حرب الكلمات بين السنّة والشيعة في مصر / محمود الزيباوي

تصاعدت الأصوات السلفية المطالبة بالتصدي للمدّ الشيعي في مصر في السنوات الأخيرة، وارتفعت حدّة هذه الأصوات بشكل لم يسبق له مثيل بعد استئناف العلاقات الديبلوماسية يين مصر وإيران. هنا وهناك، تتواصل “حرب الكلمات” بين السنّة والشيعة لتؤجج الصراع المتواصل بين الجماعتين في سائر أقاليم العالم الإسلامي.

في منتصف شهر آذار عام 1939، تزّوج وليّ عهد ايران محمد رضا بهلوي من الأميرة فوزية، ابنة ملك مصر فؤاد الأول وشقيقة الملك فاروق الأول، وتم الزفاف الملكي في القاهرة أولا، وجرى الاحتفال به في طهران. كتبت مجلة “الراديو المصري” يومذاك: “عاشت أميرة مصر المحبوبة الأميرة فوزية. وعاش الأمير المحبوب محمد رضا شاه بور. عاش العروسان وعاش عقد وفاق مصر وإيران. هنا في كل مصر أفراح، في كل مديرية ومدينة ومركز وقرية وكفر. وهناك في ايران استعداد عظيم لاستقبال العروسين الكريمين”. غنّى محمد بخيت من كلمات قاسم مظهر: “حقق الله لنا كل المراد/ والتقى الشرق على صدق الوداد/ ذاك يوم البِشر في كل البلاد/ وهو في صفو الأماني يوم عيد/ التقى الفاروق بالشاه الجليل/ فالتقت طهران بالوادي الجميل/ وزها الإسلام بالمجد الأثيل/ فارفعوا الأعلام للدين المجيد”.

بعد مرور أكثر من سبعة عقود، انقلبت الصورة، وارتفعت بعض الأصوات الرافضة لأيّ تقارب مصري – إيراني، خشية “المد الشيعي” و”الغزو الفارسي” الذي يريد استعمار بلاد النيل سياسياً ودينياً. في خريف عام 2008، حذر رئيس “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين” الشيخ يوسف القرضاوي من تصاعد هذا المدّ، ودعا علماء المسلمين إلى التكاتف لمواجهته، ونقلت صحيفة “المصري اليوم” عنه قوله: “الشيعة مسلمون، لكنهم مبتدعون، وخطرهم يكمن في محاولتهم غزو المجتمع السنّي، وهم يهيّئون لذلك بما لديهم من ثروات بالمليارات، وكوادر مدرّبة على التبشير بالمنهج الشيعي في البلاد السنّية، خصوصا أن المجتمع السنّي ليست لديه حصانة ثقافية ضد الغزو الشيعي”. رأى الشيخ القرضاوي في هذه الحديث أن العلماء لم يحصّنوا أهل السنّة ضدّ هذا الغزو الشيعي لأنهم عملوا دائماً بالقول: “ابعد عن الفتنة لنوحد المسلمين”، وتأسف من وجود شيعة في مصر، وأضاف: “هم الآن موجودون في الصحف وعلى الشاشات ويجهرون بتشيعهم وبأفكارهم، ويعملون مبدأ التقية وإظهار غير ما بطن، وهو ما يجب أن نحذر منه، وأن نقف ضده في هذه الفترة، وأن نحمي المجتمعات السنية من الغزو الشيعي”.

الانتماء السنّي والهوى الشيعي

يتساءل المرء: هل في مصر شيعة، وكم عددهم؟ غير أنه لا يجد الجواب الواضح الذي يرضي فضوله. في نهاية العام الفائت، قدّر المتحدث باسم “الشيعة المصريين” بهاء أنور عدد هذه الطائفة بثلاثة ملايين، فسخر منه “المتخصص فى الملفّ الشيعي” محمد حمدي عمر، وقال “أعتقد أن رؤساء الشيعة في مصر أكثر من الشيعة أنفسهم فتارةً نرى رئيس التيار الشيعي المصري، ثم المتحدث الرسمي باسم الشيعي، ثم الأمين العام للمجلس الأعلى لآل البيت، ثم نرى رئيس حزب التحرير الشيعي، فالقيادات الشيعية في مصر أكثر من الشيعة أنفسهم”، مؤكداً أن عدد الشيعة في مصر لا يتعدّى العشرة آلاف. خارج هذه الأرقام المتضاربة، لا نجد في مصر طائفة شيعية محدّدة، ولا نعرف ما هي مواصفاتها. في أواخر خمسينات القرن الماضي، أصدر شيخ الأزهر محمود شلتوت فتوى تجيز التعبد بالمذهب الجعفري، وأكد شيخ الأزهر الحالي محمد سيد الطنطاوي استمرار العمل بهذه الفتوى في نهاية التسعينات، غير أن هذا التأكيد لم يبلغ حد الإقرار بجماعة تتبع المذهب الجعفري بشكل رسمي. في عام 2004 تقدم بعض الشيعة بطلب إلى وزير الداخلية للاعتراف بهم كطائفة دينية رسمية بموجب القانون، إلا أن الوزارة لم ترد على الطلب حتى الآن. في الخلاصة، يمكن القول إن الشيعة في مصر يشكلون أقلية صغيرة مهمّشة ليس لها مراجع دينية رسمية، أو وكلاء لمراجع في الخارج، كما هو قائم في بعض دول الخليج.

في المقابل، نجد في مصر أفراداً ينتسبون إلى ذرية النبي محمد من حفيديه الحسن والحسين، وهم “السادة الأشراف”، وأكثريتهم، إن لم يكن كلهم، من أهل السنّة، وليسوا شيعة كما يخال البعض. كما توجد في مصر مقامات وأضرحة ومشاهد لآل البيت تشرف عليها الدولة وتديرها، أشهرها ضريح الحسين بن علي قرب الجامع الأزهر، وضريح السيدة زينب بنت علي، وضريح السيدة سكينة بنت الحسين، وهي مزارات يقصدها المصريون أجمعهم. والكل يعرف أن المصريين يتمسكون إلى أبعد الحدود بمراقد آل البيت، حتى قيل إنهم سنيّو المذهب، شيعيّو الهوى، وخير تعبير عن هذه الحال أغنية شهيرة لمحمد عبد المطلب، كتب كلماتها زين العابدين، ولحّنها محمد فوزي: “ساكن في حي السيدة وحبيبي ساكن في الحسين/ وعلشان أنول كل الرضا يوماتي أروحلو مرتين/ علشان حبيبي زي الغزال يوماتي أهجر حيّنا/ وكل واحد عني قال عني عاشق وقلبو مش هنا/ وأنا قلبي متحير ما بين السيدة وسيدنا الحسين/ أفوت على بيت الحبيب أقول جريح يا أهل الهوى/ ويا ريت يكون لي معاه نصيب والحب يجمعنا سوى/ والفرحة تبقى فرحتين من السيدة لسيدنا الحسين”.

الروافض والملاحدة

تصاعدت في الآونة الأخيرة الأصوات السلفية التي تدين “الغزو الشيعي”، واللافت أنها لا تفرق بتاتا بين المذهب الشيعي وسياسة “جمهوريّة إيران الإسلاميّة”. في العام الماضي، ظهر الفيلم المسيء إلى النبي على شبكة الانترنت، وخرجت جريدة “الفتح” الأسبوعية الناطقة باسم “جمعية الدعوة السلفية” بخبر تصدّر أعلى الصفحة الأولى: “أكد الشيخ ناصر رضوان الباحث في الشأن الشيعي والفرق والمذاهب والأديان، أن الفيلم المسيء استمدّ مادته من كتب دين الشيعة، وليس من كتب الإسلام، وكل مصادره من دين الشيعة الذي لا يمت بصلة الى دين الإسلام، فليس في دين الإسلام حمير تتكلم وتروي الأحاديث إلا في كتب دين الشيعة، وكان السيناريو مأخوذاً من “كتاب الكافي”، للكليني، أحد أكبر علماء الشيعة عندهم، بل يصرح الفيلم باسم حمار الشيعة، عفير، صاحب المعجزات المزعومة في دينهم، وهذا أحد الدلائل البسيطة على أن دين الشيعة دين يخالف دين الإسلام، بل هو معول هدم يستخدمه أعداء الإسلام، للنيل من الإسلام”. هكذا يتحوّل المذهب الشيعي بخفة عجيبة إلى دين مستقل يخالف الإسلام ولا يمت إليه بصلة، ويتحول أهله إلى جماعة عدوة للإسلام. في السياق نفسه كتب السلفي خفيف عبد السلام البسيوني في “المصريون” مقالا عنوانه “الدمامل والخراريج في وجه مصر”، وفيه رأى أن العراقيين الشيعة الذين أقاموا في مصر بعد غزو بلدهم راحوا “يفجرون الجسد المصري بعقيدة الرفض المارقة وسبّ الصحابة رضوان الله عليهم وتحريف كتاب الله تعالى، ولم يكتف الظلَمة بهذا، بل استزرعوا البهائيين الذين يقولون بألوهية عبد الهباب وعبدة الشيطان الملاحدة”.

بعد عودة العلاقات الديبلوماسية بين مصر وإيران، علت نبرة الأصوات السلفية التي ترفض كل تقارب بين الدولتين، وبلغ هذا الرفض ذروته في حديث أجرته جريدة “الفتح” مع عضو مجلس الامناء ورئيس “لجنة التصدي للتشيع” احمد فريد. اعتبر صاحب هذا الحديث أن التقريب بين السنّة والشيعة ما هو إلا “تشييع أهل السنّة”، وقال: “وفي وجهة نظري أن الشيعة أشد خطرا من إسرائيل لأن اليهود كفر واضح، أما الشيعة فيتمسحون بالإسلام، ويستخدمون التقية في نفث سمومهم وشرورهم، والقائم بأعمال السفير الإيراني استخدم مبدأ التقية في الفضائيات المصرية، وادّعى كذباً حبّه لأهل البيت من أجل نشر التشيع في مصر، وأكثر الناس لا يعلمون كذبه، فالتقية أن يظهر الشيعي خلاف ما يبطن إذا كان أمام أهل السنّة”. سأل مندوب الجريدة: “لماذا لم تقاوم الدعوة السلفية السياحة الصهيونية في مصر؟”، وردّ أحمد فريد: “نحن قاومنا ونقاوم سياحة العري والتبرج، والأشد منها سياحة الشرك والمشاهد والقبور ونشر التشيع”، وأكد أن “لجنة التصدي للتشيع” شٌُكّلت لمنع وقوع مصر في الشقاق والتشرذم، وقال: “من الذي سيوقع مصر في شراك الصراعات المذهبية؟ الذي يريد تجمع الناس على السنّة، أم الذي يريد تقسيم الشعب إلى سنّي وشيعي، كما حدث في اليمن من إشعال صراعات بين الناس عن طريق الشيعة الحوثيين، وأيضاً ما يحدث في لبنان من حزب الله الشيعي، وكذا الأمر في العراق؟ مصر كلها أهل سنّة والذي يثير الصراعات المذهبية هو من يسمح بالمد الشيعي فيها، ويخرّب عقائد الناس”.

في الطرف المعاكس، اعتبر عبد العزيز محمود في “أهرام الأحد” أن هذه القضية ليست دينية بل سياسية، ورأى أن “الخوف من المد الشيعي أكذوبة كبرى، فمصر أكبر من أن تتشيع والمصريون أذكى من أن يصبحوا شيعة لمجرد استئناف العلاقات مع إيران، والدليل أنهم لم يتصهينوا بعد معاهدة كمب ديفيد، ولم يتأمركوا في ظل العلاقات الخاصة مع اميركا”. وختم حديثه: “بلد بحجم مصر تلزمها سياسة خارجية متعددة الابعاد تستند الى حسابات عقلانية لا الى هواجس أو ردود افعال، سياسة تقوم على المصالح الوطنية ولا تتأثر بالضغوط الخارجية ولا حملات الدعاية. مصر أكبر من أن تتشيع لأنها باختصار أكبر دولة عربية سنية في المنطقة”.

من جهتها، سخرت سناء السعيد في “العالم اليوم” من خروج السلفيين إلى الشارع احتجاجا على وصول وفد من السياح الإيرانيين إلى الأقصر في نهاية شهر آذار، “وكأن وصول الإيرانيين الى مصر من أجل السياحة هو جريمة كبرى”. وأضافت: “كيف يمكن السماح للإسرائيليين بدخول سيناء بدون تأشيرة بينما يُمنع الإيرانيون؟ لم يتحفّظ السلفيون عن العلاقات مع إسرائيل ولا عن دخول السائح الإسرائيلي إلى مصر ليصول ويجول فيها. حرام علينا اعتلاء المنصة الأميركية ومبايعتها على السمع والطاعة. حرام علينا تأجيل عودة العلاقات الكاملة مع إيران إذعاناً لرغبة دول الخليج، رغم انها جميعاً تقيم علاقات مع إيران”.

حرب الأقوال

في نهاية عام 2008، نشرت “دار الساقي” الجزء الثاني من كتاب جورج طرابيشي “هرطقات”، ونجد فيه رصداً موثقاً للسجال العنيف الدائر بين السنّة والشيعة. تطرّق الكاتب إلى “حرب الكلمات” المشتعلة بين الجماعتين، وقال: “قد يكون هناك ما هو أخطر وأفدح وأدوم أثراً من حرب الأفعال، هي حرب الأقوال. فالدماء التي تُسفك في كل حرب فعلية قد تجف مع دفن القتيل، وقد يسري عليها قانون التقادم الزمني فلا يبقى لها أي أثر في الذاكرة بعد جيلين أو ثلاثة. ولكن حرب الأقوال، منذ أن تم اكتشاف تقنية الكتابة، حرب قابلة للتجديد باستمرار، ولا يسري عليها قانون النسيان ولا قانون التقدم. ولئن حددنا تقريباً زمن الحرب الفعلية، السنّية – الشيعية، بثلاثمئة سنة، فلنا أن نجزم بلا خوف المبالغة أن عمر الحرب القولية بين هاتين الطائفتين الكبيرتين من طوائف الإسلام لا يقل عن ألف سنة، وهي تدخل اليوم، مع اندلاع الفتنة العراقية في أعقاب كارثة الاحتلال الأميركي، في ألفها الثاني”.
تتواصل فصول هذه الحرب اليوم، ويبدو أنها ستأكل من جديد الأخضر واليابس إن لم تجد من يطفئها بشكل مناسب.

عن ملحق النهر الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق