صانعات رجال

الإهداء:
إلى جبل الشعانبي والرّاعي الذي انفجر في وجهه لغم؛ وإلى جارته، تلك المرأة الحرّة النابهة التي تحدت الارهابيين بقولها: “بعُمره الحُر ما يغدر”. هذا بعض من تاريخهم، ورثوه وأضافوا اليه.

تقع سنينيخة سفح جَبلين. جبل السيف. قيل إنّ الأسود سكنته إلى وقت غير بعيد، احتمى به ثوّار الجزائر والثورة ضد فرنسا في أوجها، والتجأ إليه الأهالي فرارا من فيضانات متتالية وتخفيا عن عيون البايات وعساكر المحلّة وتفاديا للعمل الشاق خلال التّزميل والسُّخرة التي كانت تفرضها عليهم السلطة حين يعجزون عن دفع الضرائب من. جبل العرعر والصنوبر والصخور الشامخة والكهوف، تسلّقه الأولاد في مغامرات لا تنتهي وتحاشاه الرعاة خوفا على خرفانهم من ذئابه وخوفا على أنفسهم من غارات مَن صار يطاردهم الجيش الجزائري بتُهم الجهاد القاتل والتديّن المفرط.
أسفل الجبل ترقد منازل متفرّقة، تتواصل عبر دخان الأفران ونباح الكلاب. ومن الجبل تنزل الخنازير تَعيد حرث الأرض حين يبزغ الزرع. وقد حار سكان سنينيخة فيها، تفسد عليهم عيشهم ولا تقدر عليها أيديهم خوفا ورهبة.
ولسنينيخة فصولها، أعسرها شتاءها الطويل الذي لا يخلو من ثلوج وجليد. فيه تتوقّف الحركة إلاّ من دخان الأفران ونباح الكلاب وعواء الذئاب ليلا. ولكنّ المكان لم يخلُ من حبّ ولقاءات سرية ومغامرات عشّاق. ولهذه القصص ضباب كدخان الأفران، يخفيها ويفضحها. فهي مداعبات عجلى بين الشعاب وخلف الشجيرات، وتسلّل بالليل تفضحه الكلاب الساهرة. لقصص العشق هنا هالة غرائبية قد لا يمسك حقيقتها حتى العشّاق أنفسهم، فقد تُقابَل نظرة متّقدة بحياد تام وقد يُقابَل صوت العاشق بصمت المعشوق وتستّر لا يفهمهما إلا من خبر مزاج المكان وأتقن فكّ ألغازه.
ولذلك حوى الجبل نوادر غريبة وقصص خارقة يتناقلها الفتيان في حذر وتهمس بها الصبايا في الأعراس والمواسم. وفوقهم جميعا يقف جبل المنيحلة، يرعى مرتاديه من جامعي الحطب ومصطادي الحمام، تردع صخوره القاسية المتسلّل المتخفي وتبعث أصواته المبهمة الرهبة والشعور بالوهن، ومنه تتفرع الشعاب وتتوزع، تتراءى للناظر أحيانا أحابيل تحاك وتبدو أخرى ملاجئ يُلاذ إليها ويُحتمى بها.
ولم يلتصق بهذه الأرض أكثر من أحمد. ولم تشع بين الفتيان والصبايا أغرب من قصته مع محبوبة.
بعد بحث وتقصّ، توصّلتُ الى أنّ أحمد لا يفصح حين يحدّث، يتشعّب كلامه ويتخفّى، يتستّر ويلتوى بك في متاهات من المعنى لا تكاد تبصر مرماها حتى يفلت منك كخيط دخان. وهو لم يرث مغازيه وإشاراته من أب أو أم، فقد مات أبوه وهو في سنته الأولى ولم يورثه غير أبوّته المبكّرة لأمّه التي سرعان ما تزوّجت ثانية. ولأنّ أحمد بعيد الإشارة، قليل العبارة، لا يسَع مستمعه إلا التأويل والقراءة خلف الكلام وحوله، يكاد لا يخرج من حديث معه بشيء يرويه أو يجيب به السائل المِلحاح. لأحمد منذ صغره وجود مجازي تعبت أمّه في تأويله وشقا أبناؤه من بعدها في درك ما يرمي إليه الرجل من مقاصد، واستغلّ إخوته من الأب سكوته المفرط وأفرطوا في إبعاده عن الأرض وإقصائه عن الميراث. أما إخوته من الأم فقد احتاروا في أمره وتراوح تقديرهم موقعه بين العم والأخ، وامتدّ ارتباكهم إلى كيفية مناداته، فاختار البعض ” سيدي حْمِدْ”، وبلغت صغراهم حدّ اللخبطة تدعوه “عمي خُويا”.
وامتدّ المجاز، أو لعلّه بدأ هنا، إلى تسمية الرجل فنسبه البعض إلى أمّه والبعض الآخر إلى أبيه. وقد يحتار بعضهم حين تسألهم عنه وقد يذهبون حد إنكار معرفته، إلاّ من قلّة عرف لديهم باسمَيْهِ فاتخذوا أحدهما أصلا وردوا الفرع إليه. تسأل أحدهم عن أحمد بن علي فيقول، وأحيانا يستشير أحد مرافقيه بنظرة عجلى:” آه. تعني حمْد بن مليكة”.
أمّا ما وقفتُ عليه بنفسي حين عدت إلى أبنائه وزوجته ومعارفه أسترجعهم التفاصيل وأقارن أقوالهم، فهو أنّ لا مرجع عنه إلاّ في تعدّد الحكايات وزوايا النظر والاختلافات. فأحمد ليس وجودا ثابتا يمكن العودة إليه بيقين، فحتى تاريخ ميلاده لم يدوَّن إلاّ بعد ولادته بأكثر من عشرين عاما. أحمد كما اكتشفت حكايات وروايات أقصّها عليكم دون حذف أو إطالة مستعينا بما جمعتُ من الأقوال والبحث خلال السنوات الخمسة الماضية، مسترجعا لقائي الوحيد به سنة 2001.
في تلك السنة، مازال أحمد، وقد قارب الثمانين، يثير اهتمام الناظر إليه: أسمر البشرة، غائر العينين، كثّ الحاجبين، أسودهما. ينظر إليك مباشرة مرّة واحدة لا غير ثم يجيل البصر حولك فيما تبقى من اللقاء. أبرز ما في وجهه الشفتان المكتنزتان وفي العليا منهما إفراط غير طبيعي، وللأمر قصة سيأتي ذكرها. لا يبتسم أبدا. وإن فعل فهو يدير وجهه إلى اليمين وتنفرج شفتاه عن بقيّة أسنان.
الناظر إليه يلمس لأوّل وهلة صعوبة كشف ما تنبثقُ عنه عيناه من إشراق يكاد لا يُرى، وإن رُئي فللحظة مسرعة لا تكاد تحفظها الذاكرة. يمتدّ البصر من عين غائرة في حدّة لم تعمل فيها السنون. وتلحظ دائما، إن استطعت النظر إليه مباشرة، بريقا يربك تماسكك وثقتك بنفسك وكأنّه، دون إفصاح، عرف سرّك وخبر ما تُخفي. لا تكاد تخلو عيناه من هذا البريق وإن خلَت، انتابتها غشاوة زادت إحساسك أنّ العين ارتدّت إلى الداخل حين لم يروِها ما رأت، وآوت إلى أعماق ستخرُج منها بما لا طاقة لك عليه فتبهرك.
لا يكفي لحظتها أن تدير وجهك قليلا أو تحوّل البصر فوق أو تحت، وقد تلجأ إلى إغلاق الجفن سريعا كمن سطعه نور أو خشي على بصره. ولعلّ في الأعمال المختلفة التي شغلها أحمد والتيقّظ الدائم والحذر الذين فرضتهما عليه حياته وترحاله ووحدته ما يفسر تمركُز وجوده كلّه في العينين.
هذا ما رأيته منه مباشرة. أمّا زوجته منذ أكثر من نصف قرن وأقرب البشر إليه، كما أكّد لي الجميع، ففي الاعتماد عليها لُبس وصعوبة. فمحبوبة وإن لم تُصبها عدوى الإيحاء والتلميح من زوجها، فهي قليلة الكلام، توجز حدّ البخل وكأنّ حسن تدبيرها في تصريف الموارد الشحيحة للعائلة قد تحوّل إلى اقتصاد في الكلام، تخافه أن ينفذ فيبقى أبناؤها في عراء وخصاصة من القول.
حدّثتني محبوبة، ولا مخبر عن جسد أحمد غيرها، عن سرّ شفاهه الغليظة قالت: “مازال يُمْكنْ عُمْرُو ما يْجيشْ حتى عَشْره سنينْ، سارِحْ بِالغْلَمْ مْتَاعْ راجلْ أُمّو. روّحْ نْهارصقعْ ما تحِنّشْ فيهْ لُمْ على كِبْدتها. قْعَدْ قُدامْ السامُورْ يّدفَّ ونحّى العفّان. هو هكّاكة وبْعيدْ الشّرْ يجي جْدَعْ ويدفرُو مِنْ تالي. تْكَبْ مسكين على وِجْهُو. تحرقْ بْكلّو. سَتْرُو ربي ما عْمَاشْ.”
والواقع أن حادثة التيس تلك لا تفسّر فقط شكل وجهه، بل سمرته أيضا. فلئن عزا جميع من رأى لون وجهه الداكن إلى طبيعة البلاد الحارّة ولون بعض سكان المنطقة، فإنّ جلد أحمد، كما تؤكّد محبوبة، كلّه أبيض كاللّبن. كلّ ما في الأمر أنّ وجهه احترق تماما واكتسب سمرة دائمة، وإن غابت علامات الحرق ومخلّفاته عن وجهه، عدا الشفتين.
ومحبوبة تعرف أيضا سرّا حيّر أبناءه. لاحظوا أنّ قدمي والدهم تلائمانه تماما في الصغر والاعتدال إلاّ أنّ أصابع القدم اليمنى كانت مشوّشة بعض الشيء، علت بعض الأصابع فوق غيرها وتقوّس اثنان منها ولم يبق مستويا إلاّ الإبهام. وعزوا ذلك إلى تشويه حصل مع الولادة أو جاء وراثيا. أما الحقيقة فغير ذلك. يعود تاريخ الحادثة إلى سنّ الخامسة عشر، كما تخبر محبوبة. فأحمد حين شبّ دون أب، مُعيلا لأمّه وقائما بنفسه، كان قد أعرض عن جميع المهن إلاّ ما جعله “سلطان نفسه”، كما كانت تقول محبوبة. ولم يحرس خيرات غيره. “الرثية نزَاسَة”،كما كانت تصف حراسة مطامير القمح والشعير.*
وهو لم يشتغل خمّاسا كأغلب أبناء عشيرته، يبيعون عرقهم مقابل خمس المنتوج. ” الطْحينْ و لا الخْمَاسَة”، تقول محبوبة وهي تغضّ النظر وتخفّف النّطق حين تتفوّه بكلمة “الطْحِينْ” التي لا يليق ذكرها من قبل امرأة محتشمة مثلها. امتنع أحمد عن كلّ ذلك واختار أن يكون راعي أغنام وماعز. ” السْرُوحْ رْيَاسَة”، تضيف محبوبة مفتخرة وإن كان يحزّ في نفسها أن يكون ” السْرُوحْ” قد تسبّب لأحمد في تشويه الوجه والقدم اليمنى. وقصت القدم هي أنّ أحمد كان ، بحكم مهنته هذه ولأنّ أرض الجدود قاحلة غير معطاء، يسرح بقطيعه جنوب البلاد وشمالها حسب المواسم. وحدث والوقت ربيع أنّه كان جنوبا. جلس يراقب غنمه ذات عشيّ ولم يتفطن إلى جحر قريب إلاّ حين خرج منه ضربان شرس غرس فكّيه في قدم أحمد اليمنى ولم يتركه إلا حين هوى عليه بعصاه للمرّة الثالثة. عُولج أحمد و لكنّ كسر أصابعه الأربعة لازمه بقيّة حياته. وحمدت محبوبة الله أنّ ما خرج من الجحر لم يكن أفعى أو ثعبانا سامّا: “جَاتُو بِلطفْ”.
عدا ذلك، حفظت محبوبة أسرار أحمد ولم تعلن منها الاّ القليل، وحتى حين تروي قصة زواجهما كانت تُمعن في الاقتصاد متذرّعة بأنّ تلك الأمور كانت من مهامّ الرجال وأنّه لم يكن للبنت رأي أو استشارة ولكنّها أسرّت لي أنّها تعرّفت عليه قبل الخطوبة، فقد كان حين عودته من العاصمة يزور أخاها الأكبر ويصادقه– عرفتُ فيما بعد أنّ قصّة حبّهما التي شاعت وقتها عند الشاعر زرّوق، فسعيتُ اليه وحدّثني بها وهو في أيامه الأخيرة، كما سيأتي تفصيله — وذكرت أنّه تعشّى في بيتهم ليلة وكانت فوق الكُسكسي الذي أعدّته ثلاث قطع من اللحم. وعلى عادتهم وقتها وضعت أكبر القطع أمام الضّيف. وحين جلسوا للأكل أخذ أحمد القطعة ووضعها أمامها. بعدها بشهور حين تقدم لخطبتها لم يتأخّر أخوها الأكبر في الموافقة، قائلا انّه رأى دليلا على أنّ أحمد يُحسن معاملة المرأة وأنّه سوف يكون زوجا عطوفا على أخته، وأشار إلى حادثة قطعة اللحم.
فيما بعد ستقولُ لي إنّ ما جذبها نحوه كان إحساسها أنّه ليس بحاجة إلى أحد، به ملامح وحركات من خبر الدنيا والناس، جمع في نفسه القدرة على التوحّد وحذَق حسن المعاشرة. كان يتيما وأبا في نفس الوقت، فأحسّت نحوه بمزيج من العطف والرّهبة والتحدي. تحدّ ورثته عن أمّها فاطمة، كما ورثت عنها القوام وسدادة رأيها وحزمها وعمليّتها. فقد كان والد محبوبة قد ترك أرض أمّه بواحاتها الفارعة وخيرها وطلب المستقرّ بأرض أعمامه وكأنّه سئم النخيل وانبساط الرّمال. كان يقيم بينهم كراحل كلّ صيف حتى اكتملت رجولته فاختار خلاء الجبل على الواحة وعزم على الزّواج. صدّته الصبايا ونكره الرجال، فهو الغريب لا أرض له ولا زرع. ثم أنّه قد يأخذ زوجته ويعود جنوبا تاركا وراءه حرقة الفراق ولوعة الفقدان. أمّا فاطمة فلم تكن مثلهنّ. فاطمة صانعة رجال. حين تقدّم لطلب يدها لم تتأخّر. حاولت الصبايا صدّها وحاول بعض الأهل النّصح وتعلّلوا بجمالها وحزمها، وقالوا إنّها تستطيع الزواج بخيرة شباب القرية، وذكروا ابن سعيد صاحب الأراضي وحمزة ابن عم والدها صاحب الجمال والقوة. تقول محبوبة، بفخر، ورطوبة تغشى عينيها، إنّ أمّها ردّت على الجميع بقول صار مثلا سائرا في القرية: ” نوخِذْ الكْرُومة ونْرُدْهَا مِسلانْ”. تحدّتهم وتزوجته. ولم تمض سنوات حتى حوّلت زوجها إلى أحد وجهاء العطف، مالا ومنصبا واحتراما.
لم تنسَ محبوية ذلك واستعادته حين تقدّم أحمد لطلب يدها. غازل الحلم كبرياءها وعزيمتها. وحدثتها نفسها: ليكن أحمد ما يكون، أليست هي من فصيلة صانعات الرجال؟

الهوامش:

فصل من سيرة أحمد المكتفي بذاته
كتابة في 2003، مراجعة في جوان 2013.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق