ثقافة الإخواني وشقيقه القومي: «احتجاج» لا «حُكم» / حمّود حمّود

الإخوان المسلمون هم أولاً وقبل كل شيء «جماعة احتجاج»، لا جماعة مؤهلة لأنْ تحكم؛ جماعة تمرد دينية (وإن ادعت الإصلاح التدرجي)، لا حزب سياسي كأي حزب. هذا متأصل في بنية الإخوان التكوينية منذ نشأتهم على يد «الشيخ المرشد» حسن البنا. إنهم، ببراعة، يعلمون كيف يعترضون، كيف يحشدون الناس ويُهيجونهم، لكنهم لا يعلمون كيف يحكمون. لقد استمر هذا المنطق الجماعاتي المتمرّد يحكم سلوك وإيديولوجية الإخوان على مدار تاريخهم إلى أن صعدوا إلى السلطة بعد أكثر من ثمانين سنة وهم مُقَولبون بمنطق الاحتجاج. إنّ مثل هذا التقولب هو ما شكل، كما سيتوضح لاحقاً، أحد الأسباب الرئيسية في عدم نجاحهم في تجربة حكم الدولة حينما انتقلوا فجأة من «جماعة معارضة» إلى «جماعة حاكمة،» من غير أن يستطيعوا إجراء أيّ تحديث إيديولوجي داخلي على منطقهم ووعيهم التمردي، المعارض أساساً.

بالأصل لا يمكن لأيّ فكر «جماعاتي»، أصولي، الصــعود إلا من أجل أنْ «يحتجّ»؛ فالاحتجاج ليس سمة أو ظــــاهرة عابرة في هذا الفكر، بل يشكل أحد أركانه التكوينية، ذلك أنّ الأصولية لا تكتسب شرعيتها إلا من خلال سلوكٍ احتجاجيٍّ قائم أساساً وفق ذهنية ضدية: احتجاج لا على اللحظة التاريخية المحيطة بالأصولي فحسب، بل حتى على ذاته «المذنبة» نفسها (لأنه فكر طهراني). إنه دائم التخيل أنّ «الأمة» تعيش في «منعطف خطير»، يتخــيل أنّ آلاماً تحيط به، وما عليه سوى الاحتجاج على هذه الآلام. فالســـيد عفلق البعث، مثلاً، لم ينطلق بأصوليته القومية إلا من خلال «وعاء الآلام» وهذا المنعطف الخطير؛ حيث تخيل الرجل أنّ آلاماً قد أصابت العروبة ســـابقاً في الجاهلية، فاستدعى الأمر ولادة الإســـلام، وبأنّ هذه الآلام قد عادت فأصابت أمّة العروبة بواســـطة شـــياطين الإمبريالية الغربية، لهذا استدعى الأمر أيضاً ولادة بعثٍ جديد لإنقاذ الأمة من «آلام العروبة». إنّ مثل هذه الآلام يمكن أن نقرأها كذلك بلغة قريبة من شقيق عفلق: السيد قطب أو قبله البنّا.

في الحقيقة، إنّ القومي والإخواني لأنهما مخلوقان عصابيان، فإنهما دائما التوتر، إنهما مخلوقان دائما الصراخ، لا يمتلكان إلا الإيديولوجيا الزائفة، لا تحركهما إلا غرائز الهيجان؛ ودائماً ما يحتاجان إلى «جماهير كادحة» تهيج مع هيجانهما. إنهما دائما الشكوى، يشتكيان من كلّ وعلى كلّ شيء. إنّ الوصول إلى السلطة لا يعني انتهاء الشكوى، ذلك أنه يجب أن تكون هناك دائماً آلام تعيشها الأمة! فهي بالنهاية التي تعطي المشروعية لوجودهما في السلطة. إنهما لا يستطيعان العيش من غير شكوى؛ وهذه الشكوى يجب أن تُقابل دائماً بوصفات سحرية قومية وحلول دينية. ولنتذكر أنّ السيد عفلق البعث الذي لطالما اشتكى من منعطف «آلام العروبة»، كان بنفس الوقت لديه «البدائل الخلاصية الدينية» في الرجوع بالعرب إلى «أصلهم» الطاهر والنقي.

بالطبع، لأنّ بعث السيد عفلق هو وجه طهارة «أصل الأمة»، فهو الموكل الشرعي الوحيد للانقضاض على السلطة بغية الرجوع بالعرب إلى ذلك الأصل.

لقد قامت جماعة الإخوان منذ البدء على أرضية فضاء ثقافي أصولي متأزم سيطر على القسمات الرئيسية للبيئة الثقافية العربية؛ وهو الفضاء المريض نفسه الذي مثّل بمثابة «رحم كبير» ومديد أنتج للعرب جماعات شقيقة لهم هم «الجماعات القومية» (لا غرابة اليوم أنْ يُثبت بعض المصريين مرة أخرى، ممن يرفعون صور جمال عبد الناصر ومحمد مرسي، يثبتون التالي، أننا نحن العرب ووفقاً لفضائنا الثقافي المديد، لا نستطيع إنتاج سوى مخلوقين: إما عبد الناصر وإما سيد قطب، إما مرسي وإما السيسي…وهكذا دواليك). إنّ أهمّ ما يميز هذا الفضاء الثقافي العربي أنه فضاء كان، وما زال، خارج حركة التاريخ والحداثة، ويجد ضالته الدائمة من خلال ربط سلوكه وفكره بقنوات ما قبل الحداثة.

وإذا كان الفضاء الثقافي الذي صعدوا من خلاله هو فضاء مريض بمرض الماضي، بمرض الحنين النوستالجي العدمي، فليس مستغرباً أن تتغلف الإيديولوجية القومية والإخوانية بطابع «رد الفعل». وهو رد فعل تأزمي (لأنه مفلس من الفعل) احتجاجي يجب عدم فصله عن الحامل الديني الذي يتميز بالأصل بـ «إطلاقيته»، «تمرديته»…الخ، فضلاً عن تمتعه بالقوة الرمزية «الخلاصية» التي يقدمها كبديل أخروي عن الواقع. لهذا، من المهم ملاحظة أنّ معظم الأدلوجات القومية والإخوانية التي قامت في القرن العشرين، وما زال بعضها مستمراً، لم تستطع أن تصعد إلا وفق منطق «الخلاص»، منطق الاحتجاج ضد هذا العالم البائس: «العالم الجاهلي» (سيد قطب وحسن البنا)، و«العالم الإمبريالي» (ميشيل عفلق).

لنلاحظ: القومي والإخواني لم يولدا من داخل نسقية الحداثة، وإنما من خارجها. ما هو استحقاق هذه الجملة؟ أولاً، لأنّ الحداثة هي حركة تاريخية، فلا غرابة بقاء هذين المخلوقين خارج التاريخ. ثانياً، لأنّ ذهنيتهما قائمة بالأصل على المنطق الضدي، فلا غرابة أنّ كل ما ينتج من الحداثة، سيُصور بالضرورة، وفق ذهنيتهما الأسطورية المثالية، وكأنّ الغاية منه تقويض المشروعية المتخيلة لهما. فمثلاً، إذا كان نشوء الدولة هو إحدى التعبيرات التاريخية للحداثة من جهة، وكان الغرب قد قدمها للعرب كأفضل مما أهدي لهم مع بداية انفصالهم عن الحاضنة العثمانية من جهة ثانية، فإنّ هذين المخلوقين، القومي والإخواني، قد وقفا ليحتجا، ضدياً، على هذه الهدية بوصفها من عمل الجاهلية والإمبريالية السايكس – بيوكية!

هكذا، لتغدو الدولة ألماً من «آلام العرب» يجب التخلص منها ومن شرعيتها الإيديولوجية «القطرية». لهذا، حينما صعدت معظم الأحزاب القومية العربية إلى سدة الحكم وهي مملوءة بشهوة التسلط، لم تعتبر الدولة إلا «سلطة» من أجل تقويض سلطة الدولة واللهاث إلى ما وراء الدولة.

الأمر نفسه يمكن ملاحظته من خلال تجربة السيد مرسي «المحتج أساساً»، والذي اعتبر الدولة غنيمة سماوية بسبب جهدهم الطويل المتواصل وهم يجاهدون من أجل الأمة.

من هنا من الصعب توقع أنّ الإخوان المسلمين، وهم اليوم في غمرة «احتجاجهم»، سيستطيعون الانقلاب على منطقهم الأصولي الاحتجاجي المتأصل فيهم. إنهم قاموا كحركة إحيائية محتجة على هذا العالم، وسيبقون محتجين ما داموا يسكنون على الضفة الأخرى من العالم.

عن ملحق تيارات

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This