عشيق الليدي غروب

كان الشقي حزيناً، وكنت أضحك على مهل. أنظر وأتوه في الطريق. لا يهمّني كيف تتبعثر مع الخطوات الحياة. فحين لا تجد شيئاً تفعله تكون كمن خاط ثوباً لنفسه ثم فضّل أن يتصدّق به على ذبابة زرقاء، وظلَّ عارياً يبحث عمّن يعقد له ربطة العنق فوق سرّته باهتمام. 
لا أحد يعرف عمَّ يبحث العنكبوت. كان يتسلق الجدار خلف الصوفا المترنحة بفوضاها تحت النافذة الشرقية قُبالة الباب.
لم ألتفت مرة أخرى. تركته وأسرعت. 
لم أتبيّن على وجهه أثر حضوري المباغت وهو يشير إليّ بحركةٍ يائسة من رأسه بالجلوس خلف السائق.
رفع الصبيّ إليَّ عينيه بنظرةٍ تقاطعَ فيها التعجب والخوف وعدم الفهم. لامس ذراعي مرة واحدة ثم انكفأ مكسوفاً نحو أمه ولم ينطق بحرف.
كنت قطعة من حجر، عاجزاً عن الكلام والإحساس والتفكير.
نسمة غروب هبّت مقهقهة من الشبّاك الذي فتحتُ زجاجه إلى النصف أوصلت الدم المتجمد في شراييني إلى درجة الغليان.
…ثمّ انعقد على المقعد الخلفي خليط من الزعيق والرعب والبكاء.
التصق طفلايَ الصغيران بأمهما: واحد في حضنها مخضّب بدمها السيّال، والآخر، في الرابعة من عمره، يرتعش كلّه مصعوقاً، مخضّباً بالدموع وعيناه مثبّتتان على الثقبين الأحمرين في عنقها وصدغها الأيمن.
نزلت من السيارة التي انحرفت عن طريق “الربوة” الضيِّق وتوقفتْ بقوة تحت صوت الرصاص وضغْطِ يدي اليسرى على عنق السائق من الخلف.
لم أغلق الباب. استدرت من أمام السيّارة بخطوات ثابتة، غيرَ مسرع.
رأيته يقفز من الباب المجاور لسائقه (فقد أصبته في كتفه اليسرى، على كل حال)، منحنياً قليلاً، فارداً ذراعه اليمنى مثل طائر كبير سكران، ربما ليُمسك بيدي ويخدع الموت المصوّب إليه مرة أخرى، أو ربما ليخطف المسدس من يدي بطريقة لم يُتِح له الرعب ورصاصتي الثانية أن يحدِّدها بالضبط.
كانت يد السائق اليمنى ملتصقة بالمقود، يحاول أن يُخفي رأسه باليد الأخرى وهو مندلق من بابه المشقوق قليلاً، جامد كتمثال. كأن رصاصة لم أُطلقْها أصابته.
الرصاصة الأخيرة أطلقتُها في الهواء: تحيةً للاشيء، لعبثٍ يتصاعد دخاناً عديم اللون من جثة متكوِمة عند قدميَّ بلا شكل.
وضعت المسدس على ما كان ظهراً لشيء كان رَجلاً أنيقاً، أسمر البشرة، مكزبر الشعر، يظهر شيء من جلحٍ في أعلى الكتلة المخروطية المقلوبة التي كانت له رأساً متعدد الوظائف والأفكار والرغبات قبل بضع لحظات. 
مرة أخرى لم أتبيّن على وجهه أثر حضوري المباغت…
“لعلّنا كلينا في تلك اللحظة لم نكن نرى أو ندرك أيّ شيء؟” ـ لمعتْ هذه الفكرةُ في خاطري مثل عود ثقاب سرعان ما أطفأتْ وهجَه نسمةُ غروب تتدحرج أمامي على مهل.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This