سياسة الجنون / عباس بيضون

الموت ينعب في الغوطة، كلاب الدم تعوي في الغوطة. لا نعرف كيف نتكلم بطريقة أخرى عن العنف المطلق السراح، العنف الأعمى الذي وصل إلى حد الجنون. لا نصدق أن 1300 قتيل سقطوا عن الشجرة، أن الأرض أنبتت قتلى، أن الهواء حملهم من المجهول. لا نكذّب الصور أو علينا تكذيب أعيننا. هؤلاء الأطفال المصفوفون نيام، لقد حملوهم من الأسرّة، سيستيقظون بعد أن تمر الكاميرا. سينهضون ويملأون الأرض لعبا، لا نصدق أنهم ناموا إلى الأبد وأنهم تنفسوا موتاً. سيكون موسم الجثث، لا أحد بعد ليقطف، الكاميرات وحدها ستفوز بالغنيمة، وحدها ستسرق هذه الوجوه التي غدر بها الفجر، التي غطاها الموت وتَمثَلَها. أي موت يأتي من كل مكان يداعب العيون ويتسرّق بطيئا خفيفاً إلى الجوف. أي موت يقع على الغوطة كنسمة، كهواء رقراق، وبدون أن ينهش، يملأ الأجساد وتزفر هذه موتاً خفيفاً ينتقل من فم إلى فم كشائعة هائلة. لقد أرخصوه. جعلوه رقيقاً وسائغاً وبلا ثمن، نشروه في الهواء وصار الفضاء ممسوساً ولعينا وشيطانيا. صار رسالة مسمومة تنفذ إلى كل مكان. لقد طوّعوا الموت. جعلوه لعبتهم وفنهم. في نهار واحد هلك كل حي. لم يكن هناك نار وكبريت، لم يكن هناك حديد ولا رصاص، فقط رسائل من السماء، فقط هواء محمول. لا نعرف كيف يعاني ذلك الذي يصارع اللاشيء الذي سكنه، كيف يصارع هذه المرة الهواء، كيف يصارع نفسه. لقد جعلوا الموت فناً. الغوطة هذا اليوم ستكون متحفاً، سيكون البشر والحيوان تمائم فوقها كما قال المتنبي في القديم.

اليوم سيكون الموت هو ما تخبئه الأنظمة للشعب. لقد أعدت له موتا أجمل من الحياة التي سممتها له. سيكون الناس لعباً بعد هذا اليوم. ستكون الغوطة كلها يباباً متسعاً. هكذا نوسع الوطن. هكذا نمدد الفراغ. هكذا نجعل الهواء خصباً. هكذا نلعب بالحياة ونحوّلها إلى مختبر. هكذا نحمّل النسيم رسائل قاتلة. هكذا نستثمر اللاشيء ونحوله إلى قنبلة. إنه فن لا يحتاج إلى أصابع. إنه الجنون وقد صار مادة وسياسة، صار إرادة، صار عقلاً شيطانياً.

لا نعرف ماذا ستسفر عنه هذه الحرب بعد. لن تنتهي لكنهم لن يتوقفوا عن السرعة من أجل إنهائها. لن تنتهي لكنهم سيبتكرون دائماً، العقل الشيطاني. الجنون المنظم سيبتكر دائماً. سيرمون دائماً مزيداً من الموت ومزيداً من تحديث الموت. الحرب لن تنتهي، لقد اشتعلت سوريا ولن يستطيع أحد أن يطفئ الحريق، في سعيهم لإطفائها لن يفعلوا سوى المزيد من إضرامها. لن تستطيع مبتكراتهم السامة أن تفعل غير ذلك، السرعة والتكثيف لن يستعجلا شيئاً.

النصر ممنوع غالباً، فقد أنهى النظام المسألة من زمن، هذه البلاد التي صارت قاعاً صفصفا لن تكون لأحد. لا يمكن لأحد أن يرسي حكماً على نيران متحركة. لن تستطيع قوة ما أن ترسي نظاما على أرض أفلت كل ما فيها وتحررت من كل شيء. كيف يمكن بعد جمعها. كيف يمكن بعد إسقاط قوانين عليها. كيف يمكن ذلك بعد أن أصبح النظام عصبة بطائرات وسلاح ثقيل وذخيرة من الغاز السام وتحول البلد إلى عصابات جانحة تقتل أطفالاً تحت الكاميرا. العنف الذي يتسرع لن يحسم شيئا ولا عودة لنظام يقصف شعبه بالطائرات. ولا مستقبل واضحاً لعصابات جائحة تزداد تشرذماً وجنوناً دموياً. لن يربح سوى الموت الذي سيسود هنا لوقت طويل. ما يحدث الآن هو تصنيع الموت واستثماره. ما يحدث هو المزيد من الجنون الذي يستدعي الجنون الآخر. التدهور الذي يقابله تدهور ثان. النظام ليس فقط في نفسه وحدها. إنه في كل البلاد التي من خمسين سنة وهو يصنّعها على مقاسه وتبعا لحاجاته. إنه في كل ما يخصه وما لا يخصه، وحين ينفجر الوضع فإن شظاياه تذهب بعيداً. جميعها حملت في يوم بطاقته، جميعها جرت في قنواته يوماً. انها صنيعته وتبقى ولو في المعارضة جزءاً منه، لقد نتجت من تلك الشبكة الرهيبة التي نسجها من داخل البلاد وخارجها. لن تستطيع مطحنة الموت السريع أن تحسم. الموت يتغذى من الموت والنار تأكل من النار والرعب يستدعي الرعب.

هناك بالطبع ذلك الجدل الذي ينشب حول من هو الفاعل، من هو المسؤول، إنه جزء من هزال الوضع كله، جزء من السخف الذي وصل إليه. عجلت روسيا إلى اتهام المعارضة بينما نفى الجيش السوري المسألة أصلاً، واتهم الائتلاف الوطني بالطبع النظام، أما الناطق باسم الأمم المتحدة فتحدث عن مزاعم، كل هذا الجدل، الذي لن يؤدي إلا إلى تضييع المسألة أصلاً، يدور على جثث 1300 شهيد. ليس 1300 ضحية مسألة تهم أحداً. المسألة تقنية. كيف ماتوا هو السؤال. إن هم ماتوا بغير الغاز السام، وبالطبع لن يكون هناك إجماع على ذلك، فلا مشكلة. يستحقون الموت ويستحق الشعب السوري ذلك أيضاً.

لا مشكلة، في استطاعة الجيش أن يكرر المذبحة. أن يستفيد من تقنياتها، أن يحسّن الوسائل وأن يحظى بنتائج أفضل. لا نعرف أين صار عدد القتلى الآن وأين سيصير في الغد. لا أحد يريد أن يرى أن ثمة إرادة لتدمير سوريا وأن سوريا تتقوض كل يوم وأن ما تصير إليه سيجعلها أكثر فأكثر عصية على أي حل. وسيأتي يوم، وربما أتى، لن يكون هناك أمام الجميع سوى تدمير يغدو مع الوقت آلياً. ما ينتظر سوريا وما تترك سوريا لتصل إليه هو الخراب التام، الإدقاع التام والتفسخ التام والبوار التام، بحيث لا يمكن بعدها لحل أن يقوم، وبحيث تتحول سوريا إلى صومال جديد لا ينبت سوى القتل والانتهاك. يبدو أن الجميع ينتظرون ذلك بصبر فارغ. يتركون سوريا تتآكل ويحمل إليهم كل يوم سبباً جديداً ليبتعدوا. يتركون الأسوأ يأتي دائماً. الأسوأ يلد الأسوأ ولا نهاية لذلك. النظام وشظاياه المعارضة تبتكر كل يوم أشكالاً جديدة من الفظاعة. إنها «تقنيات البؤس» بحسب عنوان رواية رشيد الضعيف، بل تقنيات الرعب وتقنيات الانحطاط وتزداد مع الأيام تفنناً وهولاً.

لا نعرف سبباً عالمياً لترك سوريا تموت. لا بد أن هناك سبباً، لا بد أنه سبب بالغ. لا نفهم لماذا تتجنب الدول سوريا كما تتجنب المرض وتتركها تموت وحدها. يتكلمون عن حرب عالمية ضمنية تدور حول سوريا لكن هذا قد يكون نوعاً من نسيان الواقع. تركت روسيا أميركا تقصف صربيا القريبة جداً منها. قال أوباما إن الكيماوي خط أحمر، كل هذا كلام ممضوغ أعيد ابتلاعه عندما حانت الساعة. مع خراب سوريا وتدميرها، كما هي الحال الآن، يتغير شيء في الشرق الأوسط. الربيع العربي يؤدي في مجمله إلى تغيير كلي من الشرق الأوسط. هل خراب سوريا جزء من هذا التغيير، هل إخراجها من المعادلة جزء من هذا التغيير، هذا سؤال استراتيجي لكنه أيضا قد يبعدنا عن اللحظة الحاضرة. عن حصاد الموت الذي كان قطافه هذه المرة 1300 قتيل، عن حرب بلا قواعد ولن يكون الغاز السام انتهاكها الوحيد. يمكننا منذ الآن ان نفكر بحرب كيماوية. يكون السارين، وليس وحده، دعامتها. يمكننا أن نفكر بوحشيات مبتكرة لا نستطيع تصورها، وحشيات يجري إعدادها الآن وقد يتعجلون في تنفيذها. فهذا اللهاث وراء إنهاء الحرب وبالطبع وراء الانتصار السريع فيها لا يترك مجالاً لمحرّم ولا قاعدة ولا تخوّف ولا حساب.

عن ملحق السفير الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This