في مقولة المفاجأة وحكم التاريخ / كرم الحلو

تم التركيز في خطاب الانتفاضة العربية على مقولة المفاجأة. ما جرى وفقاً لهذا الخطاب لم يكن متوقعاً ولم يكن في حسبان أحد، بل جاء عفوياً ومفاجئاً ومن دون مقدمات. ولم يتورع بعض المنظرين عن القول، في استنتاج متسرع، ان ثمة بعداً ميتافيزيقياً للانتفاضات، وان حادثة البوعزيزي في تونس كانت أشبه بحدث فوق تاريخي اطلق شرارة الثورة العربية الديموقراطية في العالم العربي من مغربه الى مشرقه.

وفي رأينا ان القول بالمفاجأة هو الوجه الآخر للقول بالحتمية التاريخية. المقولتان لا تعترفان بالتاريخ بوصفه حركة وتطوراً وصراعاً وتبدلاً. في حين تعتبره الاولى فوضى وعشوائية خارج المعقول والمتوقع، ترى اليه الاخرى انتظاماً كاملاً وصارماً وعقلانياً، مساره مقرر سلفاً وتوجهاته محددة دونما مفاجآت. الا ان التاريخ هو تاريخ حراك الافراد والمجتمعات والامم في تفاعلها الحي مع الوقائع والمتغيرات، وهو من هنا رهن قوانين ومقدمات انسانية، اقتصادية وسياسية واجتماعية، لا تحدده بصورة حتمية، على شاكلة القوانين الفيزيائية والرياضية، لكنها في الوقت نفسه، تؤكد امكانية قراءة تحولاته وتصور صيرورته، وان ظلت جوانب منه عصية على التصور، وإلا لما كان للعلوم الانسانية اي معنى، ولكان مستحيلاً التنبؤ بأية تحولات في الاقتصاد او الاجتماع او السياسة.

في هذا السياق رأى ابن خلدون في مقدمته ان «الظلم مؤذن بالخراب» ونبه مفكرو النهضة العربية الكبار في استشراق فذ الى عواقب الاستبداد الطبقي والسياسي والاجحاف اللاحق بالفئات البائسة في المجتمع الانساني والعربي، فقال فرنسيس المراش الحلبي مخاطباً الاثرياء الذين لا يبالون بمعاناة الفقراء وعذاباتهم، محذراً من ثورة تقوض المجتمع من اساسه: «أفلا تخافون من وثوب التسعة والتسعين وفرط عقد الجمعية… ها قد بدأ يلوح لي ان فتنة كبرى تثور في العالم». بدوره حض عبدالرحمن الكواكبي على العدل والانصاف «كي لا تكون فتنة تحصد الناس حصداً… فالاستبداد قد يبلغ من الشدة درجة تنفجر عندها الفتنة انفجاراً طبيعياً». ومطلع القرن العشرين دعا نسيب ارسلان الاغنياء المترفين للرأفة بالفقراء المدقعين حتى لا يلجأوا للعنف والثورة، بقوله:
فلا ترهقوهم بالشقاوة والطوى/فيبدر منهم بادر لا يكفف
فإنْ لم ينالوا بالهوادة حقهم/ينالوه يوماً والصوارم ترعف

في مراجعة متأنية للواقع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في بلدان الانتفاضات العربية يتبيّن لنا تهافت مقولتي المفاجأة والعفوية، اذ ثمة تحولات وتطورات بيّنة ثوت في بنية كل مجتمع من مجتمعات تلك البلدان كانت تؤشر الى هبوب وشيك لحركات عاصفة آتية. فقد عرفت بلدان الانتفاضة في العقد الاول من القرن الحالي معدلات نمو اقتصادي تراوحت بين 3 و7 في المئة سنوياً، وتضاعف متوسط نصيب الفرد من الناتج الاجمالي بين عامي 1999 و2009، 3 مرات في البحرين وليبيا و 11 مرة في مصر واكثر من 6 مرات في تونس. غير ان هذه البلدان لم تستوعب زيادة الشباب الكبيرة في خلال هذا العقد لا سياسياً ولا اقتصادياً، مما فاقم الاحساس بالحرمان النسبي في ظل ارتفاع معدل البطالة للفئة العمرية 15 الى 24 سنة نحو 35 في المئة، وبين خريجي الجامعات الى حوالى الـ50 في المئة، كل ذلك بالترافق مع سوء الادارة وسوء التوزيع والفساد المستشري حيث جاءت مصر في المرتبة 70 بين دول العالم، وفق مؤشر منظمة الشفافية الدولية للفساد. وجراء هذه السياسات أصبحت مستويات الفقر هائلة وباتت تضرب نحو 40 في المئة من السكان في مصر حيث بات سكان احزمة الفقر في حدود العشرين مليون نسمة، بينما تراكمت ثروات اصحاب الاعمال والمقربين من الحكم في شكل مذهل.

وقد بلغ تفاقم الفجوة الطبقية حداً قياسياً بين العشرة في المئة الاغنى والعشرة في المئة الافقر، فوصل من 2.3 الى 31.5 في تونس، ومن 3.7 الى 29.5 في مصر. وبينت الدراسات ارتفاع نسبة الفقراء في سورية من 11.4 في المئة عام 2004 الى 34.3 في المئة عام 2010. بينما وصل معدل البطالة الى 33.7 في المئة في صفوف الشباب، وبات 33.6 في المئة من السكان دون خط الفقر.

في موازاة ذلك سيطرت العائلات المرتبطة بالنظام على الاقتصاد إضافة الى سيطرتها على الاصول الاقتصادية العامة، وغدت تتحكم بالاقتصاد السوري، وتضم اغنى رجال البلد وهو رامي مخلوف الذي باتت ثروته تقدر بستة بلايين دولار.

اما ليبيا اغنى بلد في شمال افريقيا، فوصل حجم صادراتها النفطية عام 2010 الى 41.9 بليون دولار، في حين لا يزال 20 في المئة من الليبيين أميين، ولا يتوافر السكن اللائق لنصف السكان، ومعدل البطالة يبلغ 30 في المئة، وبطالة الشباب تقدر بما بين 40 و 50 في المئة. وفي مقابل ذلك، لم يكتف معمر القذافي بالاستملاك الفعلي للدولة ولاقتصاد البلد بأكمله مع حاشيته العائلية بل مارس سلطة اعتباطية مطلقة بالاستناد الى جهاز امني متضخم وميليشيات وقوات نخبة ومرتزقة.

من خلال هذه المراجعة لاوضاع بلدان الانتفاضة عشية حراكاتها الاحتجاجية يتأكد انها كانت تتجه نحو الانفجار الكبير، وان ما حدث لم يفاجئ ولا يجب ان يفاجئ الا الذين لا يقرأون التاريخ ولا يعرفون سننه وطبائعه. فهل من المعقول ان تستمر انظمة استبدادية اقلوية تستأثر بالخير العام على شاكلة النظام التونسي او المصري او الليبي او السوري، فيما السواد الاعظم من الشعب يعاني الفقر والامية والبطالة، وفوق ذلك كله فقدان حريته وكرامته وانتهاك آدميته من دون هوادة.

عن جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق