى في سيارة مرسيدس ضخمة إلى مدينة الحمامات السياحية، وجمع آلاف المعجبين في الطريق العام فأخاف السيّاح والمواطنين، ولم يجن البلد شيئاً من مجيئه سوى ضرب صورة السياحة التي تمثل مورداً رئيسياً من موارد الدولة، والإجراءات الأمنية المشددة التي اتخذت لحمايته، وهو الذي جاء ليدعو الناس إلى الصبر والتضحية بالنفس في سبيل الإسلام.

بهذه السياسة المتناقضة تريد «النهضة» أن تقضي على الإرهاب، تاركة بذوره ومقولاته تنمو بين المواطنين، ومغرّرة بالشباب التائه الذي لم توفّر له حتى الآن فرص العمل والكرامة، ومواصلة نفس سياسة بن علي في التعتيم على الأحداث وعدم توفير المعلومات الدقيقة والصحيحة للمواطنين.

الجميع يعلم أن الوضع الاقتصادي مقبل على مزيد التدهور، وأن ازدياد البؤس والفقر وخيبة الأمل ستجعل قطاعات واسعة من شباب الأحياء الفقيرة والمناطق النائية فريسة سهلة للأفكار الجهادية المتطرفة، فلا نجحت «النهضة» في تحسين أوضاعهم الاجتماعية بما يخفف الاحتقان لديهم، ولا في تهدئة الجبهة الدينية بما يخفف إمكانات التغرير بهم بالمقولات والشعارات الدينية.

يوم الأحد الماضي، نجحت المؤسسة الأمنية، بعدما استرجعت المبادرة، في منع انعقاد مؤتمر أنصار الشريعة، وأثبتت أنها ما زالت قوية رغم كل الضربات. لكن، أليس ترك الملف للأمن وحده عودة إلى سياسة بن علي التي طالما دانتها «النهضة»؟ وما هي المقاربة الشاملة التي ستطرحها «النهضة» وحكومة الترويكا في هذا الموضوع؟ المرجّح عندي أن ذلك لن يأتي، لأن داخل بعض الأوساط القياديّة البارزة للنهضة ما زالت الأفكار التكفيرية لسيّد قطب معششة، ومن أضمر التكفير مهّد للإرهاب، وصاروخ الإرهاب ثلاث طبقات: التكبير ثم التكفير ثم التفجير، كل طبقة تمهّد للأخرى.

عن ملحق تيارات – جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق