في إشكالية الدين والدولة من جديد / كرم الحلو

إشكالية الدين والدولة من الإشكاليات التاريخية الأكثر إرباكاً للفكر العربي الحديث. طرحت مع الرعيل الأول من نهضويي القرن التاسع عشر احمد فارس الشدياق، بطرس البستاني، فرنسيس المراش، فرح انطون، محمد عبده ومع الرعيل الثاني من النهضويين جبران خليل جبران، أمين الريحاني، انطون سعاده وسواهم. وتتخذ هذه الإشكالية الآن منحى أكثر تعقيداً بعد ان أفضت «الثورات» العربية إلى تشكيل مشهد سياسي جديد، تمثل فيه الحركات الإسلامية موقع القوة القائدة، ويفرض فيه برنامجها السياسي شكلاً حاداً من الاقتران بين الدين والدولة، بين الشريعة والحياة، بينما تعرب القوى العلمانية عن أعلى صور المخاوف من الاستثمار السياسي للدين والمقدس، من اجل حيازة السلطة والانفراد بها.

في هذا الظرف التاريخي بالذات، يطرح «الدين والدولة في الوطن العربي» مجموعة باحثين، مركز دراسات الوحدة العربية 2013 مسألة الدين والدولة طرحاً عقلانياً رصيناً، في وقت باتت فيه هذه المسألة قنبلة موقوتة في مجتمعاتنا السياسية، يهدد انفجارها الاستقرار والوحدة الوطنية.

إن ربط الدين بالحركات الإسلامية أو حسبانها تمثيلاً له، يقترف في نظر المؤلفين خطأً مضاعفاً، فهو يكل إلى هذه الحركات دوراً اكليريكياً ليس من الإسلام وتعاليمه، ويتجاهل في الوقت نفسه ان هذه الحركات حركات سياسية ذات مطالب دنيوية، تسخّر مفردات الدين لأغراض سياسية في ظروف يغلب عليها ادّعاء المعصومية والحدة في الرأي وتخطئة الخصم.

في رأي المؤلفين، ليس هناك تشريع قرآني للمسألة السياسية، وليس فيه إلزام للمسلمين بنظام حكم بعينه، إنما ترك لهم اختيار نظامهم السياسي بأنفسهم. أما إذا قصدنا بالدين الناطقين باسمه من نخب فقهية وعلمائية، فإن هذه توزعت مذاهب وشيعاً وفرقاً خطّأ بعضها بعضاً، ولم يكن رأيها واحداً في السياسة والدولة. وما فعله الفقهاء اجتهاد محدود بظروف عصرهم، لا يمكن ان نتمسك به اليوم وكأنه مقدس متعال، ولا يمنع العقل الإسلامي المعاصر من ان ينفتح على قراءة أخرى في ضوء المعرفة والمفاهيم والمناهج المعاصرة. ومن هنا فإن الدعوة إلى تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية ليس في حقيقة أمره سوى تطبيق لتأويل من تأويلات الشريعة، يخلو من أية معصومية.

إن أفضل العلاقات بين الدين والدولة هي تلك التي تحفظ تمايزهما، فلا تدع مجالا للتداخل بين الزمني والديني على نحو يفرض فيه أي منهما وصايته على الآخر. فقد جر تدخل رجال الدين في السياسة كوارث على المجتمعات، كما جر تدخل الدولة في الدين الكوارث عينـــها. ان مجال الدين يتصل بعالم المطلق، بينما مجـــال الدولة هو المصالح الدنيوية المتغـــيرة التي تتـــصل بعالم النسبي، ومن يخلط بـــين المجالـــين «يعتـــدي» على الدين والدولـــة مـــعاً، يرفـــع النســـبي إلى مرتبة المطلق، ويهبـــط بالمطلـــق إلى مستوى النسبي.

يشهد الجدال في الدين والدولة في المجتمعات العربية اليوم انحرافين خطيرين، أولهما رفع مجال السياسة والدولة إلى مستوى المتعالي، على نحو تصبح معه أداة من أدوات الدين، وهو ما رفضه علماء الإسلام المتمسكون باستقلال العلم الديني عن السياسة. وثاني هذين الانحرافين تحويل العلمانية من حياد سياسي تجاه الأديان إلى موقف معاد للدين يمكن وصفه بـ«العلمانوية». ومن سوء الصدف ان معظم العلمانيين العرب تأثر بالعلمانية اليعقوبية، الفرنسية أو السوفياتية الاشتراكية، وكلاهما لا تختلفان في موقفهما المناهض للدين.

هل في وسع الإسلام العربي اليوم ان يتصالح مع العلمانية ويقبل بها قاعدة للدولة والحكم، ويتوقف عن الخلط غير المشروع بين الدولة والدين؟ هل يسع الحركات الإسلامية العربية ان تسلك نهج «حزب العدالة والتنمية» التركي في موقفه المتصالح مع العلمانية؟

في رأي المؤلفين، إن الحركات الإسلامية في العالم العربي، ليست جاهزة بعد للسير في هذا الاتجاه، نظراً للتفاوت في مستوى الاستعدادات الذهنية والثقافية، ولا شك ان تصوراً من هذا النوع رهن بترسّخ قيم الحداثة السياسية في الدولة.

في هذا السياق رأى عبد الإله بلقزيز ان ثمة نوعين من تدخل الدولة في الدين في البلدان العربية: تمثل الأول في استغلال الدين سياسياً، بينما تمثل الثاني في تهميش الدين وإقصائه. ساد الأول في السعودية والمغرب والسودان والى حد ما في مصر.
في السعودية الملك ليس إماماً، فالدولة السعودية قامت منذ النشأة على التحالف بين الأسرة الحاكمة والحركة الوهابية، لكن التماهي بين الديني والزمني لم يحصل في شخص الملك كما في المغرب حيث اجتمعت في هذا الشخص السلطتان الدينية والزمنية، إلا أن الدولة المغربية لم تأخذ طابعاً دينياً في أي من مراحلها التاريخية. وقد جهد النميري في السودان لفرض أحكام الشريعة الإسلامية وتطبيق الحدود، الأمر الذي أدى إلى خراب الكيان السوداني، وإرهاق الدولة والمجتمع وصولاً إلى الانفصال المشؤوم. أما في مصر فاستمرت الدولة في استغلال الدين في الصراع مع المعارضة، مستثمرة مكانة الأزهر المرجعية في العالم الإسلامي، الأمر الذي أسس للحساسيات الدينية بين المسلمين والأقباط. وفي تونس شكل الاقتداء بالعلمانوية الفرنسية نموذجاً للنمط الإقصائي في علاقـــة الدولـــة بالدين.

الإسلام الحزبي في العالم العربي نجح في منافسة الدولة على استثمار رأس المال الديني في الحياة السياسية في أوضاع اجتماعية بالغة السوء والاهتراء، وفي ظل إخفاق ذريع منيت به المؤسسة الدينية الرسمية. فهل ثمة أفق لأن تنتهي مسألة الدين والدولة نهاية صحية تؤمن سلامة الدين والدولة على السواء؟

من باب التفاؤل المفرط القول إن ذلك ممكن في المدى المنظور، وفي انتظاره لا بد من قواعد عامة تحكم العمل السياسي منها:

أ ـ من حق أية حركة سياسية استلهام الدين في مشروعها السياسي، شرط ان ينظر إليه بوصفه اجتهاداً.

ب ـ التشديد على الطابع المدني لكل تكوين حزبي من اجل حفظ الفارق في الطبيعة بين الدين والسياسة.

ج ـ احترام الطابع المدني للدولة وعدم الاستقواء بميزان القوى الانتخابي لتغيير هويتها.

د ـ احترام تداول السلطة وعدم الإخلال به.

لكن لا بد من تمرين تاريخي على نظام الدولة الحديثة من هذا المدخل. قد يستغرق ذلك وقتاً، لكنه التمرين الذي لا مهرب منه كي ينشأ عندنا مجال سياسي حديث تستقيم معه العلاقة بين الدين والدولة.

نرى أخيراً ان الكتاب أفلح في تسليط الضوء على إشكالية الدين والدولة طارحاً كل الالتباسات التي ساورتها والتناقضات التي أحاطت بها، بما يسهم في بلورة خطاب سياسي عربي أكثر عقلانية. الا اننا نأخذ على الكتاب تميزه بالتسرع والاستعجال والاستعادة، فضلاً عن انه لا يشكل إضافة كبرى إلى الفكر العلماني العربي، ويبقى بشكل عام دون ذلك الفكر إسهاماً. ولا بد من التنبيه كذلك إلى ان العلمانوية الإقصائية المعادية للدين غريبة باستثناء قلة ضئيلة عن فكرنا العربي الحديث، خلافاً لتصور بعض المؤلفين، اذ ان جُل ما رمى إليه العلمانيون العرب من فارس الشدياق وبطرس البستاني وفرنسيس المراش إلى جبران خليل جبران وأمين الريحاني وانطون سعاده وعلي عبد الرازق، مروراً بفرح انطون وأديب اسحق، هو فصل السياسة عن الدين وعدم استغلاله لأغراض سياسية، وليس إقصاء الدين بالكامل.

عن جريدة السفير البيروتية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق