حدود المنهج 2/2

وكأنّي بالفهم الهرمنيوطيقي، قد صار منوطاً به كسر الطوق الذي فرضه المُعطى الترانسندنتالي للفلسفة التأمليّة، والتحوّل في العلاقة الكلاسيكيّة المتعالية “منهج – حقيقة” من الوضعيّة القائمة على دوغمائية المنهج،
إلى الوضعيّة القائمة على انفتاح الحقيقة، فالحقيقة هي في نهاية المطاف القدرة على تفهم لغة الآخر والإنصات إليها، بدلاً من”ابتلاعها منهجياً” عبر آتون لغتنا الخاصّة.
هي إذن أوهام الحداثة* ومنهَجة العالم ما أغرى العقل الغربي بالانعطاف نحو الهرمنيوطيقا؛ بل إنّها أحلام المماثلة والمطابقة والتّعالي والتّمركز ما جاءت الهرمنيوطيقا لتكشف عن قيمتها المعياريّة وتحفر عميقاً في ترسّباتها مميطةً اللثام عن مجازيتها وابتعادها عن الحقيقة. ولعلّ هذا ما أدركه البعض جيّداً عندما ربطوا ظهور الهرمنيوطيقا بأزمة الحداثة الأوربية، أو بطريقة أكثر وضوحاً بأزمة المناهج العلميّة فـ “بالموازاة مع الشمولية التي يدعيها المنهج العلمي يلجأ المنهج التأويلي- إن صح التعبير- إلى بحث طريقة جديدة أساسها توسيع مساحة تواجد الحقيقة وجعلها أكثر مرونة و انسيابيّة”13.
في الحقيقة إن هناك رغبة جامحة عند غادامر في تأسيس هرمنيوطيقا فلسفية تقوم بمراجعة شاملة لكل ما قدمه تاريخ الفلسفة، بل وفي إجراء نوع جديد من المصالحة الانطولوجية بين “الذات والموضوع”، “الأنا والأخر”؛ لذلك فإن هرمنيوطيقا غادامر لم تتوقف عند نقدها لمناهج العلوم الطبيعية، وإنما امتد نقدها أيضاً إلى الفلسفة الحديثة برمتها؛ أي إلى الحداثة من حيث هي التّعبير الدّقيق عن “الأنا” أو عن الذاتية.
فالذات غير مؤهّلة لفهم العالم بمفردها، فهي تزيد رقعة العماء الذي يفصلنا عن الوجود، ولا ترتقي إلى الأهلية الانطولوجية التي ينطوي عليها سؤال الفهم، لذلك ينصحنا غادامر بأن نكف عن تأوّل معنى الفهم وفقاً لـ براديغم الذات، فـ الفهم هو دائماً “لا ذاتي” على نحو جذري، أو كما يكتب غادامر فـ “الفهم ليس فهماً لسلوكيات الذات الممكنة والمتنوعة، بل هو نمط وجود الدزاين نفسه، وإنه لبهذا المعنى استعمل مصطلح التأويلية هنا”.14
في الحقيقة إن من شأن هذه الرؤية أن تدعم الخصوبة الانطولوجية التي تتميز بها الخبرة الهرمنيوطيقية، فـ غادامر عندما يدين مبدأ سيادة الذات، فهذا يعني أنه يدعو الذات من جهة أخرى إلى المرور إلى الفهم عبر توسط الآخر بكل تعيناته، وهذا التوسط ليس إلا قبولاً للآخر وإصغاءً لصوته، إنه فرصة جديدة لتحرير المعنى والسّماح له بالقدوم إلينا، وهو في نفس الوقت تحرير للذات ذاتها، أي تحريرها من الأوهام التي رسمتها حول نفسها، من أجل إعادة اكتشافها على نحو أكثر عمقاً واتساعاً.
ضدّ التّعالي المتعب للذّات الحديثة إذن، دفعت الهرمنيوطيقا بسؤال الفهم إلى الواجهة، معلنةً بأن الذّات ليست هي المقام الوحيد للسّؤال عن الوجود، وبأن المنهج ليس هو المصدر الوحيد لتعيين كل الحقائق في العالم، فالفهم الهرمنيوطيقي ـ كما يرى غادامر- ليس فهماً أداتياً يحدد المقولات والأطر ثم يبحث عمّا يملؤها بالموضوعات والأشياء، بل هو سؤال أكثر جذريّة من سابقه؛ إنّه يتعلق بالوجود أولاً وبالذّات، لذلك فما تروم الهرمنيوطيقا بحثه هو إقامة هرمنيوطيقا للوجود تتجاوز الوعي الذّاتي المنهجيself-methodical consciousness وتعلو عليه، فمهمّة الهرمنيوطيقا هي انطولوجية أكثر منها منهجية، أي أنّها، “لا تطرح سؤالاً عمّ نفعله أو ما يجب أن نفعله، ولكن عمّ يحدث، فيما وراء إرادتنا وفعلنا.15
إن التّناول المنهجي الذي تفرضه نظريّة المعرفة الكلاسيكيّة يقوم على اعتبار الأشياء معطاة بشكل نهائي، وعلى أنّ الذّات المتعالية هي مصدر الوعي المباشر بهذه الأشياء. من خلال هذه التّرسيمات السّالبة للذات ــ بما هي بيت كل حقيقة ممكنة “ديكارت” وبما هي المسار الذي يمكن من خلاله استقبال كل صور العالم وظواهره “هوسرل” ــ برزت الهرمنيوطيقا وبرزت مهمة الهرمنيوطيقا، فهذه “الذاتانية” لم تقدم بديلاً فلسفياً مقبولاً لعملية الفهم، ففرغت الذات من محتواها، وبدلاً من أن تتحول هذه الذات إلى موضوع للمعرفة ذاتها، أصبحت في موقع يخولها أن تجعل من العالم كله ميداناً لها، لاسيما أنّها فرضت تفوّقاً زائفاً للذات على الموضوع، وبهذا أنتجت نظريّة المعرفة وهماً باكتمال صورة الموضوع في الوعي المدرك وكذلك وهماً باكتمال الذات، غير أن السؤال المنسي والحال كذلك هو سؤال معنى الكينونة، ومثلما يرى أحد الباحثين فإنّه لهذه الأسباب “اتضحت مسألة اقتراح استبدال المنهج العلمي أو التّحليل الفلسفي بنوع جديد من المناهج وهي مهمّة الهرمنيوطيقا.16
من أزمة العلوم التجريبية إذن امتدت الأزمة إلى العلوم الإنسانيّة، وهذا ما ساهم في ترسيخ نوع من الأزمة والاغتراب على صعيد تناول النّصوص والثقافات الإنسانيّة، وقد تفاقمت الأزمة شيئاً فشيئاً بعد أن حاولت العلوم الإنسانيّة استخدام مناهج العلم الطبيعي، فقد تحوّل الإنسان إلى واقعة علمية، إذ غيب العلم الطبيعي الإنسان وساهم في اغترابه وتشيؤه، حتى تحول الإنسان إلى مجرد موضوع للبحث والتأمّل، وهذا ما أدّى أخيراً إلى التشكّك حيال الكثير من القضايا المتعلقة بالوجود والحياة والفن، وكما لاحظ دلتاي فقد “نما في القرن التّاسع عشر الوعي بالتقدّم المثمر الذي أحرزته العلوم الطبيعيّة، فلقد استطاع العلماء قياس ووزن كلّ مكوّن من مكوّنات الكوكب الذي نعيش فيه، وظهرت الاختراعات المذهلة التي ضيّقت المسافات على الأرض… فكان نتيجة ذلك أن فقدت الصور المثالية فاعليتها… وأصبح الشعور بالحياة مشكلة، وبدأ هذا واضحا ًفي كل أنواع الفن والأدب”.17
هي إذن الدوغمائية السالبة للعقل الغربي ما دفعت غادامر إلى التبشير بالهرمنيوطيقا الفلسفية، وبإمكاننا القول: “إن توجهاته الإصلاحية والنقدية هذه، تتنزل ضمن إطار الاشتغال الفلسفي الفينومينولوجي، الذي يتجه نحو انتقاد العلوم الطبيعية ويُعنى بالماهيات، ويرفض ثنائية الذات والموضوع، ويتمسك بمفهوم الوجود في العالم، ويرفض بالمجمل أي محاولة لعلمنة العلوم الإنسانية وتطبيعها* أو جعلها مجرّد خادمة للمنهج”.
لذلك يقترح غادامر الهرمنيوطيقا، مشروعاً لتحرير المعنى وإنقاذه في الفكر الغربي، فلا يمكن الوصول إلى المعنى إلا عندما ترسم العلوم الإنسانية مناهجها الخاصة بها والمختلفة طبعاً عن منهجيات العلم الطبيعي، لكن مشكلة العلوم الإنسانية ليست مشكلة محايثة لبنيتها من حيث هي علوم إنسانية، فجوهر العلوم الإنسانية لا إشكال فيه، وإنما المشكلة أن العلوم الإنسانية أصبحت ضحية هيمنة العلوم الطبيعة وسيطرتها، لذلك تابع غادامر معركة الاستقلال – إن صحّ التعبير – ضد الاستلاب العلمي وذلك بالتركيز على خبرتي الفن والتاريخ والارتقاء بهما إلى مصاف الخبرات الزاخرة بالحقيقة، فالهرمنيوطيقا إنما تريد التأكيد على أن “العلوم الإنسانية مرتبطة بأشكال من التجربة تقع خارج العلم: أي أنها ترتبط بتجربة الفلسفة، والفن، والتاريخ نفسه. وهذه هي جميع أشكال التجارب التي بلغتها معرفة معينة بحيث لا يمكن التثبت منها بوسائل منهاجية مناسبة للعلم”.18
لقد أدرك غادامر إذن أن الأزمة التي تعيشها العلوم الإنسانية هي أزمة استقلال وتفّرد، ومن هنا كان خياره الإستراتيجي أن على الهرمنيوطيقا أن تنأى بنفسها عن أن تكون مجموعة من القواعد والمبادئ،* ومعنى ذلك أن الهرمنيوطيقا تتعين في روح النص. التراث في كلّ تعرّجاته الوجوديّة وانتشاراته التاريخيّة والمعرفية.
فهي تنبع من اللحظة الزمانية والمكانية المؤسّسة لهذا النص أو ذاك، لتنفتح به على كل طاقاته الانطولوجية والمعرفية والدلالية، وهذا ما انتبه إليه بول ريكور عندما أكّد، أنّ مشروع غادامر الفلسفي، يكشف عن تأليف بين أنواع عدّة للهرمنيوطيقا “من الهرمنيوطيقات الإقليمية إلى الهرمنيوطيقا العامة، ومن ابستمولوجيا علوم العقل إلى الانطولوجيا”.19
لقد سقط الفكر الغربي أخيراً في فخ “العلموية*” وفي العجز عن مقارعة العلوم الطبيعية المسلحة بترسانة منهجية كبرى، لكن هذا الأمر لا يصلح لفهم العلوم الإنسانية “فالعلوم، ليس فقط الطبيعية ولكن الابستمولوجية أيضاً، العلوم الرئيسية المتمثلة في الرياضيات والتي تقوم على البرهان؛ هذه الأنواع من العلوم لا تستطيع أن تضيف شيئاً جديداً للعلوم الإنسانية”.20 فمثل هذه العلوم لا يمكن أن تحتكر معرفة الحقيقة، ولا فهم الوجود، لذلك فإن أي محاولة لتعريف الوجود وضبطه ضمن قوالب وتقنيات، مستقاة من المنهج العلمي، إنما هي بالأحرى محاولة لجعل الوجود أكثر استغلاقاً، لاسيما “أن التجربة العلمية، تنتزع الموضوع من لحظته التاريخية، وتعيد إنتاجه بحيث يناسب المنهج”21
لذلك يحاول غادامر أن يقنعنا أن الهرمنيوطيقا لا تبحث عن جملة من القواعد والمبادئ للفهم والتأويل، وإنّما هي بالأحرى هرمنيوطيقا انطولوجية تبحث في شروط الفهم وإمكاناته أكثر مما تبحث عن قواعد أو تقنيات له، ومثلما يكتب غادامر، فإن الهرمنيوطيقا هي “محاولة لفهم ما هي العلوم الإنسانية حقيقة، بتجاوز وعيها الذاتي المنهاجي، وما يربطها بكليانية تجربتنا للعالم، ولئن جعلنا الفهم موضوعاً لتفكيرنا، فليس المرمى من وراء ذلك هو فن الفهم أو تقنية الفهم، مثلما أرادت أن تكون التأويلية اللغوية التقليدية والتأويلية اللاهوتية.
فمثل هذا الفن أو التقنية ستخفق في إدراك أن التقنية الشكلية، في نظر الحقيقة التي تتحدث إلينا من التراث، تنتحل لنفسها تفوقاً زائفاً”22.
لقد أقصى غادامر إذن عمليّة الفهم عن المنهج وعن الذات التراسندنتالية في نفس الوقت، ولقد كان لهذا الفصل أثره على المستوى الفلسفي في الفكر الغربي المعاصر، فقد شكّل أفقاً لتجاوز هذه الأنا التي ميّزت الحداثة والجماليات الكانطيّة من جهة، ووصل من جهة ثانية عمليّة الفهم بالحقيقة، باعتبارها تكشفاً وتفتحاً للوجود، فالفهم إنّما هو حوار بين الذات والموضوع، الأنا والأخر، أفق القارئ وأفق النص، أفق الماضي وأفق الحاضر، وهذا ما أطلق عليه غادامر لاحقاً “انصهار الآفاق” fusion of horizons، وكما أشار بول ريكور فإن الفكر الغربي عموماً “مدين لـ غادامر بهذه الفكرة الخصبة التي مفادها أن التواصل عن بُعد بين وعيين يختلفان في موقعهما يتم بفضل انصهار أفقيهما أي بتقاطع قصديهما حول البعيد والمنفتح إن هذا المفهوم انصهار الآفاق يعني أننا لسنا نعيش لا في آفاق منغلقة ولا في أفق واحد”.23
يمكن القول إذن إنّ مشكلة العلوم الإنسانية واستقلاليتها، هي المشكلة الأكبر التي أجهد غادامر نفسه لاقتراح حلول لها، لا سيما أنّ غادامر قد شهد هو نفسه تبعية العلوم الإنسانية للعلوم الطبيعية، وشهد كيف تماهت مناهج العلوم الإنسانية مع مناهج العلم الطبيعي. فقد كان لاستخدام مناهج العلم الطبيعي في دراسة العلوم الإنسانية والتراث عموماً أخطر النتائج التي لحقت بالعلوم الإنسانية. فقد تحول الإنسان من أفق حي ومفتوح إلى موضوع في مقابل الذات، بحيث تراجع سؤال الوجود، ولم يعد أولياً، “فبعد بيكون وديكارت وهوبز ولوك ــ كما يرى غادامر ــ لم يعد السّؤال عن الوجود أولياً وأصبح السؤال الأول للفلسفة في القرن السابع عشر معرفياً: ما هو وضع معرفتنا؟ كيف نعرف أننا نعرف؟ ونتيجةً لهذا تحولت الفلسفة إلى ابستمولوجيا للعلوم الوضعية وبدلاً من كونها خادمة للاهوت أصبحت خادمة لما يسمى بالعلوم الحديثة”.24
تلك هي إذن الأسس الفلسفية، التي يستمدّ من خلالها خطاب غادامر الهرمنيوطيقي مبرراته ومشروعيته، أي من المطالبة بموقع فريد للعلوم الإنسانية، وهذه والحال كذلك رؤيا جديدة في التفكير الفلسفي المعاصر. إذ لم يعد النّشاط الفلسفي يستنفد نفسه، بمجرّد الإحالة على المنهج أو البحث المحموم عن كوجيتو، ولم يعد التفلسف نتاج العلمنة التعسفيّة لمواضيع العالم، وهنا يبرز الفهم الهرمنيوطيقي بوصفه تبصراً يحاول تجاوز الثنائية التقليدية الشهيرة “الشكل – المضمون”، والثنائية الغنوصولوجية ذات – موضوع، ويعمل في مقابل ذلك على إحداث علاقات ومسارات جديدة بين المتناقضات التقليدية، فيغدو كل فهم وجوداً، وكل وجود فهماً، إلى أن تأتي لحظة الحقيقة بوصفها انكشافاً.
فالثنائيات التقليدية شكل- مضمون، ذات – موضوع، منهج ـ حقيقة تغدو مع الهرمنيوطيقا وهماً من أوهام التأسيس المفاهيمي للعقل الغربي، فلقد أظهرت هذه التركيبات الضدية إفلاسها على مستوى الممارسة والتطبيق، أضف إلى أنّها ساهمت في الغالب في إقصاء حدّ على حساب الحدّ الآخر، وهذا ما أدى أخيراً إلى إشكاليات كثيرة على رأسها الفن، تم ربطها بكل صفات الزيف واللاحقيقة.
لقد سارت الفلسفة منذ سقراط على هُدي العقل، وإن تعددت التسميات بعد ذلك, فالأنا والروح، والعقل، والنسق، والمنهج، كلها مدلولات لدال واحد، هو جوهرانية الذات في مقابل الموضوع. المدُرِك في مواجهة المدُرَك، وتبقى الصعوبة والحال كذلك في إخراج الوجود من عتمته وفي محاولة إظهاره وتسريحه، لذلك يؤكد غادامر على أنّنا يجب أن نكون مونادات بتعبير ليبنز، نعكس حقائق الوجود برمته “لكنّنا لسنا مونادات مغلقة وعديمة الأبواب والنوافذ. بل مونادات تأويلية مفتوحة ومنفتحة، مفتاحها الحوار ما دامت اللغة لم تقل بعد ولن تقول أبداً ما تريد “أو ما نريد قوله” والتعبير عنه”.25
من هذا المنطلق يصبح “الحوار” dialogue هو جوهر الهرمنيوطيقا، التي يقترحها غادامر للعلوم الإنسانيّة، وفي هذا الصدد يؤكد الفيلسوف الأمريكي ريتشارد رورتي، أن أهمية هرمنيوطيقا غادامر لا تنبع من كونها تُرينا أخطاء الابستمولوجيا، أو تنجز ما فشلت الابستمولوجيا في إنجازه؛ بل لكونها تقدم طريقة أخرى في المعرفة، قائمة على الحوار والتضامن، “تلك التي نحصل عليها عندما لا نكون ابستمولوجيين بعد الآن”.26
ضمن هذا المعنى تتجه الهرمنيوطيقا إلى إعادة ترتيب العلاقة مع التراث- النص، فهي إذ تأكد على التفاعل الحواري، في مقابل التعالي الابستمولوجي، بمعنى أنها تؤكد الاهتمام بالآخر بنفس درجة الاهتمام بالذات، فلأنّها تريد أخيراً جَسر الهوة بين الذات والموضوع – الأنا والآخر، بما يكفل شكل من أشكال تحرير المعنى من مهرجانات الأنا المتلاحقة “ديكارت – كانط ــ هوسرل”، وإضفاء نوع من التّسامح على طرق استنطاق المعنى، لجهة اعتباره علاقة يلتف حولها كل من أفق الذات وأفق الآخر.
ولسنا نعني من ذلك أن الهرمنيوطيقا هي محاولة للقفز على العلاقة المتوترة بين الأنا والآخر، الماضي والحاضر، بل إن الهرمنيوطيقا على العكس من ذلك تماماً تنفتح على الآخر، لأنها تعي أن الآخر هو أحد أشكال الحقيقة… وأحد مقامات تجلي الوجود، وتعي من جهة أخرى وعلى خلاف المنهج، أن “الحوار مع الماضي ــ الآخر، يجعلنا ننفتح على حقائقه ورموزه ومعانيه ليس كإكراه قسري، وجبر قهري، إنما كحسن التمعن وفن الإنصات لما يقوله وينشده”.27
وبالمحصلة فقد شهدت الهرمنيوطيقا مع غادامر انقلاباً انطولوجياً يتحول بمقتضاه الفهم الهرمنيوطيقي، من مواجهة وجودية إلى مشاركة وجودية، ومن نمط أو فعالية معرفية إلى نمط من أنماط الوجود، ويتحول السؤال الفلسفي تبعاً لذلك من سؤال المنهج “ابستمولوجيا”، إلى سؤال الوجود “انطولوجيا”.*
فالمنهج لا يحتوي الحقيقة، بل بالأحرى إن الحقيقة هي من تحتوي على المنهج وتتجاوزه، بحيث تصبح العلاقة بين الفهم والحقيقة هي علاقة انكشاف وانقشاع، أي حقيقة محايثة لخبرة الفهم بوصفها خبرة البحث عن معنى الوجود نفسه، وينتج عن ذلك أن كل جهد إنساني هو وجود من أجل الحقيقة، أي أنّه إرادة فهم وإرادة وجود أو هو كليهما معاً، وكأن مهمّة الفهم تكمن أخيراً في تجاوز النّسخة العلميّة للحقيقة، وتقديم البديل الانطولوجي لها، والتأكيد من جهة أخرى على أن الحقيقة هي صنو الوجود، أي أنّها مدلول انفلات ولا نهائي، لا يمكن لأي جهة أن تتبناه لصالحها الخاص.

الهوامش:

13 -E. Ling, David, introduction of PHILOSOPHICAL HERMENUTICS, Hans George Gadamer, university of California press, 1977, p:xi.

14- ناصر، عمارة. اللغة والتأويل، ط1، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت: 2007، ص: 15.

15- سيد أحمد، محمود. دلتاي وفلسفة الحياة، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة: 1990، ص:11. بتصرف

* أي النظر إليها كما لو كانت ظاهرة طبيعية.

16- غادامير، هانز جورج. الحقيقة والمنهج، تر: حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا، ط1، طرابلس:2007، ص: 28.

* في إشارة للهرمنيوطيقا الكلاسيكية، لاسيما كما تبلورت عند كل من شلايرماخر ودلتاي
ومع أن غادامر لا ينكر أن هذه المحاولات التي سبقته، قد حاولت البحث عن هامش لاستقلال للعلوم الإنسانية، إلا أن هذه المحاولات، كما يصف غادامر نفسه، اختزلت نفسها في هرمنيوطيقا قواعدية، ولم تسلم من تأثير مناهج العلوم الطبيعية.
لمزيد من الاطلاع، انظر: الحقيقة والمنهج، ص:270 وما بعدها.

17- ريكور، بول. من النص إلى الفعل، تر: محمد برادة، حسان بورقية، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، ط1، القاهرة:2001، ص:74.

* من العلم “أي الرأي القائل بقدرة العلم وحده على تحري الدقة والموضوعية.

18 – Weinsheimer, Joel, Gadamer’s Hermeneutics, A Reading of Truth and Method ,Yale University Press, New Haven and London:1985 ,p:41.

19 – Palmer, Richard E. Hermeneutics, Northwestern University Press,
Evanstone:1969, p:194.

20- غادامير، هانز جورج. الحقيقة والمنهج، تر: حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا، ط1، طرابلس:2007، ص:29-30

21- ريكور، بول. من النص إلى الفعل، تر: محمد برادة، حسان بو رقية، عين للدراسات والبحوث الإنسانية و الاجتماعية، ط1، القاهرة:2001، ص : 120.

22- حسن، ماهر عبد المحسن. جادامر مفهوم الوعي الجمالي، دار التنوير، بيروت:2009، ص:16.

23- سيد احمد، محمود. هرمنيوطيقا جادامر والتواصل مع الآخر، عالم الفكر، ع:4، مج:37، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت:2009، ص:258.

24- Rorty, Richard. Philosophy and The Mirror of Nature, Princeton university press, Princeton:1979, p:325.

25- سيد احمد، محمود. هرمنيوطيقا جادامر والتواصل مع الآخر، عالم الفكر، ع:4، مج:37، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت:2009، ص:261.

* لفهم قصيدة ما على سبيل المثال: يمكننا تأمل هذه القصيدة بدقة، و مقارنتها بغيرها من القصائد، يمكننا معرفة بحرها الشعري و معرفة المدرسة الشعرية التي تنتمي إليها و يمكننا من جهة أخرى البحث عن كل الصور و الاستعارات التي تحتويها، و مناقشة كل التفاصيل المتعلقة بهذه القصيدة.
قد نكون بنيويين إذا بحثنا عن جملة العناصر المشكلة لبنية هذه القصيدة، وقد نكون سيميائيين إذا بحثنا عن إشاراتها و رموزها.
كل هذا الاشتغال على القصيدة قد يكون ممتعاً و مفيداً، غير أن شيئاً واحداً لا نحققه بذلك “الفهم”، فإذا أردنا الوصول في وقت من الأوقات إلى الفهم الحقيقي لهذه القصيدة، يجب علينا أن نتماهى معها و أن ننصهر في آفاقها، لكي نلج إلى عمقها الانطولوجي.
قد تثبت كل المعلومات والإجراءات السابقة أنها صحيحة، ولكن لا يمكن لكل هذه النظريات والمناهج أن تعوض عن الدخول، إلى عالم القصيدة نفسه، الذي يبقى عصياً عن أي منهج أو تكنيك.
يفترض بهذه الملاحظة أن تلفت الانتباه – ولو نسبياً- إلى الفارق بين الفهم الابستمولوجي القائم على التقنيات والآليات، وبين الفهم الانطولوجي القائم على المشاركة والحوار.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق