في الذكرى الأولى لوفاة غسان تويني: هاجسُهُ بناء الدولة الحديثة في لبنان / مسعود ضاهر

ولد غسان تويني عام 1926، عام إعلان الدستور والجمهورية اللبنانية في عهد الإنتداب الفرنسي. آنذاك، كانت الصحافة الحرة في لبنان الكبير تخوض معركة شرسة في مواجهة رقابة صارمة تبدأ بمقص الرقيب، وصولا إلى ما تفرضه عدالة سلطات الانتداب وجيشها السنغالي من إدخال عشرات الصحافيين إلى السجن، وتعطيل الصحف المعادية للفرنسيين لفترات تطول أو تقصر وفق مصالح سلطات الانتداب.

كان المفوض السامي مطلق الصلاحيات، يتحكم بمصير اللبنانيين، وبدستورهم الفرنسي الملبنن، وبجمهوريتهم الحديثة الولادة. وقد وصف أدمون رباط تلك المرحلة المفصلية من تاريخ لبنان المعاصر بقوله: “لم يكن الدستور اللبناني من صنع اللبنانيين، لا بنصه الفرنسي ولا العربي الركيك، خاصة أن المجلس النيابي في ذلك الحين كان يضم أدباء كبارا بين أعضائه كالشيخ يوسف الخازن، والشيخ إبرهيم المنذر، وشبل دموس وغيرهم”.

مع ذلك، حمل الدستور اللبناني بصمات الدساتير الفرنسية السابقة بمشاركة محدودة من اللبنانيين وبشكل خاص من ميشال شيحا. وتضمن في بعض بنوده مبادئ الثورة الفرنسية الكبرى لعام 1789 في مجال ضمان الحريات الفردية والعامة، كحرية المعتقد، وإبداء الرأي، والنشر، وضمان حرية التعليم، وحرمة المنزل. بالإضافة إلى مبادئ الديموقراطية العامة، كالمواطنة، والانتخابات الحرة، والتناوب على السلطة، وغيرها.

بيد أن إدارة الانتداب وضعت في صلب الدستور اللبناني مواد خاصة جعلته أسير مزاج المفوض بصفته الضامن الأول لمصالح فرنسا وحماية شركاتها الإحتكارية في مناطق انتدابها. لذا وصف إسكندر رياشي تلك المرحلة بأسلوبه الساخر، بقوله: “كان مصير جمهوريتنا متوقفا على كلمة واحدة تنطلق من شفاه الديكتاتور الفرنسي الذي اسمه المفوض السامي… نمسي ولنا رئيس جمهورية ومجلس نواب ومجلس شيوخ، فإذا أصبحنا نجد أن كل شيء قد ألغي أو أوقف حتى إشعار آخر”.

في المقابل، تبنى أحرار اللبنانيين المواد الإيجابية في الدستور، فدعوا إلى حمايته، وشكلوا الكتلة الدستورية، وطالبوا بإقامة نظام جمهوري على الأسس الديموقراطية التي ضمنها الدستور، وبناء دولة القانون والمؤسسات، والتصدي لتدابير المفوض السامي التعسفية بعدما أمعن في تعطيل الدستور، وتعليقه وتعديله طوال مرحلة الانتداب.

كان جبران تويني إلى جانب يوسف إبرهيم يزبك، وفؤاد الشمالي، وميشال زكور، ويوسف الخازن، وأنطون سعاده، ورياض الصلح، وبشارة الخوري، وكميل شمعون، في طليعة القوى المتنورة من اللبنانيين الذين تصدوا لسياسة الانتداب الفرنسي وأسسوا أحزابا علمانية لا طائفية، ونادوا بالاستقلال التام وإنهاء عهد الانتداب.

توزعت القوى السياسية في تلك الفترة بين الكتلتين الوطنية والدستورية، وشكلت ظروف الحرب العالمية الثانية وانقسام الفرنسيين بين أحرار وفيشيين، فرصة تاريخية افاد منها اللبنانيون لنيل استقلالهم السياسي عام 1943.

في هذه الأجواء النضالية لبناء دولة عصرية جامعة في لبنان، ترعرع غسان تويني في أحضان نخب وطنية لبنانية غلبت مصالح الوطن على المصالح الشخصية الضيقة. وتابع عن كثب معركتي الاستقلال والجلاء اللتين حفلتا بتضامن وطني حقيقي قل نظيره بين اللبنانيين في ظروف سابقة. وأكمل دراساته الأكاديمية وتعرف إلى مصادر الثقافات العالمية بلغاتها الأصلية ومصادرها العالمية. وتثقف في أرقى جامعات الغرب، ثم عاد ليمارس عمله في “النهار” بعد وفاة والده، جبران تويني، الذي مارس الصحافة والديبلوماسية والسياسية بفكر متنور وكفاءة عالية.

توقع اللبنانيون قيام دولة عصرية في عهد الاستقلال، بعدما تسلمت مقاليد السلطة شخصيات لبنانية بارزة ذات حضور وطني فاعل، وتحظى باحترام كبير لدى اللبنانيين، منهم بشارة الخوري، ورياض الصلح، وعبد الحميد كرامي، وفيليب تقلا، وفؤاد شهاب، وحميد فرنجية، وشارل مالك، وعادل عسيران، ومجيد ارسلان، وحبيب أبو شهلا، وكمال جنبلاط، ورشيد كرامي، وريمون إده، وغيرهم. وعرف لبنان نخبة اقتصادية ومالية متنورة من أمثال غبريال منسى، وموريس الجميل، وجورج حكيم، وبيار اده. لكن ممارسة قادة الاستقلال للسلطة على خلفية الميثاق الوطني لدولة الطوائف المتعايشة على أرض واحدة جاءت مخيبة لآمال جميع المتنورين اللبنانيين، فدبّ الفساد في مؤسسات الدولة الاستقلالية على نطاق واسع، واستعاد رجال الاستقلال تقاليد الانتداب الفرنسي في تزوير انتخابات 1947 الشهيرة، وتعديل الدستور بهدف التمديد لرئيس الجمهورية، وإعدام انطون سعاده بتوجيهات سورية، واغتيال رياض الصلح بتدبير بريطاني.

أصيب غسان تويني والمتنورون من أبناء جيله بخيبة أمل من ممارسات السياسيين اللبنانيين الذين تجاهلوا مفهوم الاستقلال وتنكروا لشعاراته، فشارك بحماسة كبيرة في السياسة نائبا ثم وزيرا، ولاحقا في العمل الديبلوماسي، وكان هاجسه، إلى جانب رفاقه من الديموقراطيين والليبيراليين والعلمانيين اللبنانيين تصويب مسار الدولة وبناء مؤسساتها على أسس سليمة. انحاز إلى جانب التيار العلماني من دون أن يتخلى عن إيمانه الأرثوذكسي العميق لأن المسيحية المشرقية شكلت حاضنة جامعة، ولا تزال عميقة الجذور في تراب المشرق العربي لأنها لم ترتبط يوما بأي مشروع غربي ظاهره الدفاع عن حقوق الأقليات الدينية في بلاد الشام وباطنه دعم إسرائيل غير المحدود لإقتلاع المسيحية من هذه المنطقة.

تميز تويني بكتابة المقالة الصحافية المشبعة بالثقافة المعمقة. فكان أسلوبه يجاري كبار رواد الصحافة الثقافية في العالم. وتمسك على الدوام بالكلمة الحرة الجريئة، فكان له دور بارز في إبقاء شعلة الحرية متوقدة في الصحافة اللبنانية والعربية. وكانت له مواقف صلبة في مواجهة أنظمة القمع والإستبداد على امتداد الوطن العربي.

بقي متمسكا بالتراث العربي المشرقي في لبنان وفي جميع مناطق بلاد الشام. وانخرط مع رفاق دربه الكثر من قوميين وعلمانيين واشتراكيين وليبيراليين في معركة التصدي لدولة الفساد والإفساد التي ورثت سلبيات كثيرة من المرحلتين العثمانية والفرنسية وأضافت إليها ممارسات أكثر سوءا عما كانت عليه في مطلع الاستقلال. شارك في الثورة البيضاء التي أسقطت الشيخ بشارة الخوري وبقي منحازا طوال أيام حياته إلى جانب قوى التغيير الجذري، وبناء دولة القانون والمؤسسات على أسس عقلانية متنورة، وعلمانية غير ملحدة.

دفاعا عن الديموقراطية والدولة اللبنانية العادلة

انخرطت النخب السياسية والثقافية والاقتصادية اللبنانية المتنورة في مواجهة التحولات السلبية للنظام الطائفي اللبناني الذي وصفه ميشال شيحا بقوله: “الديموقراطية اللبنانية ليست سوى ديكتاتورية مقنعة”.

لكن غسان تويني بقي على اقتناع ثابت بأن اللبنانيين المختلفين يشكلون مجتمعا موحدا بتنوع طوائفه. وكتب مرارا أن من أول واجباتهم العمل المشترك لبناء دولة ديموقراطية عصرية لحماية التعددية والتنوع في لبنان. فقد خبر السياسة نائبا، ووزيرا، وديبلوماسيا، واستمر طوال حياته إلى جانب قوى التغيير، سواء من موقع السلطة أو المعارضة. وخرج من ممارسته السلطة بانطباع أساسي أن المسؤولين اللبنانيين افسدوا الدولة إلى درجة أفقدت اللبنانيين ثقتهم بها، فباتت دولة هشة يقودها زعماء الطوائف والمال والميليشيات، ولا تحترم مبادئ الديموقراطية، وحقوق الإنسان، والحريات العامة والخاصة. وتعرض شخصيا للسجن بسبب مواقفه الشاجبة لفساد الدولة بعدما عبّر عنها بسلسلة من المقالات الانتقادية في جريدة “النهار”، طاولت بالنقد مواقف الأنظمة الديكتاتورية والتسلطية في الوطن العربي.

بعد انفجار الحرب الأهلية في لبنان، عمل غسان تويني على وقف دورة العنف بين اللبنانيين خصوصاً بعدما تحولوا في حروبهم العبثية مجرد أدوات في حروب الآخرين على أرض لبنان. له مواقف ريادية في “النهار”، وعلى المنابر المحلية والعربية، توّجها بخطابه الشهير من على منبر الأمم المتحدة حيث قال: “اتركوا شعبي يعيش”، ضمّنه انتقادات لاذعة لمواقف المنظمة الدولية تجاه لبنان. وأطلق في وجه المجتمع الدولي صرخة استنكار شديدة اللهجة. فقد وقفت الأمم المتحدة عاجزة عن ردع إسرائيل من احتلال بيروت، ومنعها من تدميرها بعد حصار همجي وقصف متواصل طوال ثلاثة أشهر. جاء في صرخته المدوية: “مرة أخرى، باسم لبنان، أقول هنا للعالم أتركوا شعبي يعيش. دعونا نحصل على السلام والأمن وإعادة الثقة بالإنسانية وفي نظام عالمي أفضل”. نشر لاحقا كتابا بعنوان معبّر، “حرب من اجل الآخرين”، تضمن نقدا قاسيا لمواقف القوى والأحزاب السياسية في لبنان التي هددت بقاءه ومصير شعبه. كان غسان تويني عروبيا من دون أن يتبنى الشعارات العروبية ذات التوجه الإيديولوجي الدوغمائي. في الوقت عينه، كان مؤمنا ببقاء لبنان وطنا موحدا حرا مستقلا. وقد حذر من استغلال الشعارات الإيديولوجية، لبنانية طائفية أكانت أم قومية أم عروبية أم إسلامية أصولية، لكسب مواقع لها في لبنان على حساب مصالح اللبنانيين. وأدان بشدة حروب إسرائيل على فلسطين ولبنان ودول عربية أخرى. وندد بسياسات أنظمة عربية ديكتاتورية تعتبر لبنان واحة للمتعة أو ساحة للصراع في ما بينها.

واجه العنف بكل أشكاله، سواء من اللبنانيين أنفسهم في مواجهة بعضهم للبعض الاخر، أو في مواجهة العرب الذين يستخدمون لبنان ساحة لصراعاتهم التناحرية، أو في مواجهة إسرائيل ذات الأطماع المعلنة للسيطرة على لبنان ضمن مشروعها الممتد بين الفرات والنيل. وطالب الأمم المتحدة المتحدة مرارا بوقف دورة العنف المستمرة في لبنان وحماية هذا الوطن الصغير من العابثين بوجوده ومستقبل شعبه.

عايش تويني سلسلة أحداث مصيرية في تاريخ لبنان والعالم العربي، أفضت إلى نوع من الاحباط لدى عدد كبير من المتنورين اللبنانيين والعرب. فمن قرار تقسيم فلسطين عام 1947، إلى ثورة 1958، إلى هزيمة 1967، إلى حرب لبنان المستمرة منذ 1975، إلى احتلال إسرائيل لجنوب لبنان 1978 ثم احتلالها لنصف الأراضي اللبنانية وضمنها العاصمة بيروت، في زمن “الاجتياح الكبير” عام 1982 الذي سمّاه غسان تويني “بدء سقوط المنظمة الدولية”، إلى “عناقيد الغضب” عام 1996 التي تسببت ليس فقط بحريق لبنان في قانا بل حريق الأمم المتحدة في لبنان وفق وصفه، وصولا إلى تحرير لبنان عام 2000 ومحاولة إسرائيل الانتقام لهزيمتها في لبنان عام 2006.

تحولت الإحباطات، الشخصية منها والعامة، إلى نكبة لبنانية عربية شاملة على مختلف الصعد، فاستدرجت التدخل السوري إلى لبنان، والاحتلال الإسرائيلي لأجزاء واسعة من أراضيه من ضمنها العاصمة بيروت، وسقوط الأمم المتحدة بعد عجزها عن مواجهة مشاريع الإستيطان الصهيوني، وخسارة أجزاء كبيرة من فلسطين من طريق مفاوضات مجحفة فرّطت بحقوق الشعب الفلسطيني.

أكد غسان تويني مرارا أن الأمم المتحدة باتت منظمة مشلولة الإرادة في مواجهة إسرائيل، وعاجزة عن القيام بأي مشروع تنموي، لكنه بقي يأمل بتغيير بنيتها التنظيمة، وتبديل المسؤولين عن إدارتها بحيث تتسلم زمام الأمور فيها شخصية قوية قادرة على إنقاذها من الوصاية الأميركية الحامية دوما لتعديات إسرائيل على فلسطين والدول المجاورة لها، خصوصاً لبنان نظرا لدولته الرخوة والنزاعات الداخلية بين زعماء الطوائف فيه. ودعا إلى المحافظة على الأمم المتحدة كمنبر حر للحوار بين الدول والمنظمات الدولية من دون أن يعلق آمالا كبيرة على دورها في حماية لبنان، أو المشاركة في التنمية البشرية والاقتصادية المستدامة في الدول الفقيرة والنامية.

رؤية مستقبلية لبناء الدولة الحديثة في لبنان

بعدما خبر السياسة اللبنانية جيدا، كان غسان تويني من الرواد الأوائل في لبنان الذين حذروا اللبنانيين من أن الصراع المحتدم بين زعماء الطوائف والمال والسياسة في لبنان يقود الوطن الصغير إلى فراغ في السلطة على جميع المستويات. ومن خلال ثقافته الموسوعية بتاريخ لبنان والعالم، وخبرته المديدة في العمل الثقافي والسياسي والإعلامي، استخلص بعض الحقائق الثابتة التي تنم عن خبرة عميقة بمشكلات بناء الدول الديموقراطية العصرية في لبنان.

أ‌- لبنان اليوم بحاجة إلى نوع جديد من رجال السياسية الأكفاء الذي يحاربون الظلم والفقر والأمية والبطالة، وكل أشكال التعصب الديني أو العرقي، والدوغمائية الحزبية وخطابها الخشبي. وعليهم ألا يتجاهلوا القيم الأخلاقية والانسانية، وحق الناس في الإختلاف الذي ضمن للبنان موقعا متقدما بين دول الشرق الأوسط كوطن حر موحد، ونموذج للعيش الانساني المشترك قل نظيره في العالم كله.
ب‌-
ب- لبنان اليوم بحاجة إلى رجال دولة من القيادات الشابة التي نجحت في اكتساب العلوم العصرية من مصادرها وبلغاته الأصلية، والخبرة الجيدة في ممارسة الأعمال المالية، أو الاقتصادية، أو الثقافية، أو الإدارية، ولديها برامج عصرية وعقلانية لمحاربة الجهل والفساد والتعصب التي تهدد ركائز المجتمع اللبناني. على أن يكون هاجسهم الأول بقاء لبنان وطنا حرا مستقلا، تقوده دولة غير منقوصة السيادة.
ج- لبنان اليوم بحاجة إلى دولة مركزية قوية بتضامن أبنائها. فقد دلت تظاهرات الشباب اللبناني المطالبة بسقوط النظام الطائفي على رغبة الشعب اللبناني بالتحرر من هذا النظام الذي ألحق باللبنانيين نكبات متتالية في ظل قيادات طائفية مستبدة تتعامل معهم كرعايا ومحازبين وليس كمواطنين أحرار في دولة ديموقراطية حرة.

د- دعا غسان تويني اللبنانيين إلى نبذ العنف الداخلي بوعي وطني ومسؤولية جماعية لإرساء قواعد ثابتة للعيش المشترك والسلم الأهلي الدائم. فالسلام في لبنان ليس مجرد توافق سياسي مرحلي بل خيار استراتيجي ومصيري لوقف انهيار الدولة تحت وطأة استخدام السلاح في غير مكانه الصحيح بمواجهة العدو الإسرائيلي، ومحاربة فساد الطبقة السياسية المهيمنة على مستقبل أجيال متعاقبة من اللبنانيين. وأكد مرارا أن الوحدة الوطنية على أسس علمانية جامعة هي المدخل الوحيد لقيام نهضة حقيقية تبنى على الحرية والديموقراطية، وتعيد لبيروت دورها التاريخي كطليعة لنظام عربي جديد ينبني على الديموقراطية والتعددية والتنوع. وعلى رغم النكبات التي حلت بلبنان، لا يزال المتنورون اللبنانيون يشددون على أهمية الثقافة العقلانية العلمانية لبناء مجتمع المعرفة القادر على مواجهة النظم التسلطية الحاكمة، والقوى الظلامية التكفيرية، وتحديات ثقافة العولمة.

رؤية مستقبلية لأزمة الشرق الأوسط

عاش تويني شاهدا على قرابة قرن عربي لم يحمل سوى القليل من المكاسب والكثير من المآسي والنكبات. تنشق هواء الحرية يافعا، وبشر بها في كتاباته المسندة إلى ثقافة عصرية موسوعية، ورؤية سياسية صائبة.

ترعرع في بيروت، المدينة اللبنانية العربية الكوسموبوليتية التي احتضنت التنوع السكاني، والتعددية الثقافية واللغوية في لبنان، وكل ما هو عقلاني في الثقافة العربية، فأسست لتجربة العيش المشترك في زمن هيمنة الصراعات الطائفية والقبلية والأنظمة التسلطية العربية.

كانت بيروت قبل الحرب الأهلية نموذجا فريدا في الشرق الأوسط. حضنت التعددية الثقافية وجعلتها مصدر غنى ثقافي وفني يوم كانت معظم العواصم العربية الأخرى تتخوف منها وتعتبرها مصدر خطر على وحدة المجتمع في دول توتاليتارية قمعية لا تحترم الديموقراطية، والحرية، وحقوق الإنسان. خاف من اغتيال بيروت لأن زوال نموذجها الفريد يؤدي إلى اغتيال لبنان. ودعا إلى دفن الأحقاد وتقاليد الثأر خوفا من أن تتحول المصيبة الشخصية لدى اللبنانيين إلى كارثة وطنية ووجودية شاملة. كان على اقتناع تام بأن العنف لا يحمي لبنان بل يدمره من الداخل، وطالب اللبنانيين بأن تكون لديهم الجرأة والشجاعة لرفض كل أشكاله. فمن العار عليهم أن يراق الدم اللبناني على أرض لبنان وبأيدي اللبنانيين أنفسهم.

غاب غسان تويني بعدما انتشرت رائحة الموت على ضفاف دجلة والفرات، ووادي النيل. وتنكرت أنظمة الانتفاضات الشعبية لأحلام الشباب العربي الذين أصروا على متابعة المواجهة مهما بلغت التضحيات. ودفن العرب حاضرهم في براميل النفط حتى بات تاريخهم عبئا عليهم وليس حافزا لأجيالهم المقبلة. وارتمت جامعة دولهم العربية كورقة خريف ذابلة على طاولة صانعي التاريخ العالمي. وأداروا ظهورهم لشعوبهم ولثقافتهم العقلانية التي ساهمت في صنع الحضارة الانسانية. فكان القرن النفطي وصمة عار على جبين حكام العرب. وقد وصف غسان تويني ثماره المرة في كتابه الرائع، ” قرن من أجل لا شيء”.

كتب غسان تويني للزمن الآتي مع ربيع الشباب العربي الذي لا يزال يتعثر. فتاريخ القمع والتسلط والإرهاب والفساد جاثم كالطود على صدر هذا الشباب المتحفز للنهوض. وهو تاريخ أسود حالك السواد، تكتبه اليوم قوى ظلامية، وإيديولوجيات دوغمائية بائسة، وأنظمة تسلطية تنشر الفساد والإفساد على امتداد الوطن العربي، وتنشر معها ثقافة الموت الذي يزهق أرواح شباب ضلوا طريق التغيير القويم فتربّوا على الحقد الطائفي الأعمى، وأسلموا مصيرهم لزعماء القبائل والطوائف المتناحرة على السلطة. وقد تنبه إنجلز إلى هذه المرحلة فوصفها بعبارته الشهيرة: “يتطور التاريخ من جانبه الأكثر سوادا”. فكانت الانتفاضات الشبابية بمثابة الرد المتوقع على فظائع المرحلة الراهنة من تاريخ الاستبداد العربي. وقد فتح الشباب باب النضال على مصراعيه للانتقال من التاريخ العبء إلى التاريخ الحافز، أو بالأحرى من التاريخ غير الإنساني إلى التاريخ الإنساني.

رفض غسان تويني الاحتكام إلى السلاح والانتقام في أشد المواقف مرارة في حياته. فهو المثقف الطليعي المؤمن بالحوار، والانفتاح على الآخر، والداعي إلى نشر ثقافة التغيير الديموقراطي الشامل لبناء التنمية البشرية والاقتصادية المستدامة على امتداد العالم العربي. بقي طوال حياته مشاركا في صناعة الكلمة الحرة ونشر ثقافة التغيير الجذري. كرّمته أعلى المنابر العربية والعالمية فحمل إليها الرأي الحر والموقف النقدي الشجاع، وترك للإعلاميين الشباب تراثا رائدا في فن المقالة الصحافية المبنية على ثقافة عصرية معمقة.

خدم القضية العربية بكفاءة عالية، ودافع عن استقلال لبنان وسيادته، واعتبر الحكم الدستوري الوسيلة الوحيدة للدفاع عن الحريات في ظل أنظمة عربية تسلطية وشديدة الإرتهان إلى الخارج. آمن بضرورة قيام الدولة الديموقراطية العصرية على إمتداد العالم العربي.

ختاما، لبنان غسان تويني نموذج فريد لنظام ديموقراطي علماني جديد، يبنى بإرادة اللبنانيين الذين يتوقون إلى الوحدة الوطنية الجامعة وبناء مجتمع المعرفة المتجدد، على أن يمارسوا الحرية بمسؤولية تامة وفي جميع المجالات. ودعاهم إلى بذل جميع التضحيات في سبيل الدفاع عن وطن الرسالة، وإكمال النضال الصعب لبناء الدولة اللبنانية الديموقراطية القادرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية معا.

عن ملحق النهار الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق