في الهويّة السّوريّة الثّقافيّة

إنّ أهميّة الهويّة الثقافيّة بارزة من خلال الواقع العملي المعاش القائم على استحالة تواجد أي تجمّع مستقل متمتّع بوعيه وإرادته، ممارساً لأيّ عمل أو فعل تاريخيّ مستقل، ما لم يكن متميّزا بطبيعة ثقافيّة خاصّة، فأيّ جماعة تفتقد لتفرّدها وتميّزها الثقافي وخصائصها؛ التي لا تُشارك فيها أحداً، تحت علم ونشيد وطني واحد، فإنّها تكون فاقدة للهويّة الجماعيّة المستقلّة بثقافتها وتراثها، وعن التعسّف والقسر السّياسي الحاصل بحقّها من طرف السّطلة المغتصبة للحقّ العام والخاص.
وما إن تفقد تفرّدها واستقلالها الثقافي –دون أن تكون منفصلة عن الواقع الثقافي الوطني- فإن هذه الهويّة تصبح مندمجة قسرياً في ما عداها من الهويات الثقافيّة الأخرى، بل قد تتمثل ثقافة هجينة دون ثقافتها، ويتعدى الأمر إلى الخضوع العملي والفعلي لهذه الثقافة المفروضة على الأقليات، صحيح أن هذه الأقليات تكون قد جاهدت منذ سنين طويلة للحفاظ على شيء من ملامحها الثقافيّة الأصيلة، لكن مع ذلك فإنّها لا تتفاعل مع وسطها الاجتماعي-السّياسي، بسبب الكبت الحاصل، وتقتصر على التقوقع حول انتمائها التّاريخي.

في الصّراع الثّقافي

إنّ السّيطرة الثقافيّة لا تعني سلب الثقافات الأخرى نسقها الخاص، وإمكانيّة إبداعها، كما تتصور العقليّة “الشوفينية”، بل على العكس من ذلك يمكن للثقافات أن تُشكل ما يخصها من “استراتيجيّة” فعالة تساعد على التصدّي لظاهرة السيطرة هذه، أو على أقل تقدير التّعامل معها بشكل يسمح لها بالاستمرار في البقاء والصّراع والرّغبة والعمل على المشاركة في الإبداعات الحضاريّة، كما جاهدت وكابدت الثقافة الكرديّة في مواجهة الهيمنة وحالة الإنكار والإقصاء الثّقافي المتّبع في سوريا.
إنّ أيّ ثقافة تعد منظومة شديدة التّعقيد، تحتوي على مميّزات كثيرة وعديدة يمكنها أن تجاهد في سبيل استمراريّتها وتأقلمها ويُمكن لأي ثقافة مهدّدة بالانهيار أو التهميش أو الإقصاء، أن تعتمد على الثّقافة المهيمنة لتطور من نشاطها وعملها بوسائل لا تمتلكها، بكونها مُحاربة ومسلوبة الإرادة والحريّة.
وللعلم فإنّ أي ثقافة لا تًجاهد في سبيل تشكيل استراتيجيّة فعالة لمقاومة حالة السيطرة والهيمنة عليها، فإنّها تكون في النّهاية أمام حالات من قبيل فقدان النظم والقيم المعبرة عنها والمكوّنة لها، وتنسف اللغة واللهجة؛ التي تعتبر نظم رمزيّة وفي غاية الأهميّة للتواصل، وهي المنظمة والمؤسسة والمؤثرة والفاعلة والمكونة لعمل الإنسان وحياته وسلوكه. إن أي سيطرة ثقافيّة تخضع لمبدأ الصراع والتوازن والمتغيرات، لذا من المستحيل أن تكون هذه السيطرة ثابتة وحاسمة ونهائية. ففي إعادة تشكيل موازين ثابتة للقوى تكون بمثابة إعادة الروح لهذه الثقافات.
إنّ سيطرة أي ثقافة على أي فئة وتهميشها لثقافتها، لا تكون مطلقة ولا كاملة مع استحالة منعها من الاحتفاظ بتراثها، أو جزء من تراثها، لهذا فإن أي ثقافة مهزومة يُمكن لها أن تولد من جديد، مادامت هناك معارضة مستمرة لعقليّة السّيطرة، ومادمت السيطرة غير حتميّة وغير قادرة على مبدإ السيطرة المطلقة، متمثلة في استحالة كبت تلك الثقافة وإلغائها، تحت سيطرة الثقافة المهيمنة.

شبح التعدديّة الثقافيّة

لعل الخوف من التنوّع الثقافي أضحى كالشّبح المطارد للأنظمة المجحفة بحقّ ثقافة الأقليات، خاصّة وإنّ جهابذة الفكر العنصري يصوّرون أمر التنوّع الثقافي على أنّه تبعيّة متزايدة باستمرار لدول الجوار، وعلى نحو ما ثقافة العدو، وما هذا العدو سوى عدو مصطنع افتراضي دوغمائي رسمه النّظام وأشتغل طويلاً على ترسيخه في أذهان الجميع، لدرجة أنّه صدق كذبته المفتعلة، وراح ينسج القصص عن دور التنوع الثقافي وخاصّة الكردي والأشوري والأمازيغي وغيرهم، في نسف الترابط القومي مع الثقافة العربيّة والقوميّة العربيّة والوطن العربي. لكن ماذا تعني التعددية الثقافيّة، وإلى أي حدّ تؤثر على سيادة الدولة؟
إنّ التنوع الثقافي واسع جداً يقوم على التبادل الاجتماعي والسّياسي والإنساني بين الدّول، وبين الجماعات المتنوعة المشكلة لهذه الدّول، والتنوع الثّقافي يشير أيضاً إلى التّكامل والتّفاعل بين مختلف الشّعوب والأمم المتنوّعة والمختلفة في كثير من القضايا والنّواحي، إلا أنّها تشكل حالة وجدانيّة متفاعلة وثقافيّة موحّدة، مع احتفاظ كل فريق بخصوصيّته، وكمثال على ذلك الاتحاد الأوربي حيث أنّ الدّول الأعضاء تتقاسم نفس القيم والقواعد الديمقراطيّة وتتقارب وتتشابه دساتيرها، وانبثق عنها قانون أوربي ودستور أوربي موحّد، ومع كلّ ذلك فإنّ كل منهم لا يزال يحتفظ بخصوصيته وتراثه ولغته وثقافته وما يميّزه عن غيره، بل راحت كلّ دولة تتفاخر بما لديها من أعراق وقوميّات وحتّى بمدى حفظها وصونها لثقافات المهاجرين لديها.

التنوّع الثّقافي لا يلغي سيادة الدّولة

إنّ مفهوم سيادة الدّولة يكون في منع الدّولة للتدخل الخارجي في الشؤون الدّاخليّة وتطبيق القوانين ضمن الشّؤون الداخليّة، وآليّة التّعامل مع الشّعب، لكن وفي حالات التنوّع القومي والعرقي والثّقافي، فإنّ أيّ دولة لا تراعي هذا التنوّع، فإنّها هي من تدفع بتلك الأقليات إلى تبنّي شعار طلب المساعدة من الخارج، وفي حال معضلة استنجاد الدّاخل بالخارج يمكن القول: “إن طبقت أيّ دولة ولو الحد الأدنى من معايير حقوق الإنسان وحقوق الأقليات وحقوق المرأة والحقوق الثقافيّة واللغويّة، واحترام الخصوصيات العرقيّة، لما وجد أي صوت منادى بالخلاص”.
لكن الذي يحصل هو نسف حقوق الأقليات والحقوق الثقافية بحجة الحفاظ على هوية الدولة، في الوقت الذي يمنح التنوع الثقافي قوّة وغنى ومناعة للجبهة الداخليّة في مواجهة أي عدوان خارجي، فأي دولة متنوعة اللغات والأعراق والثقافات والقوميات والأديان، يُمكن تشبيهها بالدائرة الكبرى، هذه الدائرة التي تبدأ بالانحسار والتقهقر رويداً رويداً، بسبب النّزاعات الداخليّة الثقافيّة منها والمطالب القوميّة، وحين تفاقم هذا النّزاع ضمن هذه الدّائرة، فإنّها تصبح مهيّأة في أي وقت للانفجار، عدا ضعفها أو عدم قدرتها أو حتّى استعدادها للدّفاع عن “الوطن”.
ومن جديد فإنّ مرد هذا الأمر إنّما يعود بالدّرجة الأولى إلى النّظام القائم في تلك الدول، وما نسف مبدأ التنوع الثقافي، واستباحة الثقافة الكردية والأشورية والتركمانية والشاشانية، إلا خير مثال في تحوّل تلك الدولة إلى بؤر نزاع وسجال.

سوريّة الغد

لعلّ من أبرز ما يواجه المجتمع السّوري، ودولة سورية الجديدة غداً هي ظاهرة التنوع الثقافي وتعدّده ، وإن كانت تشكل خطراً عليها أم أنّها فرصة سانحة للاتحاد بالنسبة إلى الأفراد والجماعات و”الشعوب” على طول أرض الوطن السوري الحبيب.
وما بين هذا الموقف وذاك، يتبلور خطان أحدهما يصر على أن التعدية الثقافية تتحمل سبب نسف المفهوم القومي لسورية وكانت من بين الأسباب التي حاولت القضاء على الهوية العربية السوريّة، لذلك لابد من إعادة تأهيل وإعادة كشف للوعي العربي القومي بهوية قومية للتصدي للتنوع والتعدد الثقافي، واعتبارها عامل تمزيق على الصعيد السياسي والاجتماعي.
ولكن بالمقابل هناك من يرى إنّه مع عوامل الشك في إيجابيّة عامل التنوّع الثقافي، فإنّه عامل قوّة وغنى أيضاً، إذ التنوّع هو المحرّك للتكيّف والتأقلم مع هويات جديدة، ومفهوم التعدديّة القوميّة واحترام خصوصيات القوميات الأخرى.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق