ثلاثية المقاومة والتمرد والثورة! / السيد يسين

كنت أقرأ مؤخراً كتاباً بالغ الأهمية عنوانه «الثورة والتمرد والمقاومة: قوة الحكاية» ألفه «إربك سيليني» عام 2010، وترجمه ترجمة رائعة أسامة الغزولي، ونشره المركز القومي للترجمة بالقاهرة في العام الحالي.

وقد لفت نظري بشدة أن المترجم، وهو كاتب معروف، كتب تقديماً نقدياً للكتاب زاخراً بالاستبصارات العميقة والآراء السديدة.

لن أخوض اليوم في مضمون الكتاب، وإن كان يستحق أن أعرض أفكاره بشكل مطول نظراً لمنهجه المبتكر، ولكنني سأقنع هذه المرة بالتعريفات الوجيزة التي وردت في التقديم حين فرق بين الثورة باعتبارها عملية تغيير شامل للمجتمع، والتمرد باعتباره تغييراً جزئياً، والمقاومة، باعتبارها تمثل الرفض والممانعة.

وقد حاول أن يطبق هذه التعريفات على الحالة المصرية فقال، وأنا أقتبس منه: “فماذا يصنع المصريون منذ الخامس والعشرين من يناير 2011، إذا طبقنا المعايير التي يقترحها الكاتب لتحديد طبيعة اللحظة الثورية، فسوف يتبين لنا أننا شهدنا حالة مقاومة، صعّدتها الإرادة الشعبية من جانب الرئيس مبارك وحكومته إلى حالة تمرد، ولا يشير أي شيء إلى احتمال أن يتواصل التصعيد ليبلغ حالة الثورة. لكننا وباستخدام تعبيرات ستجدها في هذا الكتاب. تشهد “حالة ثورية” قد تسفر عن “محصلة ثورية”.

ومن الواضح أن الأستاذ الغزولي متحفظ -مثله في ذلك مثل بعض الكتاب العرب والأجانب- في وصف ما حدث في 25 يناير بأنه ثورة. ولكن بغض النظر عن هذه النقطة الخلافية، أنا أريد اليوم أن أقف عند المسار الذي وصف الكتاب الذي نتحدث عنه والذي يبدأ -في حالة السخط الشعبي على أداء نظام شمولي أو سلطوي- بـ«المقاومة» أي الرفض والممانعة، الذي -تحت شروط معينة- قد يتحول إلى “تمرد”، والذي قد يتطور ليصبح ثورة مكتملة الأركان.

والسؤال الذي أطرحه الآن للنقاش بعد اندلاع «ثورة» 25 يناير التي شاركت فيها كل الفصائل السياسية من دون استثناء -ما عدا الحزب الوطني بطبيعة الأحوال- حيث شهدنا أنصار الأحزاب السياسية المعارضة جنباً إلى جنب مع أعضاء جماعة «الإخوان المسلمين» والتيارات السلفية، وفي مقدمة هؤلاء جميعاً شباب الثورة الذين أوقدوا شعلتها، وتبعتهم كافة طوائف الشعب بلا استثناء شباباً وكهولاً ورجالاً ونساء وأقباطاً ومسلمين، والذين كونوا تجمعاً ثورياً فريداً في التاريخ المعاصر، نجح المشاركون فيه تحت تأثير هتاف «الشعب يريد إسقاط النظام» في إسقاط النظام فعلاً، وإجبار الرئيس السابق على التنحي عن السلطة.

والسؤال الاستراتيجي الذي أطرحه الآن -كما صغته في كتابي الذي صدر مؤخراً عن المركز العربي للبحوث «الشعب على منصة التاريخ»، ما الذي حدث في اليوم التالي للثورة؟

لن أخوض فيما تعرفونه من حوادث جسام حدثت طوال المرحلة الانتقالية إلى أن وصلنا إلى «محطة» فارقة هي انتخابات رئاسة الجمهورية، والتي شهدت لأول مرة في التاريخ المصري منافسة قوية بين عدد من المرشحين الأقوياء لكل منهم وزن سياسي معتبر، وتاريخ متميز.

وبعد معركة بالغة الحدة والعنف تتعلق بإعلان النتيجة النهائية لمن حصل على أعلى الأصوات حفلت بالمزايدات السياسية العنيفة، أعلن نجاح الدكتور مرسي وأصبح رئيساً للجمهورية. وهو كان قبل ترشحه للرئاسة رئيساً لحزب «الحرية والعدالة» الذراع السياسي لجماعة «الإخوان المسلمين»، وقد ظهر في برنامج تلفزيوني ووعد فيه -في حالة فوزه بالرئاسة- أن يطبق شعار «مشاركة لا مغالبة». بمعنى حرص جماعة «الإخوان المسلمين» على التمسك بأهم قيمة من قيم الديمقراطية وهي التوافق السياسي. وهذا التوافق في الواقع -بعيداً عن المماحكة في رفع شعار الصندوق- يعكس في الواقع روح ثورة 25 يناير التي لم يستأثر فصيل سياسي واحد بدعمها وتأييدها بعد أن أشعل شعلتها شباب الثوار. ومن هنا كان يتوقع -وخصوصاً بعدما «هاجر» إلى مرسي قبل إعلان نتيجة الانتخابات مجموعة من الرموز الليبرالية المعروفة وقابلوه في فندق «فيرمونت»، وأخذوا عليه المواثيق لكي يكون حكمه -لو نجح في انتخابات الرئاسة- توافقياً، بل فصلوا الشروط في مواصفات نواب رئيس الجمهورية لكي يكون من بينهم قبطي وامرأة، بالإضافة إلى وزارة ائتلافية تمثل فيها كافة الأطياف السياسية الفاعلة.

دارت عجلة الانتخابات وأعلن فوز مرسي بالرئاسة، الذي عين مجموعة كبيرة غير متجانسة من المستشارين ومساعدي رئيس الجمهورية كنوع من «الديكور السياسي» ما أدى بهم جميعاً تقريباً إلى الاستقالة بعدما أحسوا بأنهم مهمشون ولا يستشارون في أي شيء، بل وأبعد من ذلك تصدر -في وجودهم- قرارات دستورية وقانونية مخالفة للأعراف الدستورية والقواعد القانونية الراسخة.

لن أفيض في تفصيل القرارات الرئاسية الزاخرة بالأخطاء الدستورية والقانونية الفادحة التي ألغاها القضاء، سواء في ذلك المحكمة الدستورية العليا أو محاكم القضاء الإداري، فالمهم أنه ظهرت الرغبة العارمة لجماعة «الإخوان المسلمين» في أن تستأثر بالحكم المطلق لمصر، حتى لو تضمن ذلك إجراءات إقصائية بالكامل للمعارضة، وذلك في إطار ما أطلق عليه مشروع «أخونة الدولة وأسلمة المجتمع»، بمعنى وضع كوادر «الإخوان المسلمين» في مختلف الوظائف القيادية في الدولة ليس فقط في مستوى الوزراء، ولكن على مستوى المحافظين، ووكلاء الوزارات، بل ومديري العموم.

وقد شابت عملية صنع القرار الرئاسي عيوب جسيمة في غالبية القرارات، وبعضها كان صادماً وأبرزه مؤخراً تعيين أحد أعضاء «الجماعة الإسلامية» التي ارتكبت منذ سنوات حادثاً إرهابياً خطيراً في الأقصر أدى إلى ذبح عشرات السياح، ليكون محافظاً للأقصر!

ما هذه العبقرية الفذة في إصدار القرارات الرئاسية؟ وأين معايير الرشد والتوازن والقياس المسبق لردود الفعل لمثل هذا القرار المستفز الذي كان له صدى بالغ السلبية في الأوساط السياحية، سواء في مصر أو في الخارج. بل ووصلت المسألة إلى احتجاجات دبلوماسية لبعض الدول التي قتل سياح لها في حادثة الأقصر الشهيرة.

وحتى لا يقال إننا نهاجم جماعة «الإخوان المسلمين» باستمرار وننقد بشكل منهجي قرارات رئيس الجمهورية المعيبة، يكفي أن نشير إلى القرار الجريء لوزير السياحة الأستاذ هشام زعزوع الذي قدم استقالته من منصبه احتجاجاً على تعيين محافظ الأقصر، وهو الرجل الذي بذل طوال العام الماضي جهوداً مضنية لعودة السياح إلى مصر. وخلاصة ما نود أن نركز عليه أنه وفقاً لنظرية «إيربك سيليني» التي أشرنا إليها نحن الآن نشهد للمرة الأولى في التاريخ ارتداد الشعب المصري من حالة «الثورة» إلى حالة «المقاومة» التي تمت طوال الشهور الماضية في مواجهة الاستئثار المطلق لجماعة «الإخوان المسلمين» بالسلطة، والتي تفجرت أخيراً لتصل إلى حالة التمرد!

وبعبارة أخرى، فالشعوب تتقدم بثبات ضد الاستبداد من المقاومة إلى التمرد وصولاً للثورة، ونحن -للأسف الشديد- نرتد من الثورة إلى المقاومة والتمرد!

عن جريدة الأهرام

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This