سقوط «الإخوان» من يدي الغرب / محمد الحمادي

تعيش جماعة «الإخوان المسلمين» أصعب وأسوأ الأيام في تاريخها، خصوصاً أنها تعاني هذه الأزمة في ظل قيادات متشددة وضعيفة غير قادرة على التعامل مع هذا الوضع الصعب ومع محيطها ومن يختلفون معهم… لذا فكل ما يقوم به التنظيم الدولي لـ«الإخوان المسلمين» هو حماية كيان وتاريخ هذه الجماعة والحفاظ على ما يعتقد أنها منجزاته واستحقاقاته. وفي سبيل ذلك لا يمانع قادة الجماعة أن يموت الأبرياء في مصر ولا في أي بلد آخر! ومن أجل ذلك أصبح الجيش المصري هدفاً مباشراً لهذا التنظيم وأصبحت مصر أرضاً لهذه المعركة التي لا يقبلون إلا الانتصار فيها، وإن جاء هذا الانتصار على يد التدخل الخارجي والقوى العظمى!

مشكلة «الإخوان» ليست في عزل محمد مرسي عن الحكم، والحل ليس في عودته إلى كرسي الحكم… مشكلة «الإخوان» أكبر وأعمق وأصعب، فهم اليوم يعتقدون وربما يدركون أن مشروع حسن البنا الذي صمد 85 عاماً بدأ ينهار، وأن هذه الجماعة أصبحت مهددة بالزوال والاندثار، لذا فإنهم يفعلون كل شيء ويتبعون سياسة «أنا ومن بعدي الطوفان»، فلم يعد لديهم ما يخسرونه بعد كل هذا الفشل الذي أصبحوا يعيشونه، وبعد أن انكشفوا على حقيقتهم قبل أن يحققوا أي أهداف تعوضهم ذلك الانكشاف.

وهذا ما يجعل الجميع يقلق من أن مصر تمر بفترة حساسة جداً والساعات والأيام التي تمر هناك لها ثمنها وتأثيرها ليس على مصر فقط، وإنما على مستقبل المنطقة، لذا فمن المهم أن تدرك الدول والشعوب العربية مسؤولياتها تجاه مصر، وأن يسهم الجميع في عودة الاستقرار إليها وحمايتها من أي تدخل خارجي، سواء أكان سياسياً أم عسكرياً.

ربما لا يدرك «الإخوان» المسلمون أنهم بمغامرتهم لمواجهة غالبية الشعب المصري والوقوف ضد جيش مصر يدخلون معركة شديدة الضراوة ستكلفهم الكثير وستكلف المنطقة الكثير أيضاً، وأنهم لن يكونوا الكاسبين أبداً، فكل ما يمكن أن ينجزوه أنهم سيزيدون المنطقة فوضى على الفوضى التي تعيش فيها، وهذا ما يدركه الجميع، وهذا ما جعل الجيش المصري يتحرك بسرعة لوضع حد لما يحدث من إرهاب على الأرض وهذا ما يجعل الجميع يترقب ما يمكن أن يحققه الجيش المصري، وكيف يمكن أن ينهي الحالة داخل مصر قبل أن تتفاقم… فالتلاعب بالأمن القومي المصري ستكون له تأثيرات مباشرة على جميع الدول العربية وعلى المنطقة، ويبدو أن «الإخوان» لا يدركون ذلك في ظل تكالبهم على السلطة أو أنهم يدركونه ولا يجدون ضيراً فيه ما دامت مصالحهم الضيقة ستتحقق.

الأمر الآخر الذي يغامر به «الإخوان» هو إظهار الخلاف في مصر وكأنه خلاف بين الإسلام والعلمانية، وهذا ما صدقه البعض فأصبح يتبنى موقف «الإخوان» على هذا الأساس، والحقيقة غير ذلك فالاختلاف قائم على أساس المصلحة الوطنية، وعزل مرسي بإرادة شعبية جاء من جميع أطياف الشعب المصري وفي مقدمتهم المتدينون -بالطبع غير المؤدلجين- وكل فئاته، لذا فإن تحديد المواقف تجاه ما يحدث في مصر يفترض أن يقوم على أساس المصلحة الوطنية لمصر والمصلحة القومية للعرب وعلى أساس ما يريده الشعب هناك.

بعد سنوات من سقوط أسطورة إسرائيل التي لا تهزم… ها هي أسطورة أخرى تسقط في المنطقة وهي جماعة «الإخوان» التي ما فتئت تدعي أنها تمتلك الشعبية الكاسحة في الشارع. مشكلة «الإخوان» الحقيقية أنهم يعتقدون بأن الفرصة الذهبية التي طالما انتظروها تكاد تطير من بين أيديهم ولا يدركون أنها قد طارت فعلا فخسروا رصيدهم. وخسارة هذه الفرصة ليست خسارة للحكم، وإنما هذه خسارة لمشروع إخواني دام ثمانية عقود، وهي خسارة لرصيدهم في الشارع العربي والإسلامي… والأهم من ذلك بالنسبة اليهم هو انكشافهم أمام العالم وخصوصاً الغرب وأميركا بصورة أنهم ليسوا القوة الوحيدة المؤثرة على الأرض كما كانوا يدعون دائماً.

فما استطاعت فعله مجموعة شباب «تمرد» لا تستطيع جماعة «الإخوان» فعله، فحشد كل المصريين في 30 يونيو كان الصدمة الأولى الحقيقية لـ«الإخوان» والتي لم يستفيقوا منها بعد… أما الصدمة الأخرى الأقوى، فكانت في 26 يوليو عندما لبى الشعب المصري نداء الجيش، وعندما خير بين الجيش و«الإخوان المسلمين» خرج صائماً في لهيب شهر يوليو وشمسه الحارقة ليفوض الجيش بمحاربة الإرهاب المحتمل من «الإخوان» والجماعات الإسلامية الأخرى وغيرهم من المجموعات الخارجية… لم يستوعب «الإخوان» هذا التفويض واعتبروا ما يحدث منذ شهر انقلاباً عسكرياً رغم أن العالم باسره يعرف أنه ليس انقلاباً، فالرئيس المصري المؤقت مدني والجيش في ثكناته ورئيس الوزراء المدني يقوم بدوره بشكل طبيعي.

الغرب الذي راهن على الإسلاميين و«الإخوان المسلمين» بالتحديد بحاجة إلى مراجعة مواقفه ولن يكون خطأ أن يتراجع عنها، خصوصاً بعد أن أصبح واضحاً ما يريده الشعب المصري وبعدما تبين أنه لا يستطيع أن يعتمد على «الإخوان» في إدارة أمور مصر، فهذه الجماعة أضعف من أن تتولى مسؤولية حكومة أو تدير بلداً، سواء أكان مصر أو غيرها من الدول الأخرى. لقد سقط «الإخوان» من يدي الغرب ولم يستطع حمايتهم ومواصلة دعمهم بعد كلمة الشعب… فقد تدرك الدول الغربية أكثر من أي يوم مضى أنها لن تكون رابحة أبداً في حال حدوث فوضى في المنطقة، وفي حال عدم استقرار مصر فإن مصالحها ستكون مهددة وإسرائيل التي يحاول الغرب حمايتها بكل الطرق ستكون هدفاً بكل الطرق.

عندما فاز «الإخوان» دعوت كما دعا العديد من الكتاب والصحفيين العرب والأجانب أن لا نستبق الحكم على الجماعة وأن ننتظر ونرى ماذا سيقدمون خلال فترة حكمهم، ورغم أنه كانت لدينا توقعاتنا لما قد يحدث في حكمهم فإنه كان لابد أن يحصلوا على فرصتهم ما داموا قد وصلوا إلى الحكم من خلال صناديق الاقتراع… وكانت المفاجأة كبيرة وسريعة، فقد بدا «الإخوان» مستعجلين على كل شيء لدرجة أنهم أحرقوا أنفسهم في وقت قياسي، فقبل أن يكمل مرسي عامه الأول كرئيس لأكبر دولة عربية تشكلت ضده جبهات داخلية تطالب برحيله، فلم تدم دولتهم أكثر من عام واحد، وفي نفس الوقت خسروا شعبيتهم التي كانوا يفاخرون بها دائماً… وهم يشعرون أنه لم يبق لهم إلا الغرب كي ينقذهم ويساعدهم في محنتهم… وهذه من سخريات الأقدار!

وأخيراً… تمر مصر اليوم بمفترق طرق حقيقي، وأغلب الشعب المصري قال كلمته فيما يتعلق بحكم «الإخوان» لبلدهم، أما الجيش فهو مطالب بأن يحقق إرادة الشعب وهي التحول الديمقراطي الذي يحاول المصريون الوصول إليه منذ عام 2011.

عن جريدة الاتحاد الإماراتية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق