«عودة زوار الفجر» /وائل عبد الفتاح

«هات ماكينة الكهرباء من تحت يا عسكري.» لم يتخيل الضابط أن يكون رد فعل عبد الرحمن ابن السادسة عشرة على استدعاء إحدى أشهر آلات التعذيب هو الضحك. الضابط محترف مثل غيره في صناعة «أفلام رعب» يومية، وها هم يعودون الى هوايتهم/مهنتهم القديمة بعد توقف لم يدم سوى أشهر بعد 25 يناير.

صناع أفلام الرعب في عودتهم يواجهون دهشة من نوعية جديدة تحول الرعب الى كوميديا متعالية، أو مضافا اليها وعي جديد بأن صناع هذا الرعب جبناء يهربون من مواجهة، وانهم عائدون لانتقام قصير الأجل في مقابل خدمتهم لنظام يستجدي شرطة حماية الاستبداد القديم للدفاع عنه.
دهشة عبد الرحمن بدأت مع وصول زوار الفجر بيته في المطرية (أحد أقدم الأحياء الشعبية في شرق القاهرة).

زوار الفجر، يعرفهم عبد الرحمن من الأفلام، لكنه شاهدهم في عرض حي للمأساة/المسخرة، عندما رن جرس بيته بعد الثالثة فجراً، ليرى من العين السحرية ثلاثة أجساد ضخمة ترتدي ملابس مدنية (ما زال المصريون يقولون في وصفها: ملكي). تصور انهم «حرامية بيتهجموا على البيت»، وهذا ما جعله يحكم إغلاق الباب، وهو ما فهمه الواقفون على الباب بأنه «محاولة هروب». وهنا رأي عبد الرحمن أصحاب البزات السوداء، أو ما يعرف في الشرطة بـ«القوات الخاصة» الذين كسروا الباب وواجهوا آلام برشاش مخدر والشقيقات بالصفعات ورددوا سؤالا واحداً بجنون «أين عبد الرحمن؟».

عبد الرحمن كان راقدا تحت الباب الذي سقط لحظة الاقتحام. وعندما خرجت صوته ضعيفا، «أنا»، تجاوز الضابط دهشته سريعاً وحمله تحت إبطيه كما يحمل كيسا فارغاً.

وفي الشارع كان/ بقية الاستعراض المرعب/المضحك… «تشريفة» سيارات وقوات يرتدي أفرادها بدلات بنية اللون (لون غريب على المعروف من أجهزة الأمن). دقق عبد الرحمن في الزي واكتشف على ذراع كل رجل في الفرقة شعار «قوات مكافحة الارهاب الدولي».

«يا خبر ابيض»، قال عبد الرجمن في سره واطمأن: «بالتأكيد اسمي جاء خطأ وسينتهي الوضع كله لحظة دخولي القسم».

لكن الوضع لم ينته وشاهد عبد الرحمن فيلم الرعب كاملا، من التهديد بتدمير المستقبل الى التحقيق وعيناه تحت غمامة، ويده مربوطة إلى الخلف، مروراً بمحاولة حبسه في سجون طرة والعقرب (وهو أقل من السن ويعتير قانونياً من الأحداث أي صغار السن).

ابن السادسة عشرة سمع صوت الضحايا المعلقة في كل مكان في الاقسام. سمعها وهو يمضي 45 يوماً في دائرة الرعب والعبث هذه بتهمة كاذبة: عضوية «بلاك بلوك». ليس هذا فقط بل هو متهم بتهمة جديدة تماما: «الهيمنة على الاخوان المسلمين للحد من سيطرتها على مقاليد الحكم».

ابتسامة ساخرة ظلت ملتصقة بوجه عبد الرحمن، حتى سألته المذيعة: «والعسكري جاب ماكينة الكهرباء؟». هنا اتسعت الابتسامة وقفزت من العين المهذبة نظرة شر طفولي خفيف: «لا».

شر عبد الرحمن فاضح لصناع أفلام الرعب العائدين من غياهب عصور الظلمات في التعذيب. عادوا عندما احتاجهم الاخوان لترويض أجيال رأت الموت وكسرت الخوف وقلوبها أشجع مما يتخيله العائدون وأفلامهم.

زوار الفجر ضد طفل يمكن أن تحمله مثل الكيس، هذا يعني ان الارداة التي أعادت فرق أفلام الرعب لم تدرك حجم التغيرات في خريطة العواطف (لم يعد الخوف مركز الحياة الآمنة)، وتريد العودة الى الهندسة القديمة متجاهلة أن سكان المدينة يرفضون أن يكونوا مجرد ضحايا محتملين لوحوش التعذيب، ويرفضون الإرادة التي تجعل من قسم البوليس مسلخاً بشرياً.

هناك فارق زمني بين عبد الرحمن وجلاديه. هم في زمن المسالخ يحاولون العودة واقعية منحطة، لا سبيل فيها للتغيير، وعبد الرحمن يشاهدهم مثل شريط ينتظر متى ينتهي، لكنه ربما لا ينتهي، ووقتها سيكون دخول عبد الرحمن التجربة علامة على عودة الضحايا الى مسالخهم.

الإرهابي المعتزل لن يجلس على «التكعيبة»

كأنهم قادمون من رحلة جبلية صعبة. وجوههم مرهقة. وبرغم سنهم الصغيرة إلا أن جلستهم على المقهى تبدو استراحة لإزاحة أثقال كبيرة. يتزايدون يوماً بعد يوم ليرووا لنا حكايات خروجهم من جماعة الاخوان المسلمين.

تتشابه الحكايات أحياناً، ويتحول الانتماء الى الجماعة الى جزء من رابطة العائلة، والمكانة في القرى البعيدة عن القاهرة غالباً. رحلات الخروج تبدأ بالكتب، والإقامة منذ الصغر في مدارات الجماعة. وعوالمها. يحتاجون الى طاقة هائلة نراهم الآن وهم في مرحلة تجميعها.

ينطلقون بحثا عن مدينة غابت عنهم في مقارّ إقامة التنظيم التي تصوروا أنها مدينتهم الافتراضية. يندهشون الى الآن كلما وجدوا كلاما خارج التضاد بين الدين والحياة. يتعجبون من المتيمين بقرءات القرآن ومقاماته، والابتهال وفنونه المبحرة الى جمال لا يهتم بمحمولاته.

يحبون الذهاب الى المقهى. يأتون الى جلستنا في زاوية الشارع الصغير، حيث «التكعيبة» مقهاي المفضل، عالم كامل تنتقل اليه عندما تصل الى الناصية المحفورة في جسد شارع «شامبليون» المثقل بورش تصليح السيارات ومحال الأطعمة الشعبية، ومقارّ إقامة بلطجية وسط البلد المنتظرين عند التقاطعات أو بجوار الاكشاك لأوامر السيطرة على قلب المدينة.

«التكعيبة» هي عالم آخر، فوضى أخرى، كوزموبوليتان شعبي يقوده أحمد ليبتون وريث والده أول من أدخل «الشاي الفتلة» مدينة الشاي «الكشري».

أحمد تخرّج من كلية الحقوق ليستكمل حلم ابيه في ان يكون أولاده وبناته كتيبة قانونية – قضاة ومستشارين ومحامين – أحمد من الكتيبة، لكنه الوحيد الذي أكمل مشروع ابيه في مقهى يمتد ليصنع فضاء تراه منفرا في لحظة اللقاء الاول، لكنه سيدهشك بتنوع الزبائن، مصريين و«خواجات»، مثقفين وصنايعية، رجالاً ونساء، متدينين ومتسكعين خارج الأنساق الفكرية المغلقة. تسمع صخبا لنقاشات كبيرة، ولهو صغار مع أوراق اللعب والدومينو، ووعظاً دينياً، وصوت ناي أو كمنجة أو موهبة جديدة تجرب نفسها في الهواء المفتوح.

يقصد احمد لبتون ان هناك 3 من الشهداء زبائن «التكعيبة»، بينهم سالي زهران أول شهيدة للثورة، وأيقونتها كما كتب والتر ارمبروست عن فتاة لمحتها أكثر من مرة في المقهى، وفوجئت بصورتها على «فايسبوك»، ومع رنة تحاول إبعاد حزن غريب. الرنة تردد بشكل يربطنا بملامح كانت عابرة وثبتت بابتسامتها وشعرها المتمرد الهارب من كريمات التنعيم والقصات الوقورة. الرنة تزداد «شهيدة… شهيدة». أنثى وحيدة في مشهد تسيطر عليه الرجولة وبطولات ذكورية وحس الفرسان أو الأبطال المخلصون في ثنايا وتلافيف ذاكرة محافظة. استسلمت في الأيام الأولى للحظة الجامحة ثم حاولت حصارها برواية نقيضة شككت في وجود سالي في القاهرة. وقتها شككت في أن هذه صورتها ولعبت رغبة العائلة دورا في ظهور صورة لسالي بالحجاب، لتحجب عن «الشهيدة» شهادتها وجموحها وتعيدها الى ركن العائلة المحافظة من صعيد مصر.

والتر ارمبروست لاحق قصة سالي وكشف وجودها في فيديو قديم اسمه «كورال شكاوى القاهرة» تغني فيه شخصيات عادية شكاويها اليومية لتصبح صوتا جماعيا للضحية.

الفيدو عرض في «التاون هاوس»، الغاليري الملاصق للتكعيبة، وبدا لي أن سالي تفلت من محاولات حصارها لتبقى هنا على جدار المدرسة الثانوية حيث بقيت رسمة الغرافيتي برغم كل محاولات الطمس أو الإضافة لفتاة تمسك بخيط طويل في نهايته طيارة لم تكن ورقاً هذه المرة لكنها مقاتلة حربية.

سالي بالنسبة إلي هي هذه الفتاة التي تلهو بالمقاتلة. كما ان وصول الاصدقاء الـ«إكس اخوان» الى هنا في التكعيبة هو في اطار محاولة فتح العالم بعد الخروج من القمقم.

هم ليسوا منشقين أو معتزلين يبحثون عن دور. المعتزل يغادر بندقيته لكنه لا يستطيع الحياة من دونها. ولهذا فمن الطبيعي أن يختار عاصم عبد الماجد وأشباهه دائرة من الكلاشنيكوف شعارا لحركته «الأنصار» تأييدا ودفاعا عن استمرار حكم مرسي، فبدون الكلاشنيكوف لن يستمر، كما ان وجودها ارتبط بوجوده عندما كان الارهاب وسيلتهم للقضاء على كل فضاء مفتوح.

هم يغلقون الفضاء الآن بذكراهم مع الكلاشنيكوف. هم معتزلون أعلنوا توبتهم عن الإرهاب في السجون لكنهم لم يجدوا خارج السجن إلا التهديد بها عنوانا لوجودهم. الكلاشنيكوف أهم منهم، ولهذا فرحلتهم قصيرة من منصة الى منصة ومن كهف الى شاشة تلفزيون ومن كلاشنيكوف في اليد إلى صورته على الحائط. يهددون المدينة وتعددها بكوابيسهم القديمة. عفاريت تثير الشفقة… لن يدخلوا التكعيبة بينما أصدقاؤنا الباحثون عن الحياة ستطير حكاياتهم بجوارنا خفيفة ومثيرة.

عن جريدة السفير

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق