في العلاقة بين العلمانيّة ومفاهيم أخرى

يتوفّر موضوع العلمانيّة على إمكانيّات عديدة لتناوله من زوايا مختلفة، سواء تلك المرتبطة بالجانب المفاهيمي أو السياق التاريخي أو تداخل المفهوم مع مفاهيم أخرى متمفصلة مع قضايا لازالت لها رهاناتها كقضيّة النّهضة والتقدّم وتجاوز التأخّر التّاريخي وتحقيق الانتقال الدّيمقراطي المنشود.
إذن كلما أثرنا هذه القضايا وإلا ووجدنا أنفسنا في اقتراب مع إشكاليّة العلمانيّة التي تكون دوما في قلب النقاش الدائر حول هذه القضايا بالنظر إلى كون كل تفكير في مشكل التقدم لا بد أن يؤدي إلى التفكير في حجم حضور المقدس ضمن سياق تاريخي معين، وعندما نستحضر المقدس فإننا نكون في قلب إشكال تاريخي معقد تشكل العلمانيّة ضمنه أحد المعضلات الشائكة التي يتطلب التعامل معها التوفر على معرفة كافية بالواقع الاجتماعي في أبعاده المختلفة تجنبا لانزلاقات من شأنها أن تخلق اللبس والتشويش على عمليّة التغيير المرغوب فيه. ولذلك فإنه من المفيد عند تناول موضوع العلمانيّة التطرق إلى هذه الجوانب الإشكاليّة فيه وتجنب التناول التبسيطي الذي يكتفي باستعراض معاني ودلالات المصطلح مفصولا عن سياقاته التاريخيّة وتعقيداته النظرية.
وإذا كانت العلمانيّة تعني في إحدى دلالاتها الفصل بين المجال السياسي والمجال الديني باعتبار أن المجال الأول مجال عام، والمجال الثاني مجال خاص يتعلق بما هو شخصي وحميمي في الفرد ولا يدخل ضمن مراقبة أي سلطة، فإن العلاقة بين المجالين لم تحقق الفصل المنشود في فضاء الغرب إلا بعد توترات وصراعات دامية، ميزت العلاقة بين سلطة الكنيسة وسلطة الدولة اللتين امتزجتا في فترات تاريخيّة معينة، وهو امتزاج كان يعكس في كل مرة ميزانا للقوى بين السلطتين، الذي يكون أحيانا في صالح الكنيسة وأحيانا في صالح الدولة، وكانت كل سلطة منهما تسعى إلى استرجاع هيمنتها عقب كل هزيمة تتكبدها من طرف السلطة الأخرى.
وعلاقة الفصل المميزة حاليا لكلا السلطتين لم تكن الدولة هي التي تسعى لها دوما، بل إن الكنيسة هي الأخرى كانت تسعى إلى ذلك الفصل، عندما ترى أن كيانها الخاص يصبح مهددا بالذوبان والتلاشي في علاقة امتزاج بين السلطتين لا تكون هي المهيمنة فيها. فمطلب الفصل إذن لم يكن دوما مطلب الدولة، بل كان أحيانا مطلب الكنيسة أيضا حسب الظروف التاريخيّة المؤطرة للعلاقة بين الاثنين في كل مجال جغرافي خاص ضمن المجال الأوروبي الواسع. فالعلمانيّة إذن كمفهوم تحيل إلى تاريخ خاص من العلاقة بين سلطتين تتميز بالغنى والتعقد، وهو ما ينبغي استحضاره عند تناول المفهوم بالتحديد والتعريف.
إن السياق التاريخي لنشأة العلمانية، بما هو سياق تحولات اجتماعيّة وسياسيّة وفكريّة مصيريّة بل وثورية، جعلها تتداخل وتتمفصل مع مفاهيم مختلفة ومتعددة، بل إن العديد من المفاهيم لا يكتمل معناه ولا يتحدد إلا بالإحالة على مفهوم العلمانيّة بهذا القدر أو ذاك. وهو ما يتضح أكثر عند النظر إلى المفهوم ضمن مجموعة من الثنائيات:
العلمانيّة والديمقراطية:
تصل علاقة التداخل بين هذين المفهومين إلى الحد الذي يسمح باستنتاج أن العلاقة بينهما علاقة تلازم، خاصة وأن هذا التلازم استند على تجارب ووقائع تاريخيّة لها قيمتها في مجرى التطور التاريخي للبشريّة جمعاء. وهنا نحيل على واقعة الثورة الفرنسيّة التي أدت تداعياتها وصيرورتها إلى تجسيد التلازم بين الديمقراطيّة والعلمانية، إذ أصبحتا تشكلان بتلازمهما هويّة مرجعيّة للأمة الفرنسية، وأصبح الدفاع عن علمانيّة الدولة هو في نفس الآن دفاعا عن ديمقراطيتها وصونها وحمايتها.
غير أن هذا التلازم؛ الذي تحقق في سياق خاص، لم يتكرر في تجارب أخرى دلت على أن الدولة يمكن أن تكون علمانيّة دون أن تكون ديمقراطية. فألمانيا النازيّة كانت علمانيّة بما أنها لم تستند على أسس دينيّة في تأسيس شرعيتها، ومع ذلك فقد كانت في كل مظاهرها معادية بالمطلق للديمقراطية. ونفس الأمر ينطبق على إيطاليا الفاشيّة التي ارتكزت على إيديولوجية غير دينيّة ولكنها مناهضة لكل ما هو تعددي وديمقراطي.
إلا أن إشكاليّة التلازم تبقى مع ذلك مطروحة، بالنظر إلى أن كل دولة ديمقراطيّة في عالمنا المعاصر هي بالضرورة علمانية، ولا نعلم راهنا بوجود دولة ديمقراطيّة دون أن تكون علمانية، بمعنى أنها تأخذ مسافة محايدة من جميع الأديان والمعتقدات، وتحترم بالتالي حريّة المعتقد. فالعلمانيّة إذن هي إحدى الصفات الجوهريّة لكل دولة ديمقراطيّة، غير أن الديمقراطيّة ليست كذلك بالنسبة إلى العلمانية، مما يعني أن كل دولة علمانيّة ليست بالضرورة دولة ديمقراطية. وبالطبع يمكن أن نجد من يشترط عنصر الديمقراطيّة في تعريف العلمانية بحيث لا يستقيم التعريف إلا باستحضار الديمقراطيّة فيعرف العلمانيّة بكونها صفة لمجال سياسي قوامه الديمقراطيّة، وجوهره انفصال ما هو ديني عمّا هو سياسي. غير أن هذا التعريف يبقى محط جدال ونقاش ومثار العديد من الاحترازات والتحفظات.
العلمانيّة وحقوق الإنسان:
تتحدد العلاقة هنا بين هذين المفهومين في كون العلمانيّة تشكل الخلفيّة الفكريّة لمفهوم حقوق الإنسان، ذلك أن هذا المفهوم لم يتبلور إلا بعد إزاحة سلطة الكنيسة من المجال السياسي والمعرفي والإقرار بالعقل كمصدر رئيسي وحصري لكل معرفة متعلقة بالإنسان والطبيعة، واستبعاد كل مصدر مفارق لا تطاله سلطة العقل. وانطلاقا من ذلك أصبح الإنسان هو مركز العالم وأصبح الفرد تبعا لذلك قيمة في حد ذاته، يتحدد جوهره بمجموعة من الحقوق المتأصلة في طبيعته الإنسانية.
هذا المنظور الجديد للإنسان والعالم هو منظور علماني بما أنه لا ينطلق من تصور ديني أو ميتافزيقي. وهو الذي يشكل كما قلنا المرجعيّة النظريّة للمواثيق الدوليّة لحقوق الإنسان. على الرغم من أن هذه الأخيرة لم ترد في أي منها عبارة العلمانية، وخاصة تلك الصادرة عن هيئة الأمم المتحدة.
والواقع أن هذا الغياب له أسباب متعلقة بالتركيبة المتنوعة للجنة التحضيريّة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تنوعت المشارب الفكريّة والثقافيّة لأعضائها وانعكس هذا التنوع على مجريات اجتماعاتهم ومناقشاتهم لمختلف بنود ومواد هذا الإعلان. وكان من نتائج ذلك اعتماد صيغ وتعابير لا تعكس خلفيّة فكريّة محددة، ولكنها قابلة للتأويل حسب منطلق القارئ وخلفيته. وقد تجلى ذلك في المادة الأولى من الإعلان التي ورد فيها “يولد جميع الناس أحرارا متساويين في الكرامة والحقوق. وقد وهبوا عقلا وضميرا وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضا بروح الإخاء”.
فعبارة “وهبوا” تشير إلى التسويّة التي توصل إليها أعضاء اللجنة التحضيريّة بعد بروز اختلاف بين من اقترح عبارة “وقد وهبهم الله عقلا وضميرا “ومن اقترح عبارة “وقد وهبتهم الطبيعة عقلا وضميرا” وهو اختلاف بين من ينطلق من منظور ديني وبين من ينطلق من منظور علماني. وقد كانت عبارة “وهبوا المبنيّة للمجهول هي المخرج من هذا الاختلاف الحاد بين مرجعيتين متناقضتين. وتبعا لذلك كان من الطبيعي أن تغيب الإشارة إلى العلمانيّة في الإعلان العالمي وغيره من المواثيق الأمميّة ذات الصلة. غير أن ذلك لا يعني غيابها في مواثيق حقوقيّة لها قيمتها واعتبارها، إذ حضرت في الميثاق الأوربي لحقوق الإنسان. غير أن غيابها من المواثيق الأمميّة يسند موقف من يعتبرها مطلبا سياسيا وليس حقوقيا.
العلمانيّة والحداثة:
يصعب في الواقع الفصل بين هذين المفهومين، إذ هما يتقاسمان الانتماء إلى نفس الفترة الزمنيّة المحدّدة في العصر الحديث الذي لا يمكن تصوّره دون حداثة، فهي صفته اللاصقة به واللازمة له، فقولنا “العصر الحديث” يطابق قولنا “عصر الحداثة”.
ومن أبرز سمات هذا العصر الحديث هو الانفصال بين المجالين السياسي والديني، حيث أصبح المجال الأول يحتكم إلى معايير خاصة به لا علاقة لها بالدين ولا بأحكامه ومعاييره. وهو في الحقيقة انفصال بين ما هو نسبي وما هو مطلق، وقد تحققت الحداثة في المجال السياسي عندما استبعد المطلق من هذا المجال، لأن حضوره فيه لا بد أن يؤدي إلى هيمنة الحكم المطلق. وهذا الاستبعاد للمطلق من مجال السياسة ينضوي حتما ضمن مفهوم أساسي هو مفهوم العلمانية. ولذلك يصعب تصور الحداثة دون العلمانية، أو تصور العلمانيّة دون الحداثة، فهما إذن وجهان لعملة واحدة. على الرغم من أن غياب الديمقراطيّة عن بعض التجارب العلمانيّة قد يشوش على هذا التداخل بين المفهومين.
العلمانيّة والإسلام:
لا يمكن التطرق إلى العلمانيّة في السياق العربي الإسلامي دون التطرق إلى علاقتها بالإسلام التي أثارت ولا زالت تثير نقاشات وسجالات حادة بين التيارين الرئيسيين في المجتمع، التيار المحافظ والتيار الحداثي. فالتيار الأول راكم أدبيات غزيرة تتميز بمناهضتها الصريحة للعلمانيّة من منطلق رؤيّة تعتبرها ذات خلفيّة معادية للإسلام والدين ككل. والملاحظ أن هذا التيار الذي يناهض العلمانية، هو نفسه الذي لا يتقبل صراحة الديمقراطية، بل إن بعض أجنحته الراديكاليّة لا تتردد في التعبير الصريح عن رفضها وتكفير كل من يدعو إليها ويناضل من أجلها. وهي في عدائها للديمقراطيّة تنطلق من كونها تتأسّس على خلفيّة علمانيّة تتناقض مع منطلقات الشريعة الإسلامية ومبادئها.
إن التيار المحافظ مجسدا في الأحزاب والتنظيمات الأصوليّة جعل من مسألة العلاقة بين الإسلام والعلمانيّة مسألة حياة أو موت بالنسبة إليه، إدراكا منه بأن كل انتصار تحققه العلمانيّة تهدّد مشروعه وتصوره للدولة الدينيّة بما هي دولة لا تقر ولا تعترف بالحياد بين الأديان بما أنها تنتصر لدين معين وبالتالي تعادي الأديان الأخرى، وهو ما يحتم عليها الانطلاق من تصور للإسلام لا يستقيم إلا بمناهضته التامة للعلمانيّة كتدبير لشؤون الدولة أساسه أخد مسافة متساويّة من جميع الأديان والمعتقدات، من منطلق الحياد التام، باعتبار أن الدولة من المنظور العلماني والديمقراطي هي بالضرورة دولة لا دينية. يكون الانتماء إليها على أساس المواطنة وليس على أساس المعتقد، كما هو الشأن في مشروع الدولة الأصولية، ولذلك فإنّ معضلة البناء الديمقراطي في المجال العربي الإسلامي هي في جزء كبير منها معضلة الأصوليّة كعائق سياسي وثقافي أمام هذا البناء. ومن ثم فالتيار الحداثي يجد نفسه مطالبا بالنضال على الجبهتين السياسيّة والثقافيّة من أجل ترسيخ أسس تجاوز العائق الأصولي، كمدخل ضروري لتحقيق مشروعه العلماني الديمقراطي.
والواقع أن هذا التيار وجد نفسه مجبرا على الخوض في مسألة العلاقة بين الإسلام والعلمانيّة بحكم أن المجال الحضاري الذي يمارس فيه فعاليته هو مجال مؤطر في أغلبه بالإسلام كثقافة وفكر ورؤية، وبحكم أن مشروعه ينبني على العلمانيّة كمنطلق وكغاية، وهو كتيار حداثي يتسم بالتعدد والتنوع، كان من الطبيعي أن تتعدد وتتنوع مقاربته لهذا الإشكال إلى حد التعارض والتناقض أحيانا. وفي هذا السياق تندرج مقاربة محمد عابد الجابري الذي يعتبر أن الإسلام لا يستدعي المطالبة بالعلمانيّة لأنه لم يعرف سلطة مؤسسة كسلطة الكنيسة في المسيحيّة التي كانت تهيمن على المجال العام والخاص، بمعنى أنها كانت تمارس سلطتها على ما هو ديني وسياسي في الآن نفسه. وبدل المطالبة بالعلمانيّة التي تثير مجموعة من الالتباسات، ينبغي التركيز على الديمقراطيّة والعقلانيّة لأنهما يجمعان بين مطلب حفظ الحقوق ومطلب الصدور في الممارسة السياسيّة عن العقل ومعاييره الأخلاقيّة وليس عن الهوى والتعصب وتقلبات المزاج.
غير أن حسن حنفي يعارض مطلب العلمانيّة من منطلق آخر هو كون الإسلام دين علماني في جوهره، ومن ثمة لا حاجة له لعلمانيّة زائدة عليه مستمدة من الحضارة الغربية.
وهو نفس الرأي الذي يقره سعيد ناشيد عندما اعتبر أن الإسلام في أساسه الأنطولوجي لا يعارض العلمانيّة ولا يعترض على تجديد أفقها الكوني والإنساني طالما كان الإسلام في أساسه الأنطولوجي يقوم على الفصل التام بين مدنيّة الأرض ومدنيّة السماء. وقد كان موقف الجابري من العلمانيّة هو الذي أدى بجورج طرابيشي إلى إعادة النظر في تقييمه لمجمل مشروعه “نقد العقل العربي” وجعله ينخرط في نقده من خلال مشروعه الضخم “نقد نقد العقل العربي.” والواقع أن العلمانيّة ستبقى دوما إشكاليّة تثير المزيد من السجال الفكري والنظري سواء بين التيار المحافظ والتيار الحداثي أو داخل هذا التيار الأخير ذاته، مادام استحضارها في الجدل السياسي والفكري مرتبطا بمخاض مشروع النهضة والتقدم بالمجال العربي والإسلامي، وهو مشروع لا يزال يشق طريقه وسط صعوبات وتعقيدات تاريخيّة متنوعة ومتعددة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق