فيلما «حنه ارندت» و«الصدمة» .. جدل المسؤولية / ايمان حميدان

في فيلم حنة ارندت ( اخراج مارغريت فون تروتا وبطولة باربرا سيكووا 2012) يسأل كيرك صديق حنة منذ الشباب معاتبا اياها ومنتقدا :«الا تحبين شعبك حنه»؟ فتجيبه حنه قائلة: «شعب…! لا احب شعباً…. احب اصدقاء…. احبك انت…..»

لم يفهم كيرك وهو اليهودي من أصل ألماني، ما أرادت حنة قوله في تلك اللحظة التي تمثل اكثر المشاهد عمقا وتأثيرا في الفيلم. لم يفهم موقف صديقته من محاكمة النازي ايخمان والتي جرت في احد المحاكم الإسرائيلية في تل ابيب عام 1961 بعد ان قام الموساد بخطف ايخمان من الأرجنتين وجلبه الى إسرائيل عام 1960. عدم فهم كيرك لموقف صديقته حنة ارندت ادى به الى حد اتهامها، هي صديقته منذ الشباب، أنها كارهة لليهود أي كارهة لشعبها وبني قومها. لم تغير حقيقة أنها بمجرد علمها بمرضه عام 1962سافرت فورا من نيويورك إلى تل ابيب لتكون الى جانبه، أي شيء في موقفه. تعاطفها الشخصي هذا والذي يشير الى حبها العميق لصديقها القديم لم يغير من موقف كيرك العدائي اتجاهها. لم يشأ فهمها او محاولة مسامحتها رغم انه على فراش المرض تفصل بينه وبين الموت ايام قليلة.

يشعر كيرك اليهودي الالماني الناجي من معسكرات النازية بانتماء كبير الى يهوديته أي الى شعبه وناسه وأهله. هو يرى في ايخمان الموظف في الإدارة الالمانية النازية الذي نفّذ اوامر القيادة العليا بترحيل اليهود الألمان في شاحنات الى معسكرات عدة والذي حوكم في تل ابيب ، يرى فيه نازيا وضد السامية وقاتلا. خلافا له، تعاملت حنة ارندت، كفيلسوفة ومفكّرة، بشكل مختلف تماما ازاء قضية ايخمان واصفة المتهم بأنه شخص بسيط غير قادر على التفكير. نشرت تقريرها حول المحاكمة على خمس حلقات في مجلة النيويوركر والتي صدرت فيما بعد كتابا بعنوان ابتذالية الشر. تقرير ارندت حول المحاكمة أقام الدنيا في الأوساط اليهودية ولم يقعدها واتُهمت انها يهودية كارهة ليهوديتها وانها ما زالت متأثرة بالفيلسوف هايدغر حبيبها السابق وأستاذها في المانيا والذي اظهر تعاطفه مع النازية.

قامت ارندت بتجربتها الفلسفية الفكرية خلال رحلتها تلك الى تل ابيب وحضورها جلسات محاكمة ايخمان اليهودي الالماني الذي تعامل مع النازية. تلك التجربة لم يرها من حولها حتى اقرب الناس اليها سوى خيانة للجماعة وللتاريخ!!

المرأة اليهودية التي بدأت شبابها الباكر بالانضمام الى المنظمة الصهيونية والتي سرعان ما تركتها وابتعدت عن أعضائها وانصرفت إلى دراسة الفلسفة على يد الفيلسوف الالماني هايدغر، لم تشأ الانصياع لرأي الاكثرية خلال محاكمة ايخمان بل أرادت ان تفهم حيثيات الشر وان تفكر في أسباب نزوع الفرد الى ارتكابه. ولقد ساعدت تجربة ارندت في هجرتها الى الولايات المتحدة الاميركية، بعد هروبها من المانيا ثم من فرنسا، والابتعاد عن طغيان رأي الجماعة الواحد والمهيمن، بتكوين رؤية فلسفية برزت في مجمل اعمالها حول الشر والعنف.

رأت اولا في طريقة خطف المتهم من الأرجنتين الى إسرائيل أسلوبا مخابراتيا يشبه المخابرات النازية في تعاملها مع المدنيين اليهود. رأت أيضا انه كان ينفذ أوامر صادرة له من سلطة أعلى منه وان هذا لا يعني انه كان معاديا للسامية. انه منطق صحيح اذا ما قاربناه بتجرد مطلق. إلا ان رأي الأكثرية ليس بالضرورة أن يكون خاضعا للمنطق. ذلك المنطق الذي يرى في تفكير الفرد المجرد إزاء من يسمى بالعدو ومحاولة مقاربته من خارج أطار الاصطفاف الجماعي الواحد، جريمة لا تغتفر. حاولت ارندت في محاضرتها الشهيرة بين طلابها في الجامعة ان تدافع عن نفسها وعن موقفها وان تثبت ما آمنت به وهو ان التفكير عمل نقوم به لوحدنا وليس ضمن اصطفاف شعبي او جماعي، وأضافت « ان تحاول الفهم لا يعني ابدا ان تسامح». حاولت ان تفهم لماذا رجل مثل ايخمان لم يثر على من هو أعلى منه في السلطة بل نفذ الأوامر دون تفكير، لتنهي محاضرتها قائلة ان الشر هو في غياب القدرة على التفكير ، جماعة كانت أم فردا. ان نكون بشرا ننتمي الى الانسانية يعني ان نفكر. الذي ينفذ الشر لا يفكر. انه يتلقى الأوامر. هنا يختفي الانسان ولا يعود موجودا.

غياب قدرة اليهود على التفكير في موقف ارندت جعل منهم اعداء لها في اوروبا وفي اميركا خاصة أنها انتقدت في تقريرها بعض الشخصيات اليهودية التي تعاونت مع النازية خلال الحرب العالمية الثانية.

[

يبدأ فيلم زياد الدويري الاخير «الصدمة» والمقتبسة قصته من رواية لياسمينا خضرة، بعرض مجتمع إسرائيلي مسالم يقدس العلم والنجاح والمهنية عبر قبوله الطبيب الإسرائيلي من أصل عربي امين الجعفري كفرد من أفراده حيث يكافأ على مهنيته وعمله كطبيب. نرى الطبيب يعيش مع زوجته الشابة سهام الجعفري في حي راق من احياء تل ابيب يتكلم العبرية ويقوم بعمليات جراحية لاي كان من الاسرائيليين، ولا نستطيع ان نفرق بينه وبين أي إسرائيلي آخر. مجتمع يوتوبيا بامتياز. هكذا يبدو المجتمع الإسرائيلي. مجتمع إسرائيلي مسالم يصفّق لطبيب عربي صاعد ومرموق ويتعامل معه وكأنه منهم. ولكن بعد عملية انتحارية تقوم بها امرأة ثبت فيما بعد انها سهام زوجة الطبيب، يتحول هذا الطبيب المرموق الى موضع شك واستجواب قاس ومهين من قبل المحقق الإسرائيلي.

لقد انتهى الحلم اليوتوبي!

حينها يبدأ الطبيب العربي الاسرائيلي الناجح امين الجعفري رحلته الى مسقط راسه نابلس وسط عذاب نفسي وحيرة إزاء موقف زوجته التي قامت بعملية انتحارية وسط تل ابييب قتل فيها عدد كبير من الإسرائيليين. أراد الزوج المصدوم ان يفهم كيف يمكن لامراة شابة وجميلة ومرتاحة ماديا هي زوجته، ان تنهي حياتها وتحول جسدها الى قنبلة موقوتة لتفجر نفسها بشبان وأطفال في مطعم في تل ابيب. اراد ان يفهم تحول فكر زوجته وإدراك الأسباب التي دفعتها الى اتخاذ قرار كبير كهذا تسبب بمقتل العشرات من المدنيين.

هي رحلة المعرفة. اراد ان يعرف وان يفهم. الا ان منطق المعرفة وسط صراع مشابه للصراع العربي الاسرائيلي امر صعب بحيث يتحول الفرد «المريد» الى موضع شك ورفض من جميع الاطراف المتخاصمة. هو خائن بنظر اهله. «الحرام مش اللي بيعرفش ابوه…… الحرام اللي ما بيعرفش اصلو !!!»

هذا ما قاله رجل الجامع الذي اصر الطبيب امين الجعفري على مقابلته ليعلم منه أي دور لعبه الشيخ في القرار الذي اتخذته زوجته سهام الجعفري……

عاد امين الجعفري بيدين فارغتين. كأنه يقف على مفترق طرق: ليس هنا وليس هناك لكن بين المكانين. أن تكون بين المكانين تُرفض من الجميع. من أولئك الذين تركتهم وراءك ومن الذين لم تتقدّم كفاية نحوهم وتصير منهم…. او الذين تراجعت عنهم. ذلك المكان المتأرجح هو أكثر المواقع هشاشة. لكنه في نفس الوقت أكثر المواقع حرية. حرية في التفكير واتخاذ القرار. لذا عاد الطبيب الى تل ابيب، رافضا مشاركة صديقته اليهودية بأي معلومات حول تجربته في مسقط رأسه وحول الناس الذين تبنوا عملية سهام الجعفري ولكن لم يرحبوا بحضوره بينهم.

الفيلم الذي اثار زوبعة في العالم العربي بسبب تصويره في اسرائيل، بدا متأرجحا بين نصه الاصلي أي رواية ياسمينه خضرا وبين السيناريو الذي كتبه المخرج بحيث صار من الصعب فهم ماذا أراد قوله، وخاصة ذلك المشهد الذي نرى فيه الطبيب امين الجعفري في الكنيسة بمواجهة الخوري. الاصرار ان الانتحارية هي مسيحية تأثرت بالمجتمع المسلم الذي تشكل عائلة الطبيب جزءا منه، اذن هي متزوجة من مسلم… والاثنان عربيان اسرائيليان يعيشان في بحبوحة…… كلها امور غير مقنعة….. ثم موقف الخوري المشابه لموقف شيخ الجامع وهو يحاول ايصال رسالة لامين الجعفري ان ذلك الحلم اليوتوبي حول السلم العربي الإسرائيلي غير موجود في الواقع بل في رأس الطبيب فقط!

هل هذه كانت رسالة الفيلم؟

قد تكون فعلا هذه رسالة الفيلم، وقد يكون ما أراد الدويري القيام به هو معرفة حقيقة العلاقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين بتجرد مطلق . لكن يبقى السؤال أين هو الحد الفاصل بين التجرد المطلق والرؤية التي تفتقر إلى العمق؟

ما يبقى من الفيلم بعد خروجنا نحن المشاهدين العرب من الصالة، هو بضعة مشاهد لمدينة لم نزرها من قبل. هذه هي تل أبيب إذن!!

أما غير ذلك فيمكن مناقشته. حياد الدويري ملغوم فإذا كانت حنه ارندت تضع المسؤولية على من يفكرون ويتخذون قراراتهم بأنفسهم فإن الدويري يضع المسؤولية على الضحية ويعتبرها وحدها الجانية.

اراد الدويري القيام بعمل مغاير وجريء وجديد. وهو صرح في احدى مقابلاته انه اراد التخلص من اتيكيت المخرج «الملتزم» التي الصقوها به بعد فيلمه الشهير «غرب بيروت»، ويضيف انه لا يحتملها. قد يكون صحيحا أيضا ما قاله زياد الدويري في احد مقابلاته في الصحاقة القرنسية ان لبنان بلد لا يفرّق بين الفن والسياسة، وذلك عقب منع الأمن العام اللبناني عرض فيلمه. لكن باستطاعتنا تعميم هذا الأمر على معظم بلدان العالم، إن لم نقل وللاسف كلها، حيث من الصعب ايجاد بلد يفرّق بالفعل وليس بالبروباغاندا بين الفن والسياسة، بمن فيها الولايات المتحدة الاميركية والتي دخل زياد الدويري الى اسرائيل بوثيقة سفر تحمل اسمها وختمها. لا يسعنا هنا الا ان نذكر فيلم روبرت ردفورد الاخير The company you keep (الصحبة التي تبقيها) والاستقبال الفاتر الذي لقيه من الوسائل الإعلامية والأقلام الفنية المسيطرة، لأن الفيلم يحكي قصة اليسار الأميركي المتطرف في السبعينيات ووقوفه ضد المجازر الأميركية في فيتنام، وملاحقة أجهزة المخابرات الأميركية لبعض أفراده في تسعينات أميركا من القرن الماضي. هذا الفيلم الجيد إخراجا وتمثيلا لم يجد أبواب الصحافة الهوليوودية مفتوحة على مصراعيها له، ليس لكونه فيلـــما رديـــئا بل لأســـباب محـــض سياسية!

ما نتمناه أن يكون الاستقبال العالمي لفيلم الدويري قد حدث خارج تلك الحسابات السياسية التي تُنجح فيلما وتُسقط آخر.

عن ملحق السفير الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This