تَلعْثم العلاقة بين الشّيوعيين والإسلاميين

قبل الدخول في ثنائيّة العلاقة الغامضة بين الشّيوعيين والإسلاميين بالعراق نشير إلى حقيقة أنّ التّغيير ودعم الديموقراطيّة الحاصل في بلداننا صاحبه صعود القوى المغيّبة والمقموعة، التيارات الإسلاميّة وبشكل أقلّ العلمانيّة. وهي قوى حريصة على وطنها ومختلفة في أولوياتها، تفتقد للخبرة وحسن التفاهم فيما بينها، تجلّى ذلك في صراعات وتجاذبات أدّت إلى إضعاف مؤسّسة الدّولة ووضعت المجتمع أكثر من مرة على حافة حرب أهليّة، في إشارة مبكّرة إلى أن التغيير سيكون مؤلما وطويلا.
فيما يخص العراق فإن التغيير الذي جاء من الخارج، وليس بأيدي وطنيّة، صار هو المشكلة بعد أن أربك المعادلة السياسيّة وساهم في تخريب مؤسسة الدولة الوطنية وتمزيق النسيج الاجتماعي وإرجاع المجتمع العراقي إلى تكويناته البدائيّة، إلى القبيلة والطائفة. وإذا كانت هناك حسنة واحدة نذكرها للاحتلال الأمريكي البغيض للعراق هي أنه لا يوجد أي من الأحزاب السياسية التي دخلت مع المحتل ووصلت إلى سدّة الحكم من يدعي لنفسه أسقاط الديكتاتوريّة.
ساعد ذلك، في بداية الأمر، القوى السياسية على التواضع والقبول الشكلي بمبدإ الحوار والتبادل السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع. استمرّوا بعدها يتبادلون الرّكلات من تحت الطاولة. العلماني يناضل ضد الظلم والجهل، في إشارة منه للإسلامي، وهذا الأخير يبني شرعيّته على أساس نضاله ضدّ الظلم والإلحاد، في إشارة منه للعلماني. في حفلة مناوشات كشفت عن هشاشة النّضج السّياسي وعن ولع كارثي بكرسيّ السّلطة وعن أصوليات حزبيّة منغلقة على نفسها ومحتفظة بإرث مؤلم في ممارسة القمع والإلغاء بحق بعضها البعض، واضعة على رف النسيان حكاية الضحايا التي كانت ترويها لأبنائها في المنفى.
إنّ الظلم الذي مارسته ديكتاتورية البعث العراقي، في الربع الأخير من القرن العشرين، هو الذي وقف خلف التقارب السياسي بين الشيوعيين والإسلاميين وليس توافق الأفكار والاستراتيجيّات، الأمر الذي أبقى هذا التقارب حبيس غرف القادة والمسؤولين في المنفى ولم يتحوّل على الأرض إلى علاقات وتحالفات سياسية حقيقية، كاشفا عن قطيعة ثقافية واجتماعية غائرة في النّفوس.
صحيح أن ظلم الديكتاتور لم يوفر أي من القوى السياسية العراقية وأبعدها عن حاضنتها المجتمعيّة وشتتها في المنافي أكثر من ربع قرن إلا أن اليساريين نالهم أكثر ممّا نال الإسلاميين من تغييب وإلغاء، حيث بقي لهذه الأخيرة المسجد والحسينيّة كخطوط تواصل غائرة في عمق التاريخ والمشاعر حافظت على رمزية العلاقة بالجماهير، بل حتّى المرجعيّة الشيعية بقيت في مدينة النجف تمارس نشاطها مع كل التهديدات والاغتيالات التي رافقت وجودها.
هذه الحقيقة نلمسها اليوم في حضور الإسلاميين وانحسار الشيوعيين في الشارع العراقي، في ظل هياج طائفي وتنافس لا يهدأ على كرسي مهجور ووطن خرب وشعب منهك يحتاج لجهود الجميع. قبل سقوط ديكتاتور العراق لم يكنْ التيار الإسلامي، على العكس من الدول العربية الأخرى، هو الأكثر تنظيما وتأثيرا، وكانت يومها الدلائل والإحصائيات تشير إلى غلبة اليسار على موزاييك المعارضة العراقية.
ولكن بعد دخول المحتل وفي لحظة تاريخية مناسبة وظروف سياسية ما زالت أسرارها طي الكتمان، استولت التيارات الإسلامية على المشهد السياسي وعلى آلية الحكم حاملة معها صراعاتها وأهوائها، تكشفت بمرور الأعوام عن حقيقة أنها تيارات حركيّة ليس من أولوياتها انتشار التدين الحق وتعمقه أو البحث عن بدائل ناجعة للاستبداد والفساد الجاري في مفاصل الدولة والذي شكت منه أعوام طويلة. بل إنّ الذي حصل هو غير المأمول من ضحايا الديكتاتور، وأُعيد إنتاج الكثير من مفردات الفساد والاستبداد السابقة، ولكن هذه المرة بلغة إسلاميّة وطائفيّة غلبت عليها النفعية والعاطفة.
إنّ شائعة الثقافة وحكاية الفهم الكلي للحقائق المطلقة كانت، وما تزال، فأل سيّء على الشيوعيين العراقيين. أبعدتهم عن البسطاء والعامّة وميّزت بينهم شرائح نخبويّة وسلوكيات متعالية، وأحيانا إقصائيّة لمن يختلف معهم في الرّأي. والتاريخ القريب يروي عن أن القطيعة بين اليسار وبين الجماهير لم تأتِ دفعة واحدة بين يوم وليلة فلقد ساهمت ظروف النّضال الصعبة في السّجون والمنافي في إبعاد الشيوعيين عن الحياة السياسيّة طويلا وقللت من احتكاكهم بالمناضلين والضحايا من الأحزاب والتيارات الإسلامية الأخرى، تسبب ذلك في قلة متاعهم من العلوم الشرعية، وكشف عن معلومات ومعرفة متواضعة بالمقدس اتصفت أحيانا بالانتقائيّة وتمحورت حول أشخاص وأحداث تاريخيّة من دون أن تشكل رؤية منسجمة ومتكاملة.
من جهة أخرى أدى انشغال الشيوعيين بالنظريات والماديات إلى إهمال الجانب الرّوحي والنّفسي للفقراء، وكشفت برامجهم السياسية عن قصور نظري في فهم الدّوافع الملتبسة للفقراء في تمسكهم بالمعتقدات والشّعائر، واختصرت بالجهل والفقر والقمع. بل نجد حتى الحوارات اليوميّة بين اليساريين في المقاهي أنّها ارتكنت هي الأخرى إلى بديهة أن “الإسلامي” متخلف ولا يستطيع التّماشي مع متطلبات العصر وإنّ الاكتشافات العلميّة والتطورات السريعة ستدوس عليه وتعبره، وهي رؤية فيها الكثير من الاتكاليّة ونسيان حقيقة أنّ مجتمعاتنا ما زالت بطيئة التطور وأرض خصبة للأساطير والحكايات والشعائر وأن الإسلامي حتّى لو كانت تنقصه مفردات الحداثة فإنّه ثري الرّوح ومنتج للشعائر، وقد اثبتت التطوّرات لاحقا أنّ الإسلاميين استثمروا كلّ ذلك واكتسبوا بسببه ديناميّة وخبرة في العمل والانتشار بين المهمشين والفقراء.
إنّ النّظرة الأصوليّة العلمانيّة إلى الأصوليّة الإسلاميّة لم تجعل من أولويات الشيوعيين تدبر قراءة النص القرآني واختراق القشرة المقدّسة للتفسيرات الكلاسيكيّة والخوض في النصوص التي لم تنقطع بعد صلتها بالواقع والحفر في المدلولات العميقة للمسلمين الأوائل التي أمست رموزا مؤثرة في الحياة اليوميّة. فالدّين الإسلامي ليس ثوابتا فقط بل اجتهادا أيضا. والحوار والتّأويل والتّوظيف في مجالات العدل والحقّ والحريّة والدّفاع عن حقوق الفقراء من دعائمه.
وهذا الذي نقول ليس ببعيد عن الطابع الحركي الذي عُرف به الحزب الشيوعي العراقي بين الجماهير، يمهّد له الخوض في مجال التراث والتاريخ لدعم العقلانيّة التي يتمتّع بها وإنشاء خطاب ظرفي على أسس اجتماعيّة _ تاريخيّة قابلة للفهم. إنّ استلهام الشيوعيين للذات التاريخيّة العراقيّة وجعلها إحدى مفرداتهم اليومية ضرورة نضاليّة تفتح أمامهم مجال التعايش مع التيارات الإسلامية، وتخفف عن كاهلهم ما راكمته الأعوام من فتاوى وتشويهات تكفرهم وتضعهم في الضد من مشاعر الفقراء، يدعم ذلك وجود الكثير من الأسماء اليساريّة الكبيرة التي قَدِمت من عوائل دينية كـأبي العيس، سلام عادل، أبو النور وغيرهم التي كسرت حاجز النخبوية وساكنت رجال الدين ومارست شعائرهم.
إن خوض الشيوعيين في المقدس ليس معيبا في ظروف العراق الحالية، بعد أن فرض الواقع على القوى السياسيّة التفاهم والعمل سوية وتحريك الخطاب السياسي وترحيل الخلافات العقائديّة. ونستطيع القول إنّ هذا الخوض جزء من نضال الشيوعيين ومن حاجة الشارع إليه وليس انصياعا لرغبة الإسلاميين، ناهيك عن أن الحزب الشيوعي في تطويره لهذا الجانب سيتطور هو من الداخل وسيتخلص من النظرة الدونية والفهم السطحي للإسلاميين. فقد أثبتت الأحداث أكثر من مرة أن التهوين من دور الدّين والسّخرية من الطقوس والشّعائر لم يؤدِّ، لا بالعراق ولا في غيره من البلدان، إلى فقدان الدين لمكانته في قلوب العامّة، بقدر ما أدى إلى عزلة المهونين وانفصالهم عن الواقع.
إن الرؤية الناقصة التي اختزلت كل ما هو ديني بالتخلف والجهل تناسلت وأنجبت “رؤية” سطحية تنظر إلى الإسلاميين ككتلة واحدة وفكر موحّد من دون البحث في الخطابات السياسية والمرجعيات العائلية والخلافات الفقهية، الأمر الذي حيّد أسلوب الفرز وعرقل فرص التعامل مع الاتجاهات التي يمكن البحث معها عن خطوط مشتركة. لقد أخذ الشيوعيون على الغرب الرأسمالي توافقه وتفهمه لصعود الإسلاميين السريع في حين كان عليهم، كوطنيين عراقيين، المبادرة إلى ذلك الفهم واتباع سياسة متعددة الأبعاد وإنشاء خطاب سياسي عارف باليومي والبعيد والعميق من المشاعر، حتى لو استدعى ذلك إنشاء هيئة حزبيّة خاصة معنية بمتابعة هذا الجانب أو انشاء زاوية في جريدة الحزب الرسمية تهتم به.
ففي العراق بدأت بالظهور أجيال جديدة ومتعلمة تبحث عن الرفاهيّة والتّعليم والسكن والسّفر والتكنلوجيا الحديثة، وفي نفس الوقت ترى هذه الأجيال قادتها وأئمتها وهم يسرقون ويكذبون ويقتلون باسم الطائفة، وبالتالي فإنّ النزول إلى الشارع والوقوف مع هذه الأجيال والاهتمام بتطلعاتها هو ضرورة آنية ومستقبلية تصب في عملية التحوّل الجارية بالعراق. صحيح أن عملية التحوّل هذه، التي توقعنا لها أن تكون مؤلمة وطويلة، تدعونا للحذر من ثوب المقدس ومن ازدواجيّة الخطاب الإسلامي ومن الشدّ الطائفي ولكن علينا الثقة بالشعوب وبأن تطور الأحداث لن يسمح باستمرار ذلك على ما هو عليه إلى الأبد وسيفرز الفساد المستشري والشد الطائفي المقيت والمتكرر شرائح ناقمة تميل للاعتدال والعمل الوطني المشترك وسيرافق ذلك انقسامات وتوافقات جديدة تعيد بناء المشهد السياسي، وعلى الشيوعيين الانتباه وتوقع ذلك والدفع باتجاه توسيع الحوار مع المعتدلين والتعامل مع النتائج على الأرض في حدود المصلحة الوطنيّة حتى لو أدى ذلك إلى إلا أن يدعم اليساري برنامج الإسلامي، إذا وجد فيه ما يلبي مطالب الشّعب. بعد سقوط الصّنم حدثت تغييرات في كامل بنية المجتمع العراقي وتحرك الشيوعيون في أكثر من مناسبة باتجاه الإسلاميين، وغير الإسلاميين، لمناقشة حال البلد ووضع استراتيجية عمل مناهضة للطائفيّة وسرقة أموال الشعب، ولكن هذه التغييرات المجتمعيّة التي ما زالت تغلي وتفور وتعيق العمل المشترك من التجذّر والتبلور في تيّار سياسي مؤثر، الأمر الذي يعني أن الأرضية السياسية للمصالح المشتركة لم تنضج بعد، وأننا ما زلنا بعيدين عن منطقة التحالفات السياسية والجبهات الوطنية والإطارات المشتركة.
إن وجهة نظرنا التي تدور حول فكرة فهم الآخر وتقبله وتوسيع رقعة الأفكار وأساليب العمل في الوطن العراقي الواحد هي ليست دعوة للتخلي عن المبادئ ونكران الاختلافات الايديولوجيّة ولا حتى الخلط المفتعل بين المفاهيم أو التخلي عنها لأغراض معينة ولكننا نتحرك في حدود المصلحة الوطنية العامّة التي تستدعي فهم آليات التفكير عند الآخر الذي نتعايش معه في عراق نأمل منه أن يسع الجميع. ففي مشروع بناء الدولة العراقية اليوم توجد أشكال الصّراع، يتظاهر فيها الشيوعي إلى جانب الإسلامي في ساحة التحرير ببغداد ويرفعان شعارات متقاربة في المضمون تناوئ الامبريالية والطائفية وسرقة الثروات، ويتبادلان المواقع ولا يخفيان أو يخففان من ركضهما صوب الكرسي.
ولو قيض للإسلامي استلاف خطاب الآخر العلماني بما يضمن بقاءه على الكرسي لما تردد في ذلك، ولبحث عن عشرات الآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة التي تبرر له ذلك. بمعنى أننا نعيش حالة سياسية جديدة، فيها أكثر من حزب علماني وأكثر من اتجاه إسلامي وأكثر من مرجعية فقهية، وقد يختلف العلماني مع العلماني كما حدث بين الشيوعيين وبين قائمة إياد علاوي “العراقية”، ويصطدم الإسلامي بالإسلامي كما حدث بين التيار الصدري وبين حزب رئيس الوزراء نوري المالكي “الدّعوة”، ويتزاحم المرجع محمود الصرخي مع آية الله علي السيستاني على المرجعية الشيعية بمدينة النجف. ولكن تبقى المصلحة الوطنية والمفاهيم العامة في الحقوق والحريات والعدالة مشتركات تساهم في تضييق هوة الاختلاف، على اعتبار أن المغالاة في الحالين لا تحل المشكلة وستعيد الجميع إلى مربع الصراع الأول واستمرار دائرة الدم.
بعد سقوط الديكتاتور شهدنا إقبال شيعة العراق بلهفة على كرسي السّلطة والأضواء بعد أن جلسوا ألفا وأربعمائة عام، على الأرض في الظل يعدّون المظالم والمعاناة، وهو ما يفسر جنون تمسكهم بالسلطة وانقسامهم من حولها وتدبر أمورهم بعقول متوجسة من الآخر. إن ابتلاع الطعم من دون القدرة على هضمه، بعد عقد من السنين ودورتين انتخابيتين، كشف عن أنّ الكرسي كبير على الإسلاميين وأنهم لوحدهم غير قادرين على بناء عراق جديد يحفظ حقوق الجميع، وأن الطائفية لوحدها لا تبني هوية وطنية متنوعة ومطمئنة للآخرين، وأن الخطاب الرّوحي الجاذب في طريقه إلى أن يفقد بريقه، وأن الدولة كمؤسسات قانونية وحقوقية لا تستطيع إطعام شعبها صوم وصلاة وشعائر فقط. وبالتالي على القوى اليسارية والديموقراطية دراسة ذلك بعمق والتحلي بالصبر، فقد تحتاج الطائفية الدينية إلى أعوام وضحايا وجهود أكثر بكثير من تلك التي استدعتها الديكتاتورية القوميّة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق