حذار من الحكم المطلق المتمركز في يد الحاكم بأمر الله / عبد الله المتوكل

قد يستغرب المرء مما يعبر عنه بعض المثقفين من مشاعر الإحباط واليأس و هم يرون «الربيع العربي» وقد تحول إلى «خريف أصولي»، بفعل ما تعرضت له الثورة من «خيانة» و«سرقة»، وكأنهم كانوا ينتظرون من هذه الانتفاضات العفوية، أن تُحدث، بين عشية وضحاها، قفزة نوعية يتحقق بموجبها المثال على أرض الواقع ويجتث جذور منطقه التقليدي ويقضي على تناقضاته ويقلب موازين القوى داخله. فما آلت إليه الأمور من استحواذ للدعويين على السلطة، هو نتيجة منطقية بالنظر إلى البنيات التقليدية العميقة التي ما زالت تشرط وجودنا الفردي والاجتماعي بكافة مستوياته وإلى النفوذ الثقافي والسياسي الكبير الذي يمارسه حراس التقليد داخل المجتمع. إن الذين ساندوا، من صفوف الحداثيين والعلمانيين، السلفيين بدافع مواجهة فلول النظام السابق أو نتيجة تصديق وعودهم الانتخابية، هم الذين يتحدثون اليوم عن «سرقة» و«خيانة» الثورة، كاشفين بذلك عن سذاجتهم السياسية وجهلهم بآليات اشتغال الخطاب الإيديولوجي الدعوي وتوظيفه الأداتي والبراغماتي لقيم الديمقراطية والحداثة. ومعبرين عن جهلهم بطبيعة الدولة الدينية. وهو ما سبق أن سقط فيه العديد من المثقفين العرب، بل وبعض كبار فلاسفة الغرب عندما هللوا للثورة الإيرانية.

إن كل المشروعيات السياسية التقليدية لا تنتج في أحسن الأحوال إلا الاستبداد المستنير، الذي أصبح يبدو للبعض أهون من الاستبداد الظلامي الذي ابتليت به، في أحلك صوره، بلدان الربيع العربي وامتدت تداعياته ورهاناته إلى باقي المجتمعات العربية. فهؤلاء الدعويون الذين ساقتهم الديمقراطية «المعطوبة»، بتعبير الأستاذ أفاية، إلى الحكم، ابتلعوا كل مؤسسات الدولة وأفرغوها من مضامينها وأدوارها المدنية ويتهيؤون لتحويلها إلى زوايا وأديرة دينية لنسخ كل قيم الثورة بما يتطابق مع فهم متزمت للشريعة. بل إن هذا النسخ لا يحقق على المدى القريب والمتوسط، التنميط العقدي والإيديولوجي المنشود، المشفوع بكل وسائل الإقصاء والتكفير والقتل «المقدسة»، إلا إذا طال، في الرسم والدلالة، مفهوم الشورى الذي ماهاه سلفيو عصر النهضة المستنيرين بالديمقراطية، لتتحول الشورى إلى إرشاد، ويُقضى على كل أمل في التعددية والمشاركة في تدبير الشأن العام ويرتد المجتمع من جديد إلى نظام الحكم المطلق المتمركز في يد الحاكم بأمر الله. عندئذ تصبح كل مخالفة لتعاليم هذا الإنسان «المتعالي» و«المعصوم» من الخطإ والمتجرد من شرطه الإنساني الطبيعي عصيانا للإرادة الإلهية، وجب تطبيق حد الشريعة في حق مقترفها.

إن التاريخ يعلمنا أن ما تعيشه مجتمعاتنا اليوم من تسلط ظلامي ليس واقعا لا يرتفع، فقد عانت أوربا من ويلات الاستبداد والعنف الديني المتوحش لقرون عديدة، قدمت فيها قوى التغيير والتنوير تضحيات جسام انتهت بإرساء المجتمع الحديث الذي حرر الدين من قوى التسلط وحدد مجال اشتغاله. لكن الشرط الضروري لتجاوز هذا المد الظلامي لم يتوفر بعد في مجتمعاتنا. فإذا كان المنطق التقليدي يتزعزع ببطء بفعل المفعولات الخفية للتحديث والثورة التكنولوجية والرقمية والعولمة، وأيضا بفعل مكر التاريخ الذي بوضعه للدعويين في الواجهة وإخضاعهم للملاحظة والنقد سيفكك أساطيرهم ويكشف عن فشلهم في الاستجابة لمطالب المواطنين الحيوية، فإن رهان التغيير الجذري ينتظر ثورة ثقافية شاملة تكرس فهما عقلانيا ومستنيرا لرسالة الدين الأخلاقية والإنسانية وتربي المواطن على القيم الكونية. وهو ما يبدو بعيد المنال في ظل الفشل الذريع للمدرسة العمومية وفي غياب جبهة حداثية متراصة وقوية ومتجردة من التشرذم واللامبالاة ومن الحسابات الضيقة.

عن مجلة الوطن الآن المغربية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق