في ما خصّ العرب والحداثة / رشيد بوطيب

مثير لا ريب هو عنوان الكتاب الذي أصدره عالم السياسة، المختصّ في العالم العربي، الألماني ثورستن غيرالد شنايدر: «العرب في القرن الحادي والعشرين». فمن جهة، هو يظلم العالم العربي حين يلقي به في سلّة – مهملات – واحدة. إنه تبسيط تعوّدنا عليه في الكتابات الغربية والعربية على السواء. علينا أن نتوقف عن الحديث عن عالم عربي. فنحن نعيش في عوالم عربية مختلفة ومتناقضة. وكم مرّة رددت على محاوريّ الألمان وهم يتحدثون عن الإسلام أو عن القومية العربية، بأنني لا أعرف ولم أعش إسلاماً بالمطلق، لكنني عشت إسلاماً مغربياً، لم أشعر فيه برفض أو تكفير للآخر. وأنه لا وجود في المغرب لحزب قومي على شاكلة «البعث»، من دون أن يعني ذلك مني أي دفاع عن النظام الملكي في المغرب، والذي نعرف أخطاءه كما نعرف إنجازاته. إن «العالم العربي» هو من المفاهيم أو الأوهام الكليّانية التي أنتجتها حقبة تاريخية معينة، نشهد منذ أكثر من عقد سقوطها المدوّي. والجانب المثير في عنوان الكتاب أيضاً، شقّه الثاني، «القرن الحادي والعشرين».

فهل العرب يعيشون فعلاً في القرن الحادي والعشرين أم إنهم ما زالوا يقفون كالأيتام أمام أبواب القرن الثامن عشر؟ علينا أن نعترف بأن مجتمعاتنا العربية، وعلى اختلافها، لم تدخل بعد زمن الحداثة. فمن يقول الحداثة، يقول إنجازاتها العلمية وتحولاتها الاجتماعية وثوراتها السياسية كالديموقراطية وحقوق الإنسان وتجاوز النظرة السحرية إلى العالم والطبيعة والسلطة. فأين هي عقليتنا الاسـتسـقائـية مـن كـل ذلك؟ لسنا أكثر من مسـتهلكين للحداثة، نعيشها خارجياً وليس داخلياً. عالة عليها. ومع انفجار ما اصطلح عليه الربيع العربي، تحاول بعض المجتمعات العربية الخروج من نفق السلطوية والتقليد، وإن كانت المؤشرات على الأرض تبعث أكثر على التشاؤم، ليس لأن الإسلام السياسي وصل إلى السلطة في الكثير من تلك البلدان، ولكن لأنه لم يفهم، في رأيي، الإسلام ولا الحداثة.

لا أقول ذلك لأنني أدافع عن استبعاد الإسلاميين من السلطة، كما يفعل البعض اليوم في مصر وخارجها – فالديموقراطية، قالها يوماً المهدي بن بركة، «تعلّم بالممارسة» ومن يقول غير ذلك، يطلب تمييع العملية السياسية لا غير – ولكن، لأن خطاب الإسلام السياسي أبعد ما يكون عن الحداثة وأبعد ما يكون عن الإسلام، أو عن إسلام يحضّ على الحداثة وعلى التعلّم منها وعلى القبول بالآخر، وعلى رفض وصاية الأموات على الأحياء. إن الإسلام السياسي لا يعيش الحداثة فقط خارجياً، بل الإسلام أيضاً، فهو ابن ثقافتنا ومجتمعاتنا المتخلفة.

وكان سمير أمين على صواب حين كتب أن «الشعوب المتخلفة تفهم الدين في شكل متخلف». وهي في الواقع لا تفهم الدين وحده في شكل متخلف، بل السياسة والحداثة والمرأة والتعليم وهلمّ جرّا… إن شنايدر على صواب حين يرفض التفسير الثقافوي للوضع العربي، داعياً إلى البحث عن أسباب التخلف في الشروط السوسيو – اقتصادية والحركة العالمية لرأس المال والسياسة الدولية التي تدعم منذ عقود الديكتاتورية في منطقتنا. وطبعاً، العوامل الخارجية ليست وحدها المسؤولة عن الأمراض المستشرية في المجتمعات العربية، بل الأمر يرتبط أيضاً بفشل المشروع التحرّري الذي نجح فقط في تعويض استعمار باستعمار آخر، شعاره كان هذه المرة «الوحدة والحرية والاشتراكية».

إن ما يعيشه اليوم كثير من المجتمعات العربية، يؤكد الثقل الكبير لقوى التقليد والتخلف من جهة، وغياب مشروع جديد وبديل من جهة ثانية. يؤكد أنه لا يمكننا أن نقود ثورة لندخل الحداثة، بل علينا أن نتبنى الحداثة وثوراتها حتى نصنع الثورة ونجني فعلاً ثمارها. وفي الكتاب ذاته، الذي ضمّ مساهمات لكثيرين من الباحثين الألمان والعرب، يتساءل مروان أبو تميم: «لماذا تمّ انتخاب تلك القوى التي لا تخفي مواقفها المعادية لليبرالية، وتوجهاتها التوتاليتارية»؟ يعيد أبو تميم ذلك إلى البنية الأبوية للمجتمعات العربية، وهو تحليل نعرفه في علم الاجتماع من هشام شرابي وفي التحليل النفسي من فتحي بنسلامة وغيرهما كثيرون، والذي يؤكد أن سلطة الأب هي أولاً وآخراً سلطة سياسية.

ومع ذلك، أعتقد بأن البنية الأبوية ليست السبب، لكنها واحد من أعراض المرض فقط، وهي ظاهرة لا نجدها فقط في المجتمعات العربية أو الإسلامية. ومن العوارض الأخرى للتخلف، القمع والتنكيل بالأقليات، وهو أمر لا يرتبط، في رأيي بالإسلام، ولا بطبيعة المجتمعات العربية التي كانت لقرون ملاذاً للهاربين من القمع. ولكن، من أوّل ضحايا «الوحدة والحرية والاشتراكية»، كانت الأقليات الدينية والعرقية التي ازداد وضعها سوءاً حتى بعد ما اصطلح عليه الربيع العربي. فهذا الباحث الألماني مارتين تامكه يدق ناقوس الخطر في ما يتعلق بوضع الأقباط في مصر، متخوّفاً من إعادة السيناريو العراقي في هذا البلد، على رغم أن الشباب القبطي شارك بقوة في قلب النظام السابق، رغم تواطؤ قيادته الدينية معه.

أما الباحث المغربي محمد خلوق فيستعرض وضع اليهود في المغرب، والذي يختلف عن وضع الأقباط، ليس فقط للمرونة الكبيرة التي تتمتع بها الحركة الإسلامية في هذا البلد، ولكن أيضاً للدور البراغماتي الذي لعبته وتلعبه الملكية في هذا السياق، والذي جاء الدستور الجديد للبلاد وتنصيصه على المكوّن العبري للهوية المغربية، تتويجاً له.

عن جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق