عجز “المجتمع المدني” أمام المدّ المذهبي / دلال البزري

الوحيدون الذين يتصدّون الآن، بالمال والعتاد والتعبئة، للهجمة المذهبية التي تقودها إيران بواسطة حزبها المعتمد في المنطقة، هم بغالبيتهم الساحقة الإسلاميون العرب، من سلفيين وجهاديين و”إخوان مسلمين”. آخر هذه “المساهمات” أتت من مصر تحديداً، حيث لم نسمع صوتاً مدنياً أو ليبرالياً واحداً يعلو على صوت “العلماء المسلمين” بقيادة الشيخ يوسف قرضاوي، الداعي للتصدي للـ”مدّ الشيعي” في المنطقة عبر دعم السلاح المعادي لبشار الأسد، أو صوت مسؤولي “الاخوان المسلمين” في الدولة المصرية، من بينهم الرئيس محمد مرسي، الذي التقي مع “العلماء” مؤخراً، في خطاب جماهيري حماسي عوّض، ولو إعلامياً، عن شرعيته المهزوزة؛ ما يدل على القاعدة الجماهيرية الاسلامية لهذه الحرب المذهبية.

في لبنان والإمتداد السوري، أو العكس، في سوريا والامتداد اللبناني، لا تختلف الإصطفافات كثيراً: الذين يواجهون “حزب الله” بالتعبئة المذهبية القصوى والردح التاريخي، الذين يتولون أمر المنحى المذهبي الذي انزلقت اليه الثورة السورية، ليسوا غير أطر واحزاب وتجمعات وشخصيات ونجوم (وأسطعهم “الشيخ” أحمد الأسير)، يجمعها كلها انها إسلامية من النوع الأصولي، التي ترى في الأديان وفي المذاهب الأخرى شرّاً مستطيراً، لا يُعالَج إلا بالقضاء على أبنائه؛ أي المنطق نفسه الذي يسير على أساسه نظيرهم الشيعي الأبرز، “حزب الله”، وما استعانته مؤخراً بشعار محاربة “التكفيريين”، إلا إمعاناً في جذب خصومه الى خشبة القتال نفسها.

هذه الطبيعة الجهنمية للصراع الدائر الآن على الأراضي السورية، وبتيرة أقل، الأراضي اللبنانية، هي الطاغية، هي المهيمنة. وقد جرّت الى ملعبها كل شيء تقريباً: الطاقات، التعبئة، اللسان، المقامات… العلماني اليساري جورج صبرا، نائب رئيس الائتلاف المعارض، لم ينجو من هيمنة التيارين المذهبيين المتصارعين؛ تخلى عن لغته الماركسية، برهة بعد معركة القصير، وقال كلاما يليق بشيخ معمَّم، لا يحفل بغير سلامة أبناء مذهب بعينه.

أما أملنا بشيعة معادين لـ”حزب الله”، يخرقون الوحدة الحديدية وغسيل الدماغ اللذين فرضهما الحزب على أبناء الطائفة الشيعية، فلا يخرج عن التصور المذهبي الذي ولّده. قيمته في الحدود الطائفية هذه. لا يرتفع بمفرده هكذا… إلا ليبدو وكأنه رد طائفي على مشروع طائفي. فمن دون إطار يجمع هؤلاء الشيعة الأحرار مع غيرهم من أبناء الطوائف الاخرى، سوف تبقى حدودهم حلزونية وشديدة المحلية، تدور حول نفسها ضمن قطر ضيق، مهما بلغ من “إقليمية”.

من يبقى في الميدان كمرشّح للتصدي لحِمَم البركان المذهبي هذا؟ بديهي، بل مكرّر القول: بأن ما ينتشلنا منه هو “تيار مدني” يضم أبناء المذاهب والطوائف المختلفة في إطار فكري علماني عريض، خارج من توازنات الطوائف وحساباتها، المريبة دائماً. والأكثر بداهة هو الإلتفات الى “المجتمع المدني” اللبناني، بمنظماته وهيئاته، والذي تزخر الشاشة بأنشطته ومؤتمراته وفعالياته. حسناً، فلنلقي نظرة على هذا المجتمع: ماذا نرى؟ أعداد لا تُحصى لهذه الجمعيات. وأعداد أقل في عدد أعضائها. أعمال أو أنشطة، كلها مبهرة، مغطاة إعلامياً بإحكام، ولكنها قصيرة الأجل، عابرة، وذات نتائج صفرية، في الغالبية العظمى من الحالات. إلا جمعيات الإغاثة، والتي تتفوق فيها على كل حال المنظمات الاسلامية ذات القدرات الأوسع، مالياً وتنظيميا وأهلياً.

وهذه الجمعيات “المدنية”، فوق ذلك، تحمل دائماً في بواطنها لغماً ما، يخص الانقسام الوطني الواسع حول سلاح “حزب الله” تحديداً؛ حتى لو كانت “حلّتها” أو “قضاياها” غير طائفية المظهر واللغة. يمكن ان يتسلل اليها “الأهالي”، وهي عبارة اخترعها اللبنانيون ليصفوا المجموعات البشرية “الموالية” التي يتم إنزالها الى الشارع بمشهدية “عفوية” دائماً، من أجل “مطالب” معينة أو إضراب أو تظاهرة أو فعالية أو اعتصام أو قطع طريق، يخدمون هذا أو ذاك من طرفي الانقسام الوطني… بحيث تحوّل “المجتمع المدني” اللبناني إلى وعاء يحتوي على خليط من كل شيء؛ لذلك فهو ملغوم، ملتبس… “مدنيا” كان، أو “أهلياً”، أو حتى حزبياً… لا تطمئن تحركاته، دائما تثير الشك والسؤال (“مين واقف معن هول؟”). لذلك فلا تعجب من أن تكون الجمعيات المدنية في لبنان متضاربة الهوى والأهداف، والفعاليات. ومن الطبيعي، في هذه الحالة، أن لا يحصل بينها تنسيق، أن يصبّ نشاطها وطاقات أعضائها في نهر اللامبالاة.
ولكن ماذا عن الجمعيات “المنسجمة” في ما بينها؟ لما لا تنسق؟ لما هذا النفور بين مسؤوليها وأعضائها؟ هل يكون التمويل وراءه؟ أم “الأنوات” الشخصية؟ أم والولاءات، أو قطب مخفية؟ أم ماذا؟

آخر التعبيرات عن كل هذه السمات، ما يسمى بـ”إنتفاضة البندورة”. عدا طابعها الهزيل الضئيل، وصورتها المضحكة، ضحكة أصحاب المقالب الطفولية، ماذا تفعل هذه الانتفاضة في ظل هذا الأتون؟ غير انها تسلينا، “تفشّ خلقنا” احياناً… تقتضي هذه “الانتفاضة” رمي بندورة على صورة عملاقة مثبتة بالكارتون، تضم صور جميع نواب المجلس الحالي، الذين مدّدوا لأنفسهم؛ إدانة هؤلاء النواب بالبندورة، قد تجذب اليها الأضواء التلفزيونية. ولكن الى حين، إذ لا تتمة لهذا التهريج، ولا تراكم، إنما مجرد بروفة مكرّرة… إلا إذا تفتّق خيال المشرفين على هذه الإنتفاضة بـ”إبتكارات” تجذب اليها الاضواء مجدداً.

“مجتمع مدني” هشّ وضئيل، لا يراكم شيئا؛ لا تقليداً مدنياً ولا تصورات تمكّن المجتمع ضد الغول الطائفي الأبله. وهو لا يتوسع ولا يخترق إلا الشرائح الأقرب الى متناول أعضائه. يصل الى الباقين عبر الشاشة التلفزيونية، التي صارت بالتعريف تشلّ العقل والإرادة. انه “مجتمع مدني” إستنسابي، إعتباطي، رؤساؤه دائما لمدى الحياة ودوائره الضيقة مثل “مجتمع آخر” يعيش خارج الساحة، مع انه يحتل حيزاً منها من وقت لآخر.

لماذا؟ ما الذي جعلنا نؤسس “مجتمعا مدنيا” على هذه الدرجة من التهافت؟

الجواب الذي لا مناص منه أولا: النظام الطائفي، الذي تفوق على النظام التوتاليتاري بوضع بصمته التخريبية على الأفراد والجماعات. مثل النظام الاستبدادي، تمكن النظام الطائفي من إفساد كل شيء تقريبا: من أوسعه، الوطن، الى أضيقه وأعمقه، الجماعات والأفراد. انه بمثابة ضربة قدر على “مجتمعه المدني”، تثابر على تحويله الى مجرّد فولكلور، ربما أفضل من لا شيء… ولكن، مع الوقت، يصير أكثر فولكلوريةً، وأقل تأثيرا، أقل مضموناً؛ فقط فرقعات من هنا وهناك، أقرب الى الرصاص الطائش.

سبب آخر، أو نتيجة، معاً؛ ان “المجتمع المدني” يتناول في غالبية فعالياته أنشطةً وخطباً يبدو وكأنها تتجاهل هذا النظام. باسم شيء ما، “وطنية” أو “سلمية”…. ومجرد تفادي لخصومة ما… تنكبّ منظمات هذا “المجتمع…” على قضايا غاية في الجزئية، لا تقيم بينها وبين طبيعة نظامها السياسي أي رابط…. ما يجعل الفاعلين فيها وكأنهم غرباء عن بيئتهم الواسعة، لا يألفون غير أضيق دوائرها.

في إحصاء إعتباطي وسريع، بوسعنا ان نضع لائحة بأسماء هؤلاء اللبنانيين “المدنيين” الذين لا يدينون لطوائفهم ومرجعياتها بالولاء، ولا لطوائف اخرى؛ والمقصود أناس يجتمعون مع بعضهم حول انتماء وطني لبناني خالص، على أساس المواطنة والدولة والمؤسسات. من دواعي المفاجأة ان هذه اللائحة سوف تضم المئات من الناس، وربما اللآلاف. خارج النشاط “الفايسبوكي” الافتراضي المحموم الذي يدور معظمهم في فلك “لايكاته”، أين هم هؤلاء؟ أين يخبتئون؟ لماذا لا يجتمعون؟

هل لنا ان نتصور لقاء “طليعتهم”، المبادِرة الى جمعهم؟ أول نقطة على جدول الاجتماع سوف تكون: لمن القيادة؟ بالمواربة أو المصارحة أو عبر “العلاقات”، أو بـ”هيبة” الوجاهات… مثل زعماء يتحاصصون. وقد يأخذ هذا النوع من الصراع “التأسيسي”، إذا حصل، أشهراً وربما سنوات…. يكون حينها البركان المذهبي قضى على الأخضر واليابس.

عن جريدة المستقبل البيروتية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق