خواطر منهَكة في زمن القتل / نهلة الشهال

تؤشر احتمالات، تزداد قوة كل يوم، إلى خطر انزلاق منطقتنا في صراع مذهبي لا يبقي ولا يذر، يستنفر فيه كل من الأطراف، «عشرات الألوف» من المقاتلين المجهّزين على عجل، تدريباً وتسليحاً، والمدعوين إلى نجدة «إخوانهم». ويؤطر التقاتل مخزوناً من روايات، تشبه الأساطير، لا يستقيم معظمها، وقد يكون خرافات بحتة، لكنها مستحضَرة بكل بهائها وسطوتها، وكأن واقعاتها جرت البارحة، وليس قبل خمسة عشر قرناً. ويزدهر وسط هؤلاء تجار من كل نوع، يبيعون الشعارات كما ذخائر السلاح.

ولأن المال وفير، لا يقلق «المسؤولون» لجهة تدبر تكاليف حفلة الجنون الجارية. همّهم في مكان آخر، في توفير لحمة معسكرهم بمواجهة الأعداء. أقصى لُحمة ممكنة، فالانشقاقات، بل حتى الأمزجة المخالفة، مكروهة في الحروب الأهلية. فجأة بدأ ينخفض منسوب الجدل حول التأويلات الجيوستراتيجية لما يدور، في مقابل ارتفاع عُصاب قوامه من يقتل الآخر أكثر أو أسرع. التأويلات الجيوستراتيجية بقيت صالحة لمقالات الصحف المطبوعة، لمناظرات القنوات التلفزيونية الأشهر. أما في الخلف من هذه الواجهة (أهو خلف حقاً أم هو الأساس؟) فتنتشر وسائط التواصل الاجتماعي، وأسرعها فايسبوك وتويتر، تجسد عالماً آخر متخففاً من كل تحوط، يقول الأشياء بفجاجتها، يشتم ويهدد، يكفّر، وينصّب الخوف مرجعاً: ينوون قتلنا، يريدون إبادتنا، فلنقتلهم ولنبدهم.

هكذا، وتواجه بالاستنكار كل محاولة، مهما كانت متواضعة، للتهدئة أو لنقد هذه الآلة المشتغلة بكل قوتها الانفعالية والدعائية، وإمكاناتها المادية الهائلة. وكأنها خيانة لـ «الجماعة». استنكار ونبذ وتهديد. وعلى أية حال، مَنْ يسمع وسط هذا الضجيج. يا للعبث.

* * *

يقارن الشباب، ممن لم تنجح الموجة في جرفهم وحملهم في طياتها، بين حالهم هذه ووجهين: أقرانهم في سائر أنحاء العالم، وآبائهم الذين مروا بفترات عصيبة. يجدون أن الأزمة الاقتصادية الطاحنة في الغرب تبدو ترفاً، وتبدو معها حركات شبابية مثل «الساخطون» (indignadus) كأنها إطار جماعي فيه مقدار كبير من الفرح، أو أقله وعلى أية حال، أن نضاليتها لا تتعارض مع التسلية والاستمتاع بالحياة. ويجدون أن كل مشكلات مسار الثورات في بلدان كمصر أو تونس، والصراع حولها، حتى لو سقط فيه ضحايا، له «معنى»، وهذا بالضبط ما يحملهم على التمييز بين حربهم الأهلية اليوم، وحرب آبائهم، في بلد كلبنان عرفها لسنوات، قضت على يابسه وأخضره وتسببت في مئات ألوف الضحايا.

تقول لهم إن الحروب، كل الحروب، بشعة، وأبشعها تلك الأهلية. «ولكن، كان يمكنكم الاعتداد بأهداف سامية، وبأفكار كنتم تؤمنون بأنكم ساعون إلى تحقيقها، أفكار وأهداف يمكن عرضها على الجميع ليتم تقاسمها، حتى لو لم يحدث فعلاً ذلك التقاسم والتشارك، لألف سبب. لكنها كانت قابلة تعريفاً لذلك. وأما المحاجّة حول زينب ويزيد، فكيف نحملها، وما هو أفقها، وكيف تُحسم…؟». أين المفر؟ صحيح أنه لا يمكن وضع الحروب في تنافس، ولا يمكن مقارنتها. وعلى رغم ذلك، تنتصب المقارنات. يا للبؤس.

* * *

يفتقدون الخفة المفترضة لمن هم في مثل سنهم. خفة «مختلفة» يقولون لك، ويقصدون شيئاً يشعرون بأنهم حُرموا منه، على رغم ما يمكنهم بالتأكيد ممارسته، كالخروج مثلاً إلى أندية ليلية حيث تتوافر. هذا مضجر ممل، يقولون لك. يريدون عالماً ساحراً يتخيلونه، فيه سينما وموسيقى ونقاشات ورحلات وصداقات… فيه ما يستحق عناء الحفظ في الذاكرة والوجدان، وليس الاستهلاك الفوري فحسب. يريدون خيالاً وأحلاماً، وهي تبدو شاقة حتى في صعيدها الفردي، فلا الدراســـة عادت مـــشوقة ولا النجـــاح المهني متوافر، هذا إذا توافر العمل أصلاً. «مختنقون»، يقولون لك. تحاول تخفيف وطأة الشعور بالعبث واللاجدوى، تجيب بأن ما يعانون منه هنا ليس خاصاً تماماً على رغم كل شيء، وأن العالم كله تغيّر. فيجيبون: كيف لم نعرف عالماً آخر غير هذا الكئيب الخرب. هل يكون نشاطنا الوحيد هو متابعة ما يرتكبه فلان وعلان في ســـورية؟ نستنزف ذكاءنا في محاجّة من يريد شيطنة الآخر، ولا يرى القشة في عينه. وهؤلاء قلة على أية حال. أما الغالبية فتسن أسنانها. يا للهول.

عن ملحق تيارات – جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق