فلننحن لمصر / عقل العويط

لسنا مع حكم العسكر بالطبع. ولن نكون. لكن ما جرى ولا يزال يجري حالياً على مستوى الشعب المصري، وخصوصاً لدى أجياله الشبابية، يرتقي بدون مواربة إلى رتبة اللحظات التاريخية، المحوِّلة في حياة الأمم والدول والشعوب. نقول ذلك، وقد بات عهد “الإخوان المسلمين” في مصر، في يد الأجل السياسي المحتوم، بعد أيام “النزول العظيم”، وما ترتّب عليها من وقائع تَحَضَّر لها الجيش المصري، في كواليس السياسة والأمن والمخابرات وتعقيدات اللعبة الدولية. هل نكون نورّط الأسطورة الأدبية فنقول إن الضغط الشعبي المصري، الديموقراطي، السلمي، المنظَّم، الرافض حكم “الإخوان”، وقد أفضى إلى رحيل الطاغية الإسلاموي، يرتقي إلى رتبة اللحظات الشعرية؟!

لن ننزلق إلى التحليل. لن نستسلم لـ”حكمة” الرأي والرأي المضادّ. لن نقع في متاهة المنطقَين اللذين يتحكّمان بالشارع المصري. فليفعل المحلّلون ما يحلو لهم أن يفعلوه. عندنا، أن ثمة حقيقة ساطعة، كبرى، هائلة، شبيهة بانفجار الضوء، هي حقيقة الرفض والتمرد والثورة المستعادة، الماثلة في معاندة الأمر الإسلاموي الواقع. ثمة ملايين من الشعب المصري بقيت تهدر علناً وجهاراً، في الوجدان الجمعي وفي الشارع، مطالِبةً باسترداد ثورتها المسروقة، قائلةً، بأرقى الوسائل الديموقراطية، إن حكم “الإخوان المسلمين”، ومَن معهم من الظلاميين والسلفيين، ليس هو الحلّ.

يا للعجب! بل يا لسذاجة الأوهام الإسلاموية في السلطة!سنة واحدة في الحكم كانت كافية تماماً لتعرية التجربة الإسلاموية في أعلى الهرم السياسي المصري، ولـ”إنجاز” هذا السقوط الحرّ، بعد خمسة وثمانين عاماً من التحضير “الإخواني” الدؤوب. فكيف ظلّ يتجاسر حاكمٌ مصري إسلاموي على الاستمرار في السلطة، وهو يتدحرج هذا التدحرج العلني، المريع، رافضاً الرضوخ لإرادة هذا البحر الهادر؟

رأينا قبل أيام، فتاتَين مصريتين ترتديان الشورت اللائق في ليل شارع الحمراء، في بيروت، في ترميز ساطع ضد تزمّت الثوب الإسلاموي، كلٌّ منهما تحمل لافتةً تختصر روح المشهد المصري: مرسي أصغر بكتير من مصر. مصر أكبر منّك يا مرسي!

هل من ضرورة إلى أكثر من هذا المَثَل الحقيقي، البسيط والمتواضع والشفّاف، لمعرفة أن مصر هي أكبر من الإسلامويين، ومن الحكّام الإسلامويين، مثلما كانت أكبر من الفراعنة القدامى والجدد، ومن مبارك وطغمته الديكتاتورية الفاسدة؟

يستطيع الحاكم المصري، بل كلّ حاكم، أن يتعامى. أن يتهرّب. أن يخادع. أن يهرب إلى الأمام. يستطيع أن يمالئ شرقاً وغرباً، كما يستطيع أيضاً أن يستنجد بالشبّيحة الإسلامويين، وبالزمر المسلّحة، مهدِّداً بالحرب الأهلية. يستطيع أن يستدرج السطوة العسكرية، مومئاً إلى أن ما جرى ويستمرّ جارياً، إنما يشكّل انقلاباً على الديموقراطية التي جاءت به. يستطيع أن يفعل هذا كلّه، وغيره، بالتأكيد، لكنه لن يستطيع أن يستمر في مصادرة السلطة والاستئثار بها، من طريق “الأخونة”.

نعرف أن ثمة في الدهاليز والكواليس والأقبية، ما قد يدعو إلى التوجّس مرةً أخرى. ثورة 25 يناير التي سُرِقتْ من أيدي الشعب المصري الحالم الحرّ، يجب ألاّ تُسرَق منه مرةً ثانية. نعرف تماماً أن الأمور أشدّ تعقيداً مما يتجلّى على السطح من مكوّنات اللحظة التاريخية الحاسمة. لكن الحقيقة الآن، هي هذه الحقيقة بالذات: “الإخوان المسلمون” ليسوا هم الحلّ في مصر. فكيف بالسلفيين والظلاميين؟!

إذا كان ثمة فعلٌ يليق بالشعب المصري، الآن، ففعلُهُ المجيد أن يسهر على انجاز الاستحقاقات الدستورية المترتّبة على عملية الضغط الديموقراطي المنظّم، بعد خلع الحاكم، كخطوةٍ لا بدّ منها، على طريق تحقيق أحلامه الجوهرية في الحرية والديموقراطية والكرامة، وفي لقمة العيش، على السواء.

وإذا كان ثمة شيءٌ يليق بنا، فأن نهتف مع الشعب المصري، مع “حركة تمرّد”، من خطبة مشهورة للزعيم مصطفى كامل، كلمات الشاعر محمد يونس القاضي، وتلحين سيد درويش: بلادي بلادي بلادي لك حبّي وفؤادي/ مصر يا أمّ البلاد أنتِ غايتي والمراد/ مصر أنت أغلى درّة فوق جبين الدهر غرّة/ يا بلادي عيشي حرّة واسلمي رغم الأعادي/ مصر أولادك كرام أوفياء يرعوا الزمام/ سوف نحظى بالمرام باتحادهم واتحادي.

فلننحنِ أمام هذه اللحظة الحاسمة! فلننحنِ لمصر المحروسة والمتمرّدة!

عن ملحق النهار الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق