رسائل التعري.. قضايا تحت هيكل الصدمات

لازلت أشعر بقشعريرة البرد تتصاعد إلى عنقي عندما أتذكر أجواء ذلك اليوم.. فعلى الرّغم من ارتدائي للمعطف الثقيل ولكومة من الملابس السّميكة إلا أنها لم تشفع لي كي أشعر بالدفء المنشود وسط برودة الأجواء القارسة.. ولم تكن الأيام الأخيرة من أيلول كما عهدتها بالشرق الأوسط نابضة بالدفء بل كانت قاسية البرودة هنا في العاصمة السويدية استوكهولم، درجة الحرارة انخفضت حتى 12 درجة تحت الصفر، وصفير الرياح لا يعلو عليه سوى جليدها لوجهي..

قررت الابتعاد عن الجسر الفسيح العابر فوق بحيرة هيلجندوشمان الصغيرة حيث ما عدت أقوى لفحات هوائه القاسية فسارعت للانعطاف نحو يمين الشارع لأستتر قليلاً من عصف الرياح الباردة بمبنى البرلمان السويدي الذي انتصب ببنيانه الفخم المهيب بلا جدران تعزله عن الشارع الذي أسير فيه.. أطبقت يداي على بعضهما متلمساً بعض الدفء وسرت قليلاً مقترباً من الساحة الفسيحة أمام البرلمان حيث يتواجد العديد من المتظاهرين الذين كثيراً ما تألفهم بلافتاتهم الملونة وتقاسيمهم الصامتة ومطالبهم المختلفة.. إلا أن ما شاهدته هذا اليوم كان استثنائياً بل صادماً.. وسط هذا البرد الشرس.. رجل ينام على الأرض عارياً تماماً كما ولدته أمه.. كان صامتاً رغم ان أحكامه لقبضة يديه تحمل عذاباته الصارخة بسكون تحت قسوة الأجواء.. استمالت الحيرة برأسي نحو توقفي باندهاش لغرابة ما يجري.. عري وتحت هذا البرد وأمام البرلمان وبين متظاهرين.. ما الذي يجري؟

وصل أحد الأصدقاء ليكسر بتحيته شرودي.. فسارعته بالرد ما الذي يريده هذا الرّجل! مشيراً إلى المتمدد عارياً.. فالمطالب كانت باللغة السويدية التي لا أجيدها في حين أنها لن تستعصي صديقي الذي يعيش بالسويد منذ نصف عقد، لنتصور ما الذي دفع هذا الرجل للتعري! لقد صدر أمر ملكي سويدي بتطعيم كل أفراد الشعب السويدي بلقاح مضاد لآنفلونزا الطيور التي كانت متفشية عالمياً تلك الفترة والقصة تعود للعام 2009، إلا أن ناشطين حقوقيين احدهم هذا الرجل المتعري على مقربة ثلاثة أمتار مني.. احتجوا أمام البرلمان لكون القرار الملكي يشير إلى شمول المواطنين والمقيمين باللقاح فقط متناسياً أو متغاضياً الأجانب الموجودين على الأراضي السويدية مثلي أنا كصحفي كنت في السويد أثناء صدور الأمر الملكي كمسافر لست مواطناً سويدياً أو مقيماً بالأراضي السويدية فربت صديقي على كتفي ضاحكاً انهم يتظاهرون من أجلك يا رجل! بإشارة للمطالبة بشمل غير السويديين بلقاح الوباء الخطير الذي يجتاح العالم..

وبعيداً عن تقييم إنسانية القرار الملكي وفرط إنسانية السويديين المتظاهرين لتوفير اللقاح لكل من على ماداموا بشرا.. وبلا شك فقصة الإنسانية بأوربا الغربية اكبر من ان تناقش وأعمق من أن تمثل بمثال واحد.. لكن السؤال لما تعرى ذلك الرجل؟ الموضوع ليس عري فحسب.. بل تحت برد لا يرحم.. أي رسالة قاسية تكبد ذلك الرجل عناء إيصالها!
انه يرغب بإثارة كل من حوله بصدم الجميع بجلب الأنظار ليس لبطولة أو لاستعراض جسدي بقدر ما بالرغبة لإيصال رسالته.. إنه تعرى لكي تصل مطالبه.
لم تغادر هذه الحادثة ذاكرتي.. ومرت أشهر قليلة لترحل بي الكبيرة غادة السمان نحو ستينيات وسبعينيات القرن الماضي في تحقيقاتها ومقالاتها الصحفية المميزة حول أسفارها والتي جمعتها بكتاب “الجسد حقيبة سفر” وفي غمرة استمتاعي بقصص غادة ومشاهداتها.. وفي تحقيق عن باريس في صيف عام 1974 تقول غادة بأن شاطئ البحر يعج بالنساء عاريات الصدر فتقليعة المايوه ذو القطعة الواحدة الكلسون فقط تجتاح فرنسا..

منذ مدة لدرجة ان غادة توقعت أن تغلق نوادي التعري أبوابها بعد أن أصبحت الباريسيات والسائحات الأجنبيات عرايا الصدر، وفي موقع آخر تنقل السمان حوارية مع فتاة جلست على الساحل عارية الصدر.. فسألتها غادة ألا تشعرين بالخجل من ظهور صدرك نافراً بلا غطاء؟ فردت الشابة وأنت ألا تخجلين من لبس هذه الملابس الثقيلة بهذا الصيف الحار!.. وبطبيعة الحال فهذه القصة تقدم لنا رؤية للتحرر السائد بقيم وثقافات العقود القريبة الماضية وحجم البون الثقافي في الرؤية للجسد وعريه.

إن الثقافة التي تمنح الإنسان جسده.. ليست كثقافة تسلب الإنسان جسده ولا تعتبره ملكا له.. ومفاهيم الحرية والذات والجسد جزء من الذات باتت تختلف من مجتمع إلى آخرى.. فالتحرر لم يعد من قيود حقيقية أو افتراضية.. بل هو تحرر من أفكار سائدة ومسبقة.. والتحرر وتصحيح الأفكار الموجودة كما السعي باللامألوف.. فبعيداً عن الأحكام السريعة وزج الأديان والأعراف والقوانين.. لما لا نتحلى بروحية البحث.. لنقرأ الموضوع بمنطق المتغيرات التي قد تكون غيرت فطرتنا الإنسانية بمراحل التاريخ..

إنّ تصحيح الرؤية السائدة نحو الحرية كما النظرية الصارخة.. كمن وجد جماعة من الناس يمشون على رؤوسهم لأنّهم لم يتعلموا المشي على الأقدام.. وحين حاول التصحيح ومشى أمامهم على قدميه.. ثاروا ضده لأنهم اعتقدوا أنه مجنون أو يريد قلب حياتهم بالعكس!! لأنّهم باختصار يعتقدون ان واقعهم هو الصحيح بالتقادم.. والتقادم هنا هو قصة طويلة.. فالإبحار به سيشعرنا كم نحن أسرى الان وكم كان الجسد الإنساني حراً منطلقاً بحريه بعيداً عن تشويهات المحيط ومحاذيره وتابوهاته.. يبدوان العري لم يغط وحده بل قولب معه العقل والمبادئ الفكرية السائدة.. ثم لماذا يسمى عري؟ ترى منه اشتق وصف العار وباتت أجسادنا التي نعيش بها قد تجلب العار ان عريت!! لا أعتقد ان ذلك اكثر من تفلسفات كلامية.. سيرفضها منطق الحياة والحرية.. ان ضبطت بوصلة الفكر بعيداً عن الأقطاب السائدة.

ثورة الاتصالات غيرت مفاهيم الإنسان العربي.. فلعقود طويلة رزخ الفرد العربي تحت التوجيه الثقافي المنظم الذي تعاضدت المؤسسات الدينية والسياسية على فرضه من خلال مناهج التعليم والمطبوعات والمترجمات المنتقاة والمخرجة على مقاسات محددة مسبقاً.. فعالم الرقابة والمحاذير والخطوط الحمراء حدث عنها ولا حرج.. إلا أن المتغير الذي قدمه العقد الأول من القرن الجديد كان بثورة الاتصالات، وخاصة الإلكترونية والفضائية مما قوض من سلطات الدّين والسياسة على الفرد وحرر من وصوله للمعلومة ولاحقاً من تبادل الآراء والانفتاح على ثقافات حجبت عنه وبطريقة غير مفلترة وان نسبياً.. بالتالي بدأت مراحل التصدع تصيب الأطر القديمة ورويداً تحطمت أغلفة منمقة لوجوه قبيحة تسترت بجهل المحيط الذي لم يعد جاهلاً وان بنسب معينة.

موسم الربيع العربي كما بات يعرف زاد من تحطيم التابوهات من جانب وخاصة بإطلاق الحريات السياسية.. ودخل مواجهة شرسة مع تابوهات الدين من خلال صعود تيارات دينية يرى عديدون أنها ضرورات مرحلة ستنتهي سريعاً في حين يخشى آخرون الدخول بتجذير للتعصب قد يصعب التخلص منه.
وفي مصر برز صراع الآراء وتضادها وخاصة بين تيارات التشدد الديني وتيارات الانفتاح والرغبة بالانعتاق من التابوهات والتعصب.. المرأة واجهت حالة غير مسبوقة من محاولة لا أنستنها وحجبها خلف النقاب وتحويلها لسلعة ممتعة يجب ان “تقولب” وتحمى بجدران من الملابس أو المحاذير لآنها ملف جنسي فقط.. هكذا أصبح التصور للمرأة في نظر العديد.. وبعد أشهر قليلة كشر التعصب عن أنيابه ليصل به الحد إلى لف تمثال حورية البحر بالإسكندرية بالقماش معلناً حملة الحجاب وحرمة بقاء تمثال الحورية سافراً!!
في هذا الجو المحبط الذي اختصر الستر والشرف بين الفخذين، فجرت شابة مصرية صدمة كبيرة داخل أوساط المجتمع المصري اختلفت الآراء بين من يؤيدها وبين من يعارضها.. عندما عرضت صورتها عارية عبر مواقع الشبكات الاجتماعية في ردة فعل سرعان ما أصبحت الأشهر تجاه المد الديني على مجتمعات الربيع العربي وخاصة في مصر..

علياء المهدي ابنة العشرين ربيعاً الطالبة في كلية الإعلام.. أنشأت مدونة مجانية على الانترنيت بعنوان “مذكرات ثائرة” ونشرت صورة عارية لذاتها وبعض الصور العارية البسيطة أو المرسومة مذيلة صورتها بالتعليق التالي حاكموا الموديلز العراة الذين عملوا في كلية الفنون الجميلة حتي أوائل السبعينات واخفوا كتب الفن وكسروا التماثيل العارية الأثرية، ثم اخلعوا ملابسكم وانظروا إلي أنفسكم في المرآة واحرقوا أجسادكم التي تحتقرونها لتتخلصوا من عقدكم الجنسية إلي الأبد قبل أن توجهوا إلي إهاناتكم العنصرية أو تنكروا حريتي في التعبير، ولا شك بأن ما كتبته علياء كان يشير لموقفها من تيارات محاربة الحريات خاصة الفنية والجنسية.
علياء ظهرت بصورة انتزعت منها الألوان وهي تقف عارية الا من جوارب شفافة حتى فخذيها مع حذاء ووردة على الشعر تركت ألوانهم الحمراء بالصورة لتعطي رسالة عن واقع الزمن الماضي عن تقليعات العقد السابع من القرن العشرين عبر تسريحة شعرها الكلاسيكية.. عندما كان الجنس والفن ثورة واليوم يراد به ان يكون جريمة.. وبطبيعة الحال فإن الأسطر القليلة التي كتبتها علياء تختصر متحولات طويلة في الواقع الاجتماعي المصري.. من الرؤية للمرأة، للحرية، للجسد، للعري للفن، للجمال، للثقافة، بين الأمس واليوم.. علياء بجسدها النحيل وصورتها العارية الخالية من فتنة الإغراء أو التغنج، أصبحت موضوع الجميع.. بل لم يبالغ من وصف الاهتمام بقصة علياء كحالة من الهوس الجنسي المجنون.. وهاجمها أضعاف من دعمها واستمر الخلاف حول توصيف علياء هل هي عبقرية ثورية؟ أم عاهرة؟ أم مجنونة؟ أم ماذا..

وكعادة المصريين الغريبة في السخرية من كل شيء، بعيداً من قراءة ما بين السطور أو حتى السطور ذاتها، سرعان ما انقلبت توصيفات علياء لحالة من التندر الغريب كوصف احد الإعلاميين لتصرفها إنها الرغبة في زيادة عدد الفالورز في تويتر!، إعلامي آخر هاجم علياء بعد أيام قليلة من انتشار صورتها واصفاً سلوكها ضرباً من الجنون والمجون.. وبعد اكتساح الإخوان المسلمين لمقاعد مجلس الشعب المصري وتعالي الأصوات والشائعات نحو أسلمة المجتمع.. خرج ذات الإعلامي ومن ذات المحطة وذات البرنامج ليقول إنه لن يرضى على فرض الأسلمة بل ان استوجب الأمر سيتعرى كما فعلت علياء! بل ومزيداً بأنه سيدخل ميدان التحرير عارياً.. ترى موقفه تغير؟.. أم انه تفهم خطوة علياء؟.. أم انه استخدم الفكرة كتخويف؟

ردة الفعل المصرية الغاضبة ضد علياء والتي وصلت لمطالبة البعض بإعدامها!.. بينت حالة التراجع بثقافة الحرية بالمجتمع المصري.. ففي سبعينيات القرن الماضي وفي كتابه المسلي “أعجب الرحلات بالتاريخ” وفي غمرة سرد الكاتب أنيس منصور لقصة أسفار ابن بطوطة وفي تعليق على رواية عن رجل في عهد ابن بطوطة تسلق برجاً أو جذع شجرة ووقف عارياً ليجذب الناس لقضيته التي يفترضها ابن بطوطة باحتمالية فقره!.. يعلق أنيس منصور بأعجاب وهذا ما قامت به الراقصة المصرية دولت سليمان عام 1957 عندما تسلقت تمثال نيلسن في لندن عارية.. أي فرق في الرؤية من تعري امرأة بين عهد دولة سليمان وعهد كتابة نص أنيس منصور وبين علياء المهدي وعهد الربيع العربي!.. لا شك ان ردة الفعل الهوجاء تجاه ما فعلته علياء يبين حجم التراجع الخطير في ثقافة المنطقة ومجتمعها الفكري وحرياتها.

يبدوان نمطية الأفكار الاجتماعية خلال آخر أربعة عقود قد صيرت مطالبي القمع لذاتهم أكثر من العكس.. فلم يكن مستغرباً وفق القيم الاجتماعية الحالية أن نجد أن أكثر من حارب علياء هم نساء مثلها.. يعانين الكبت وأجسادهن باتت حمل ثقيل عليهن.. لا يستطعن إخفاءها عن العيون المسمرة بشراهة الافتراس.. وغير قادرات على حماية أجسادهن من بطش التحرش الأعمى باللمسات أو الكلمات.. هل أسلافنا الذين عاشوا عرايا على هذا الكوكب في يوم ما، كانوا بهذه الفجيعة الجنسية؟ ثم ما الذي غيره ما يعتبره البعض ستراً كمضاد للعري.. وهل المجتمعات المنفتحة حتى الإباحة تعاني مشكلات أسوء من مشكلاتنا؟

هل لازال الأخر سيئاً كيفما اتفق.. دون تدقيق وبحث ودراسة.. الجواب الجاهز لدى العديد (ربما) والسبب بسيط إن شعوبنا لا تقراً.. وبإمكان أي متصفح بسيط للانترنيت أن يجد عشرات مقاطع الفيديو على يوتيوب وهي تصور رجال دين يحثون على اللاقراءة أو اللا سؤال والاعتماد على جرعات المعلومات الحقن التخديرية التي لقنوها لجمهورهم.. ورغم أن عصر الانفتاح الالكتروني كسر هذه السطوة.. إلا أن العديد ممن تعاطفوا مع علياء تعاطفوا باستحياء مذيلين آراءهم بعبارات وقد لا اتفق معها، لا أدعو إلى ما تدعو إليه، لست أروج للعري أو الجنس وبصدق اعذر الكثير من هؤلاء.. انهم وباختصار يخافون.. نعم إنه الخوف، في مجتمعاتنا صار الإنسان يقتل على الرأي ويكفر ويساء له في عقله وشرفه وأفكاره.. فلذلك لجأ الكثير إلى التستر بطرح آرائهم والتلاعب بها لمماشاة التيار متعكزين على مهارتهم بالتصرف بالجمل ومعتمدين التورية اللغوية وكأنهم حينما يكتبون مقالاً يسيرون بين حقل من الألغام لا نحو فضاء من الحرية وجو من القراء والتلاقح والنقد.

الجسد بمحيطنا ضحية عاري كان أم تحت الملابس.. بل انه تهديد أيضا.. نعم الجسد العاري أصبح تهديدا لسطوة القيم المتعصبة والإدانات الجاهزة لكل من يحاول التغريد على هواه.. لان الأعراف توجب التغريد داخل السرب!
ولم يفق البعض من صدمة علياء المهدي ومن تلميحات عديدة تشير إلى أن الشباب الحر سيواجه التعصب وسلب الحريات بالتعري، لتنتشر عبر الشبكات الاجتماعية صورة لسيدة تونسية عارية تدعى نادية.
إلا أن الإعلام بل حتى النشاط عبر المجتمعات الالكترونية العربية سرعان ما دس رأسه بالتراب متغاضياً ما يري كما تفعل النعامة عند استشعار الخطر.. في حين تحول البعض لمتاجرين باسم المبادئ على حساب قصص التعري.. وبتنا نسمع خطب حماسية عن العفة والشرف والغريب من منابر بعض مدعي الليبرالية بعد ان كانت هذه الصرعة لرجال الدين حصراً.

نادية الحذرة على حريتها من وصول التيار الديني إلى السلطة ومتغيرات اجتماعية تحدث على الأرض تجذر التعصب، حاولت بصورتها العارية ان تعكس بساطة الحياة بجسد بلا أي مجملات من مكياج أو اكسسوارات.. ببساطة بالشكل وحزن بالنظرة.. ربما ان رسالتها كانت إنني واحدة من الناس.. أو لا منتمية عبر إرهاصات كولن ويلسون الستينية من القرن الماضي.. أما الغيتار الذي حملته في الصورة فربما يشير مع جسدها لثنائية الفن والجمال المهدد بأمواج التعصب الديني.. أم ربما هي إشارة مزدوجة للفن من جهة وللحرية الجنسية من جهة أخرى عبر اختيار غيتار زهري اللون لعله كناية للمثلية الجنسية التي تواجه حرباً هوجاء في دول المنطقة.

حول العالم اليوم تنتشر موجة الفيمن (Femen) الصادمات، تلك الفتيات الأوربيات الشقراوات ومعظمهن من أو كرانيا واللاتي يحاربن القوانين الجائرة عبر تعرية أثدائهن.. تراهن يفاجئن الجميع بخلع قمصانهن وإبراز أثدائهن وقد يكتبن على أجسادهن عبارات ضد التسلط وتقييد الإنسان يدعون للثورة ضد الدين والقوانين الجائرة التي تستغل المرأة أو تميز ضدها.. وبطبيعة الحال فحركة الفيمن التي تنتشر بأروبا اليوم هي ردة فعل لاستغلال الجسد الذي دفعت دولة فقيرة كأوكرانيا ضريبة قاسية منه حين جرى استغلال أجساد الآلاف المراهقات البريئات من قبل تجار الرقيق الأبيض وشبكات الدعارة في أو ربا والشرق الأوسط والعالم العربي للمتاجرة بأجساد الأوكرانيات مستغلين فقرهن.. بالتالي نشأت الفيمن كحركة لتعري المجتمع عبر تعرية الأثداء..

بعبارة أخرى فنساء الفيمن يبرزن صدورهن أمام المجتمع ليقولوا إننا نبرز أثداءنا أمامك إنها ملكنا ان أجسادنا ملكنا ونحن أحرار بها وليست ملك لنقودك لتشتريها لتمارس متعك الجنسية المكبوتة.. هل أنت تخجل من رؤية أثدائنا بالشوارع؟ إذن لماذا تساهم عبر دينك وقوانينك بامتهان أجسادنا بالمال بالخفاء.. بالتالي ففيمن هي ظاهرة فضح للنفاق الاجتماعي.. إنها ثورة نسوية عبر الصدمة.. وتتناقل وسائل الأخبار بين الفينة والأخرى ان ناشطات من فيمن فاجأن المؤتمر الصحفي للرئيس فلان أو للوزير فلان وقفزن على المنصة أمامه عاريات الصدور.. والرسالة دائماً نحن أحرار بأجسادنا وأجسادنا ليست أدوات لإمتاعك عبر نصوصك الدينية أو القانونية.. نحن لسنا دون الرجال نحن بشر كالرجال.. كفوا تميزاً ضد المرأة.
إن الجديد مرفوض مهما كان وكيفما قُدم.. ورفض الجديد لم يكن تقليعة شرقية بل كان حالة من العالمية حيث لا ننسى ذلك الرفض الديني والحكومي لأفكار جاليلو وكابرنيكوس وغيرهم في العصور الوسطى حينما طرحوا كروية الأرض.. فالمنطق العقلي آنذاك سيقول ان الكروية ستسكب المحيطات إذن النظرية الجديدة مستحيلة..

وبعد قرون اتضح ان الأرض كروية وقبلت فكرة كانت بيوم ما تؤدي بقائلها للقتل.. إنني أورد هذا المثال فقط لأذكر بأن استغرابنا لكل جديد لا يعني غرابته حقاً.. بل هو شعور الصدمة.. الذي لا يصح ان يجر نتائج سريعة.. بل يفترض التأمل والقراءة الدقيقة والمشاهدة بكل الزوايا قبل اخذ الموقف أو اطلاق الأحكام.
ثم لا يبدو لي ان التعري جديد ولكن فكرته بهذه المرحلة جديدة.. انها الرغبة بالصدمة.. شعور البعض انه لن يصل صوتي إلا بصدمة.. ترى ألم يعش كل العرب هذا الشعور عندما يرغب ان يقول شيئا ما أو أن يفعل شيئا ما ولا احد يعيره الاهتمام أو يستمع له.. كيف سيلفت النظر إليه.. البعض تعرى أمام الجميع ليلتفتوا إليه.. نعم ربما سيلتفتون بفضول الجسد باستغراب العري! إلا أن ما وراء الجسد قضية.. ما وراء العري قصة.. رسالة.. إشارة.. صرخة.. تصل إلى الجميع حتى وسط زحام الضجيج.

وان كان جسد اي إنسان هو ملك له.. وله حرية اختياره.. عبر مبدأ الإنسان المخير لا المسير.. فأن التعري من عدمه هو خيار.. أما ما يحصل في الجو المشحون لموسم التغيير العربي ربما يتعدى ملف الحريات ليصبح تعري للصدمة طلباً للانتباه.. فعندما تغيب الأصوات وتتعالى الصرخات ولا مجيب.. بل لا مستمع.. ترى كيف سيصل الرأي الا عبر الصدمة، كثيرون يحذرون بأن التغاضي عن الشعوب.. والإيغال بالظلم وتعاظم البون الاقتصادي.. وسلب الحريات.. سيولد الانفجار، والصدمة انفجار، والتعري انفجار.. ومطالبة بتعميق التغيير.. بتجذير التغيير بكسر المألوف.. إنها رسالة لن يفهمها الجميع..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This