شيرين الفقي: في العالم العربي كلام عن تطور جنسي وليس عن ثورة جنسية / رلى راشد

صدر بالإنكليزية لدى “تشاتو اند وينداس” أخيراً كتاب “الجنس والقلعة” الذي قُدّم كرحلة عبر حيوات العرب الحميمة، تُعَرِّف عنه صاحبته الصحافية شيرين الفقي باعتباره نصاً “يركّز على الحلول وليس على المشكلات فحسب”. في ما يأتي حوار مع الفقي، ذات الأصول الثنائية، المصرية لجهة الأب والبريطانية لجهة الأم.

¶ يُذكّر عنوان كتابك بعنوان المسلسل الأميركي “الجنس والمدينة”، ويستبقي تضادا بين “المدينة” المكان المفتوح (نيويورك) و”القلعة” المكان المغلق (قلعة صلاح الدين الأيوبي في القاهرة التي تذكرينها في النص). الخيار محيّر. فالمسلسل ساهم في نمذجة النساء، وبيّنت شعبيته، وفق الكاتبة الأميركية جوان سويرسكي “انه مثال إضافي على موت النسوية”.

– القلعة التي تمنح كتابي عنوانه، اشارة الى الجنس في إطار الزواج، القلعة التي يصعب السيطرة عليها، وهي السياق الوحيد للنشاط الجنسي المقبول اجتماعيا. في حين ان المجتمعات في المنطقة بات تعترف أكثر بوجود ناس خارج هذه القلعة، وهؤلاء شباب غير قادرين ماديا على الزواج، وينبغي لهم الإنتظار تاليا الى آخر العشرينات للزواج أو ما يتعدى ذلك حتى، من مثل نساء ناجحات مهنيا لا يلائمن التوقعات الجندرية فلا يجدن زوجا، أو نساء ورجال يجتازون حدود التغاير الجنسي. ثمة تردد في كيفية التعاطي مع هؤلاء. يتصدى المتشددون دينيا خصوصا لكل محاولة للهجوم على هذه القلعة: قلعة الزواج والعائلة. جرت مفاوضات أخيرا بين “الإخوان المسلمين” في مصر ولجنة وضع المرأة في نيويورك، ظنّها البعض انفتاحاً على مستوى الحقوق الجنسية والإنجابية، ومدخلا لإنهاء العنف إزاء النساء. في حين اعتبرها “الإخوان المسلمون” في تصريح لهم، مسارا خطيرا “يقضي على الأخلاقيات الإسلامية، ويسعى الى تدمير المؤسسة العائلية، يؤدي بعدذاك الى الإنحلال المجتمعي، لتكتمل آخر محطات الإجتياح الثقافي”.

¶ يضيء كتابك على مصر خصوصا، وينتمي الى إصدارات حديثة محورها النساء تحسَّرت على جنسنة المجتمع العربي المتدنيّة. تَدعين في المقدمة الى “جعل الجنس مادة استهلاكية” بينما صار يُشكَّك غربا، في ثقافة المبالغة في جنسنة المجتمع. بيّنت دراسة في مجلة العلم النفساني البارزة “سايكيلوجيكال ساينس” (أيار 2012) ان النساء متى بالغن في الجنسنة وصلن الى الشيئنة الذاتية، ومتى قوّمن أنفسهن وفق رغبتهن الجنسية أولا، انكفأن عن تحدّي الإجحافات الجندرية. فما رأيك؟

– لا أدعو الى “جعل الجنس مادة استهلاكية”، وانما أذكر ذلك كأحد العناصر التي حولت الثقافة الجنسية في الغرب، الى جانب نمو المدينية وتوسع أهمية الشباب وتمكين النساء اقتصاديا وسياسيا والتحول في البنى الأسرية التقليدية. انه احد وجوه التغيير التي نشهدها في المجتمعات العربية راهنا. أسأل اذا كانت الدوافع عينها ستقود الى النتيجة نفسها كما في الغرب. أظن الثقافة الجنسية ستتبدل تدريجا في الشرق الأوسط وشمال افريقيا، وان تحررا أكبر سيحدث، في إطار الإسلام، لكن ذلك جهد لجيل كامل. في العالم العربي نتحدث عن تطور جنسي وليس عن ثورة جنسية.

¶ تعارضين فحوى كتاب ادوارد سعيد “الاستشراق”، في موازاة تأييد الإستشراق بناء على علاقات فلوبير الجنسية “الناجحة” شرقا. توقّف سعيد في كتابه عند حاجز اصطناعي قسّم العالم شرقا غير متحضر وغربا متحضرا وأنبَت مفهومَي “هم” و”نحن”. تتحفظين عن مقاربته الإستشراق “أسلوبا غربيّا للتحكم بالشرق واعادة هيكلته”، بينما تريدين لكتابك “المساعدة على تغيير” مقاربة الجنسانية في العالم العربي. وهذه مفارقة.

– في الكتاب لا أنتقد ادوارد سعيد بسبب تعريفه الإستشراق، بل أسعى الى تحديده فحسب. ولا أدافع عن فلوبير، وإنما استبقيه كمثال على تبدل المقاربات الغربية للثقافة الجنسية في الشرق الأوسط، على مرّ الأعوام. أقول أيضا ان الزوار الغربيين لم يشيروا وحدهم الى “راحة” نسبية في التعاطي مع الثقافة الجنسية في الشرق، وان كُتّابا من العرب وثّقوا، على مرّ قرون، لذهنية شديدة الإسترخاء في ما يخصّ الجنس، مقارنةً مع ما يحصل اليوم.

¶ اعتُبر كلام آنا هاستول من حركة “فيمين” عن مجتمع اوكراني عاجز عن “القضاء على ذهنيته العربية إزاء النساء”، عنصريّا. تكتبين في الفصل الثاني بعنوان desperate housewives “عندما يشعر الرجال (العرب) انهم يملكون خيارات في الحياة تتخطى دربا بائدة سلكها آباؤهم وأجدادهم، ربما يقبلون أكثر بأدوار بديلة للنساء في مجالات عدة، كمثل الفراش”. ألا تخشين اتهامك بالتمييز اللغوي الجندري إزاء الرجال؟

– لا أجد في هذا الكلام تمييزا لغويا جندريا إزاء الرجال. في الكتاب، أشير الى المعوقات التي تواجه رجالا لا ينتمون الى النخبة، على خلفية البنى السياسية المستبدة والإقتصادية والإجتماعية، في مختلف البلدان العربية. لا أنفي دعوتي الى بحث أكبر في “ما يريده الرجال” (كيف يجري تحديد الذكورة وكيف يرى الرجال أنفسهم، وما هو موقعهم في ظل تبدل النظام؟) وأدعو الى التزام اجتماعي أكبر من الرجال، وخصوصا الفتيان، لكي لا يكتفوا بتفهّم تمكين النساء، وانما ليتقبلوه ويتبنوه. ليس المسار سهلا، لكن هناك حفنة من المبادرات عبر العالم العربي، تحاول فعل ذلك، ونجد أمثلة مثيرة للإهتمام في “دول الجنوب” منها ما نجح وأخفق في هذا السياق.

عن جريدة النهار البيروتية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق