في مديح الرحيل / نجم والي

فرانتز كافكا مثله مثل الفيلسوف إيمانويل كانط، لم تقده خطاه أبعد من مشارف مدينته؛ كفافيس لم ينظر إلى هذه الواقعة كحجة وكتب “إذا أنت تدمرت في هذا الركن الصغيرمن العالم فستجدها خراباً أينما حللت”؛ الكاتب الألماني أيشيندورف أرسل جواله المغني، حوذي عربته القوي البنيان لوحده عبر الغابات الملتمعة فجراً بإتجاه إيطاليا، أما هو نفسه فلم يعبر جبال الألب ولا لمرة واحدة؛ دانتي إكتفى بالتجول في الجحيم ولم يغادر منفاه؛ طرفة بن العبد دار شبه الجزيرة مثل البعيرالمعبد؛ رامبو أراح قدميه في الحبشة؛ إيزابيل أبيردهارد جالت الصحراء الكبرى بزي الرجال؛ كاميسو دار حول العالم على سطح سفينة حربية روسية، بايرون قطع كل البحر المتوسط، كارل الثاني عشر سار راكباً من تركيا حتى شترالسوند خلال أربعة عشر يوماً، بوشكين طاف قرى نفيه؛ دوستويفسكي فرّ من دولة إلى أخرى يلاحقه دائنوه؛ تولستوي هرع إلى موته راكباً عربات الدرجة الثالثة؛ سعدي يوسف إقترح عليّ منذ سنوات الرحيل سوية إلى الهند؛ حلاقتي تحلم منذ سنوات برحلة عبر أفريقيا بواسطة الموتورسايكل، ومن حين إلى آخر يموت بعض عشاق المغامرة في رحلات فوق القمم الجبلية الثلجية، أو وهم على سطح بالون، كما حدث قبل أيام في تركيا.

بإختصار، ليس هناك قانوناً ولا لوحاً مكتوب، ولا كتالوجات السفر المغرية التي نستعلم من خلالها “أين يجب على المرء الذهاب الآن” لها مفعول إلزامي. لأن السفر هو رغبة تنبع من القلب، فالقلب حر. ومثلما هو القلب أفق لامتناهي، هو العالم أيضاً. مثلما أفق العالم لامتناهي هكذا هو السفر: هذا اللاتناهي يقف بمواجهة كل شخص ليجربه، حتى لو “سافر” من كلية الآداب في بغداد حتى ساحة الأندلس، مقر إتحاد الأدباء، نعم قطع ذلك الطريق سيراً على الأقدام ربما يُشعرنا بالراحة في هذه الرحلة أكثر من رحلة جوية حول الكرة الأرضية! وأيضاً ليس من المهم أن يكون مكان النوم معسكراً ليلياً، أو غرفة فندق، أو كوخاً صغيراً، أو كابينة سفينة، أو خيمة، أو عربة نوم، أو صالة إنتظار أو تحت سماء مفتوحة، مثلما هو ليس من المهم أن نسافر في الصباح الباكر أو في ساعة متأخرة، في الصيف أو في الشتاء، بسيارة مرسيدس أو بسيارة فولكسفاغن، بقارب أو بواسطة دراجة أو على ظهر جمل، لإن السفر ليس هو أن يملك المرء حساباً في البنك وليس الأمر هو معدل ساعات السرعة، إنما هو الإستعداد التام الواعي للتسليم لمسار القلب. الحجاج والجوالون هم أكثر الرحالة حقيقية من أولئك الذين يحملون حقائب كبيرة الحجم في القطارات السريعة.

لا تحتاج أي رحلة لهدف أو سبب، لأن كل رحلة تكاد أن تكون هي حجّة بنفسها: من الممكن أن نعني هنا بأننا يجب أن نسافر، لكي نستريح، أو من أجل دراسة المعمار، من أجل التعرف على بشر لم نعرفهم، من أجل التزحلق على الجليد، لعمل تخطيطات وأخذ صور معينة، أو للتسوق أو لزيارة بعض الأصدقاء. كل ذلك هو لعبة منا للتحجج، ولا تهم درجة جديتها لأنها تظل تشبه حجج الأطفال، بريئة لكنها لا تنطلي علينا أنفسنا وتبدو لنا مضحكة إذا ما فكرنا فيها بعمق؛ لمعرفتنا المسبقة، بأننا نسافر، من أجل اشباع جوع القلب ـ هذا القلب الذي يتفتح والذي يرغب بتأمين تجديد شبابه غير القابل للتحطيم عن طريق معايشة شيء جديد.

الشاطر حسن في الأسطورة ينتقل من أجل تجريب حظه. ونحن، ألم نفكر في كل رحلة في زاوية ما من دواخلنا، بأننا هذه المرة سنعثرعلى الحظ، سنطرق على بابه، بأن من اللازم أن تكون هذه المرة القصور الإسبانية أو السواحل الكاريبية أو قرى جزيرة صقلية التي تنفتح أمامنا وبلانهاية؛ وفي نهاية المطاف لابد أن نصل إلى النقطة، التي نستل فيها مفاتيح ذهبية مرمية عند هناك، في الأفق، تحت أقدام قوس قزح برق أمام عيوننا والتي سنعثر بالتأكيد، عن طريقها، على كنوز مدفونة؟

في السفر لا نغيب عن العادات والأوضاع المألوفة فقط، إنما نغيب عن كل ما هو ثابت في محيطنا بشكل عام. لذلك يحرص المرء عند الرحيل على تغيير أشكال التعليب الحياتية اليومية فقط وليس كسرها. لكن هذا يحدث عندما نسمح لأنفسنا في الدخول في أمر ثابت وتسليم أنفسنا لمجموعة معينة أو لنموذج واحد بالسفر يغوينا تماماً. من يتصرف هكذا، يُسلم نفسه للهرب من نفسه؛ لكن كل رحلة، لا يكون هدفها هو أن يعود المرء إلى نفسه، هي ضرب من العبث.

هناك الكثير من كاتالوجات السفر التي تتوسم أن تكون دليل المسافر. رغم ذلك فأن المرء يحتاج الكاتالوج فقط عندما تكون غواية السفر قد تمت، لهذا السبب يجب أن يتم الإغراء، قبل ذلك، عندما أضع في رأسي أمراً ما لطيفاً في زمن غير لطيف. ولكن ألا يحتاج المرء أحياناً أحداً ليغويه؟ أليست الغواية عن طريق أحدهم أكثر حضوراً وقوة؟

قبل سنوات عندما كنت في بلاد كان إسمها “الجمهورية العراقية”، رافقت أحد الأصدقاء حتى محطة القطار. في لحظة تحرك القطار، شعرت بقدماي تقوداني إلى القطار، لأقفز في العربة من دون حقائب ومن دون تذكرة؛ لقد هجمت غواية القطار المتحرك على قلبي بصورة كبيرة. نزلت في المحطة الثانية على أمل الرجوع، لكن بعد تجوال في المدينة الصغيرة، وجدتني أُكمل الرحلة في المساء ليس بإتجاه بغداد كما كنت أعتقد. ثم رجعت بعد عشرة أيام فقط عند إنتهاء هذه المغامرة المتوحشة. وكم كلفني جهداً كبيراً أن أُقنع عميد الجامعة بشطب أيام غيابي، فلم يكن يحق لنا الغياب أكثر من ثلاثة أيام من دون عذر. لا أنصح أحداً بتقليد ما صنعته أثناء أيام دراستي الجامعية؛ لن أنسى الرحلة التي قمت بها إلى فرنسا وأنا أصعد إلى طائرة الخطوط الجوية العراقية في 14يوليو 1976( كان لي تسعة عشرة عاماً)، لأظهر في باريس فجأة وفي جيبي ستون دولاراً فقط، لأحدث الصديق الرسام فيصل لعيبي الذي كان مقيماً هناك عن نيتي بدراسة الاخراج السينمائي في باريس! كانت سنوات الغواية. ولكن أليس هناك سنّ واضح مثل الشمس يموج بالحرية حيث يرغب المرء برؤية كل ذلك الذي يجلب معه إضطراب نهاية الرحلة، هدّ الخيام، حرية الرعاة وحيث المرء يكتب وينام في مكان بعيد ـ لايهم أين ـ؟ طوبى لبطل زماني المضطرب! وأتمنى عبث تلك السنوات الدراسية لكل من يتمنى لقلبه الحرية.

كم هي مغرية أسماء الأماكن الغريبة! كل ما هو حاضر وموجود يغوي: كل ثمرة غريبة، كل نبيذ يهمس لك بسحر مكان للإقامة، كل حقيبة في واجهة محل، كل سكة حديد تلمع، كل بالون على شكل كرة أرضية، كل أطلس، كل حروف جريدة غريبة تنادي آلاف الأصوات. كل شارع يهمس: سر فوقي فقط، إمش فوقي، هكذا ستقف ذات يوم أمام دير مدينة باث الإنكليزية أو أمام بوابة كاتدرائية إشبيلية أو عند أعمدة جزيرة رودوس أو عند منارة الإسكندرية، أو على ظهر جمل في صحراء تشون تشان تشين على طريق الحرير.

في اللغة الروسية لا يعرف المرء فقط التمني “سفرة سعيدة” للآخر، إنما بإمكان المسافر أن يردد: “بقاءاً سعيداً”. لا يخلو ذلك من معنى: هناك آلاف القوى من بشر ومكائن وأماكن تبذل جهدها لإسعاد المسافر؛ في الوقت الذي يُترك فيه المقيم مع قوى خبيثة: العثة، الصدأ، والفطِّ. وفي العراق يُترك مع السيارات المفخخة واللصوص؛ البقاء مدة أطول في سجن الروتين والعادة اليومية في مجرى الزمن البطيئ غير المتغير.

مع ذلك فأنت لن تكون سعيداً دائماً في السفر: عند بعض المساءات وعند غروب الشمس ستهجم عليك كآبة ثقيلة، فتور في العزيمة ونفور سيُلقيان غبارهما على قلبك، لتشيخ سعادتك بسرعة، وستكون هناك لحظات تود أن تُسلم نفسك لبحر الصور التي تتماوج أمامك، أن تُسلم نفسك للانهائية الزمن، لكي تتملص من تلك الصورة التي تبدأ تظهر بإلحاح في نهاية الرحلة: صورة مديرالعمل، أو صورة ساعي البريد وهو يحمل لك رسائل مكتب الضرائب، وغرامات البوليس وكاتالوجات الدعاية، وفاتورات دفع الكهرباء والغاز. حينها ستزفر بحرقة وتمد يدك إلى جيوبك. فارغة. كم تتمنى أن تكون بلا إقامة، مبعداً لوحدك في مكان متروك.

عن جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق