فقه المحال … قراءة نقديّة لكتاب فقه الفضاء

كتاب صغير الحجم، يتكوّن من 109 صفحة، وهو من تأليف السيّد محمّد محمّد صادق الصّدر، المرجع الدّيني المعروف. الكتاب يستعرض الأحكام الفقهيّة الخاصة بالبشر في حال سفرهم إلى الفضاء الخارجي، وكذلك الأحكام الفقهيّة الخاصّة بالتّعامل مع الكائنات الفضائيّة في حال زيارتها الأرض والتقائنا بها.
يبدأ عالم الخيال الذي لا يمتّ إلى الواقع بصلة، منذ المقدّمة التي وضعها الكاتب، ففيها يضع عدّة نقاط يتحدّث فيها عن الفوائد النظريّة والعمليّة للكتاب، ومنها:
“يبرز سعة التصوّر الفقهي من حيث أنّه يعالج كلّ الاحتمالات والموضوعات المتصوّرة ذهنيّاً، مهما كانت. وذلك هو الصّحيح بعد أن ثبت فقهياً أنّه: ما من واقعة إلّا ولها حكم.” ص 7. لا نحتاج إلى بذل جهد كبير في ردّ هذا المبدأ الفقهي الذي جرّ الويلات على المسلمين واستنفذ طاقاتهم طوال “التّاريخ”، فمعنى أنّ لكلّ واقعة حكم، هو عدم قيام المسلم بأيّ فعل إلّا بعد أن يسأل الفقيه أو المرجع الدّيني حول حكم ما ينوي القيام به.
النّقطة الأخرى التي يفترض أنّها من فوائد الكتاب هي: “يبرز إمكان تطبيق الفقه الإسلامي في كلّ الكون سواء على وجه الأرض أو غيره. فليس الإسلام ديناً أرضيّاً بل هو دين سماوي المصدر وسماوي التّطبيق أيضا.” ص8. وهذا يعني أنّ أحكام الفقه ستلاحق المسلم حيثما ذهب في أرجاء الكون الواسع، وهذه العبارة بمثابة تنبيه لكلّ من تسوّل له نفسه أن يظنّ بأنّه سيفلت من الأحكام الفقهيّة التي تتعلق بالاستنجاء من البول أو أحكام الطهارة والنّجاسة الخ.
الفقرة التّالية التي سننقلها يجب أن يتذكّرها القارئ عندما يقرأ كلّ فقرة ننقلها من الكتاب بعد ذلك، وهي: “أنّني حاولت أن لا أذكر عدداً كثيراً من التفريعات التي تحتوي على زيادة في الخيال، أو تكون من قبيل ما يسمى بالخيال العلمي. وإنما اقتصرت على التفريعات والمسائل الأنسب والأقرب إلى الحياة العمليّة، مع ضمها إلى أمور فضائيّة قد لا يطول الزّمان لحصول الإنسان عليها ووصوله إليها.” ص 10. سندع الحكم للقارئ فيما يتعلق بقرب المسائل التي يناقشها السيّد الصدر من الواقع أو إغراقها في الخيال والمواضيع المستحيلة الوجود.
بعد هذا العرض البسيط لرؤية السيد الصدر التي كونها عن كتابه، سنقوم الآن بنقل بعض المقتطفات والاقتباسات التي تعتبر أحكاما فقهيّة مُلزمة بكل ما يمت إلى الفضاء بصلة!
1 ـ الاختلاف بالدّين بين البشر والكائنات الفضائيّة وكيفيّة التعامل معها في هذه الحالة: الفقرة 15 “إذا وجد في بعض الكواكب أو النّجوم مخلوقات عاقلة مالكة لبعض الحاجات المنقولة أو غير المنقولة. فمقتضى الاحتياط صيانة هذه الملكية وعدم سرقتها. إلّا إذا ثبت كونهم غير مسلمين.” ص 15. هذا النصّ كما رأينا يجيز التعدّي على ممتلكات الكائنات الفضائيّة في حال كونهم غير مسلمين! وهناك حكم آخر يتعلق بمجاهدة المخلوقات الفضائيّة في نفس الصّفحة، الفقرة 16 “يجب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر مع أحكامه وتحقيق شروطه مع تلك المخلوقات. فإن الإسلام وأحكامه شامل للكلّ، بل يجب الجهاد بشروطه وأحكامه معهم إن رفضوا. إلّا أنّ مبادرتهم بالقتال تتوقف على إذن من له حق الإذن، وهو الحاكم الشرعي أو المعصوم.”
2 ـ سننقل هنا فقرتين تتعلق إحداهما بالأخرى، ومضمونهما أنّه لا يجوز السّفر إلى الفضاء الخارجي في حال تعذر مع هذا السفر أداء الشرائط الاعتياديّة للصّلاة وغيرها، وحتّى البحث العلمي لا يعد سببا كافيا للقيام بهذا العمل!
الفقرة 13 تنص على: “الأحوط وجوباً عدم الذّهاب اختياراً إلى أي مكان أو كوكب تتعذّر فيه بعض الشّرائط الاعتياديّة للصلاة كالطّهارة والقبلة والوقت …” ص 19.
الفقرة 14 من نفس الصّفحة: “ما أشرنا إليه في المسألة السّابقة لا يكون قصد البحث العلمي والاستقصاء الطبيعي مبرّرا لجوزاه …”
3 ـ في الفقرة التي سننقلها هنا حكم فقهيّ غريب جدّا، وهو يتعلّق بالمصلي في حال كونه خارج المجموعة الشمسيّة وأراد التوجّه إلى القبلة! ماذا يفعل إذا لم يستطع رؤية الأرض أساسا أو حتّى لم يستطع تحديد اتجاه الأرض أو الشمس نظرا للبعد الشّاسع بينه وبين مجرتنا؟ الحكم في هذه المسألة نجده في الفقرة 11 “إذا كان المصلي، خارج المجموعة الشمسيّة، فإن أمكن الاتجاه إلى الأرض، وجب، وإلا كانت القبلة هي الشّمس، مع إمكان الاتجاه إليها، أو تعيين محل تواجدها. فإن لم يمكن ذلك وأمكن الاتجاه إلى الحيز العام للمجموعة الشمسيّة، وجب، وإن لم يمكن ذلك وكان الاتجاه إلى الحيز العام لمجرتنا “درب التبانة” وجب ذلك.” ص 34.
4 ـ لقرون عديدة مضت، عانت المرأة من اضطهاد كبير من قبل الرّجل، ويبدو أنّ هذا الاضطهاد والتقليل من شأنها سيستمر حتى بالنسبة إلى تعاملها مع الكائنات الفضائيّة، فحين يذكر السيّد الصدر مسألة الإمامة في الصّلاة يعطي الحقّ للكائن الفضائي بأن يصبح إماما في الصلاة للبشر في حال امتلك الشروط اللازمة، لكنّه يكمل في فقرة تالية بالقول: الفقرة 4 “من جملة الشرائط عدم جواز إقتداء الرّجل بالمرأة. إذن، فإقتداء رجالنا بنسائهم أو إقتداء رجالهم بنسائنا غير جائز.” ص 51.
5 ـ الفقرة الأخيرة التي سننقلها تتعلق بأحكام الزّواج من المخلوقات الفضائيّة، وهي كالآتي الفقرة 1 “يجوز الزواج بالمخلوقات الأخرى، التي قد تكون موجودة في بعض الأجرام السماويّة، بنفس الشّروط والأحكام الموجودة بين البشر أنفسهم.” ص 91.
نظرا إلى الكم الهائل من الأمور الغريبة التي أوردناها في الفقرات السّابقة فهذه الفقرة ليست غريبة بتاتا، لكن هذه ليست نهاية القصّة، ففي فقرة تالية يقول: الفقرة 3 “لو كان المخلوق في بعض الأجرام من صنف واحد، أو ثلاث أصناف، بحيث لا يصدق على هؤلاء أنّه من صنف الفرد الذي نتحدث عنه [يقصد أنّهم من جنس واحد لا ذكر ولا أنثى] جاز الزّواج منه. وإن لم يكن من الصنف الآخر.” ص 91 و ص 92.
الجدير بالذكر أنّ السيد الصدر لم يناقش المسائل المتعلقة بالفضاء الخارجي فقط، بل ناقش أمورا تقض مضاجع مئات الملايين من البشر وتؤرقهم، مثل الاتجاه الذي نصلي إليه في حال كنا في جوف الكعبة! أو في حال كوننا فوق الكعبة! أو في حال كوننا في طائرة فوق الكعبة بالتّحديد!!! وغير ذلك من الأمور المتعلقة بالطائرات والأقمار الصناعيّة وما الذي يجب أن يفعله الأشخاص المسلمون المتواجدون داخل هذه المركبات التي لم يصنعها المسلمون بالتّأكيد.
مهما يكن من أمر، نقدنا العام للكتاب مبني على محاجة بسيطة جدّا، وهي كالآتي: إنّ الأحكام الفقهية الموجودة في هذا الكتاب لن تصبح أمرا واقعيا أبدا، بل إنّها لا تدخل في حيز الممكن حتّى! وذلك لأنّ التقنية التي توصلنا إلى اختراع مركبات فضائيّة تسير بسرعة الضوء غير موجودة ولا نعلم المقدار اللازم من الزّمان تحديدا لإيجادها، هذا من جهة، أمّا من جهة أخرى، فإنّ الشّخص الذي سيسافر إلى الفضاء لن يكون مؤمنا من الأساس، وفي حال كونه مؤمنا فإنّه إمّا مسيحي أو من دين آخر غير الإسلام، وفي حال كونه مسلما فهو سني المذهب على الأرجح، وإن كان شيعيّا فهو من أتباع ولاية الفقيه في إيران أو من أتباع المرجعيّة الموجودة حاليا في النّجف! أمّا إن تحقّق المحال وكان من أتباع السيد الصدر، فلا نقول أكثر من: ليكن الله في عونه عند تأديته للإحكام الشرعية الواردة في هذا الكتاب.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق