كيف نرسي القيم الاجتماعية الأصيلة؟ / السيد يسين

تعودت على أن أقرأ بإمعان تعليقات قرائي الكرام على ما أكتبه، التي تنشر على شبكة الإنترنت. ولما كنت أعتبر ما أكتبه مجرد اجتهادات لباحث علمي اجتماعي قد تكون صحيحة أو خاطئة، فإنني أرحب دائماً بالملاحظات النقدية الذكية للقراء التي توجه للمقالات، في الوقت الذي لا أهتم فيه بالتعليقات التي تترك الأفكار المطروحة وتهاجم شخص الكاتب.

ولذلك اهتممت بتعليق الأستاذ «الراضي بالله محمد» الذي وجه للكاتب دعوة مباشرة للمشاركة في العمل على إصلاح القيم لإعادتها معتدلة كما كانت في العهود الماضية.

وأنا أقبل هذه الدعوة بترحيب كامل، مع العلم أنها عملية شاقة لأنها تقتضي مني -من وجهة النظر العلمية البحتة- رسم إطار نظري مسبق يحيط بمجالات التنشئة الاجتماعية الأصيلة، وذلك مثل الأسرة والمدرسة والجامعة وبيئة العمل والإعلام، بالإضافة إلى صحة القيم التي يعبر عنها النظام السياسي المطبق، والتي ينبغي أن تركز على احترام المواطنة في المقام الأول، وتحدد حقوق المواطنين وواجباتهم في إطار من التأليف الخلاق بين الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
كل ذلك بشرط أن يكون المشروع التنموي السائد يقوم بمهمة توسيع فرص الحياة أمام الناس، وذلك بتوفير الخدمات الأساسية في التعليم والصحة والتشغيل والتدريب، حتى تزدهر الشخصية الإنسانية في ضوء مبدأ أساسي هو تكافؤ الفرص حيث تختفي كل صور المحسوبية والفساد، ويتاح للأكفاء والموهوبين والمبدعين في كل مجال أن يتقدموا الصفوف ويرتقوا -بجهدهم وعرقهم- في السلم الاجتماعي.

غير أنني لو دخلت في مناقشة الأفكار النظرية الخاصة بالقيم، والعلم الاجتماعي زاخر بها، ستتحول الكتابة إلى تدريب نظري ممل قد لا يلاقي قبولاً من جمهرة القراء.

ولذلك قررت أن أتبع خطة أخرى سبق لي أن طبقتها حين دعتني جريدة «الصباح» القاهرية لكتابة مقال أسبوعي بها. ولما كنت حريصاً على ألا أكرر نفسي بالحديث عن الأمور السياسية، اخترت عنواناً للمقالات له دلالة وهو «أوراق من مسيرة الوطن». وتقوم فكرتها أساساً على الجمع بين بعض وقائع سيرتي الذاتية بما فيها من أخطاء في التقدير، أو شطحات فكرية، والسياق التاريخي للوطن منذ الأربعينيات حتى الآن، وذلك لإظهار الكيفية التي كانت بها القيم تمارس في الأجيال السابقة، وما هي العوامل التي أدت إلى تدهورها، وكيف يمكن أن نعيد ترسيخ القيم الأصيلة من جديد.

وحتى لا أتهم بالذاتية وبحب الحديث عن النفس، أقرر بكل وضوح أن الغرض الأساسي هو بيان فضل أساتذتي عليَّ في تكويني النفسي والفكري، لكي أثبت مقولة أساسية هي أن القدوة في المراحل التعليمية المختلفة من أهم الأمور في التنشئة الاجتماعية السليمة للأجيال المختلفة.

في مدرسة «رأس التين الثانوية» كان أستاذ التاريخ المرموق هو محمد علي صفر، الذي فاجأنا في إحدى حصص التاريخ ونحن في السنة الثالثة ثانوي بقوله أغلقوا كتاب الوزارة، سألقي عليكم محاضرة عنوانها «أحمد عرابي المفترى عليه».

كانت الأسرة الملكية قد اتخذت موقفاً عدائياً من مسيرة الزعيم أحمد عرابي الذي ثار ضد الخديوي «توفيق» وأشعل الثورة العرابية، وإذا بالأستاذ «صفر» يعطينا درساً مبكراً في التزييف الذي يدخله التاريخ الرسمي على بعض الشخصيات الوطنية، ويلفت نظرنا ونحن بعد في مرحلة الصبا إلى أهمية التدقيق والرجوع إلى المصادر الأصيلة في مجال تقييم الشخصيات التاريخية.

حين دخلت كلية الحقوق كان الدكتور «سعد عصفور» هو أستاذ مادة القانون الدستوري، وكان شخصية مهابة يتمتع بالعلم الغزير. وقد اتخذ «عصفور» موقفاً مضاداً لثورة 23 يوليو 1952 حين ألغى الضباط الأحرار دستور عام 1923 وكان يقود ندوات في الكلية يعارض فيها سياسات الثورة، ويدعو لعودة الأحزاب السياسية ورجوع الضباط الأحرار إلى ثكناتهم.

ومن الطريف أنه بالرغم من تقديرنا الكبير للدكتور «عصفور» إلا أننا كنا نختلف معه في رأيه، لأننا كنا قد كفرنا بالأحزاب السياسية، واعتبرنا أنفسنا من أبناء الثورة. ولم يكن الرجل يضيق بهذا الاختلاف في الرأي، أو يعتبرنا متمردين عليه وهو أستاذنا.

ولكن الدرس الحقيقي الذي تعلمناه على يديه يتمثل في أن طالباً وجه له سؤالاً فقال له أنا لا أعرف الإجابة على السؤال، ولكن أعدك أن أذهب لمكتبة الكلية لأبحث الموضوع وسأخبرك بالنتيجة الأسبوع القادم.

وفي الأسبوع التالي وجه حديثه للطالب قائلاً لقد بحثت الموضوع وتبين لي أن هناك إجابتين على السؤال. الأولى تقول كذا، والثانية تقول كذا، وأنا أرجح الإجابة الثانية. انتهى الدرس الذي لم ننسه طوال حياتنا العلمية، وهو ألا تخجل من أن تقول لتلاميذك أنا لا أعرف الإجابة، وأنها هي بنت البحث، وأهم من ذلك أن الحقيقة نسبية وليست مطلقة، ومن هنا تتعدد اجتهادات الباحثين، وتتنوع آراء السياسيين في أي موضوع مطروح.

أما في بيئة العمل فقد كنت محظوظاً أن أعين باحثاً مساعداً عام 1957 في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية الذي أسسه وأداره لسنوات طويلة أستاذي الراحل الدكتور أحمد خليفة، الذي أعطانا دروساً لا تنسى في الإدارة الديمقراطية لمراكز البحوث، وإعطاء الباحثين الحق في الاختلاف العلمي مع المدير باعتباره باحثاً علمياً، بالإضافة إلى شمول البرنامج التدريبي الذي أعده للباحثين الشباب المبتدئين، لكي يعطيهم منظوراً واسعاً للعلم الاجتماعي قبل أن يتخصصوا في فرع معين.

ومن خلال ممارسة البحث العلمي والتتلمذ على كبار الأساتذة أدركنا مبكراً قيمة العمل العلمي الجاد، والحرص على تأصيل الأفكار، والرجوع إلى المراجع الأصلية وليس النقل من المراجع الثانوية.

وكان الدكتور مصطفي سويف عالم النفس المرموق هو الأستاذ الذي أثر على جيلي من الباحثين العلميين، وطمحت إلى أن أقلد أسلوبه في الكتابة العلمية وتعمقه في البحث.

وباختصار شديد في الأسرة والمدرسة والجامعة وبيئة العمل إذا كانت هناك تقاليد راسخة وقدوة صالحة، فالاحتمال كبير في أن تنشأ أجيال متعددة تؤمن بالالتزام والجدية وباحترام القيم الأصيلة.

وأرجو ألا أكون قد تجاوزت في سرد بعض وقائع السيرة الذاتية، لأني وجدت أنها بما تتضمنه أقرب إلى تناول الموضوع المعقد الخاص بالكيفية التي نرسي بها القيم الأصيلة!

عن جريدة الاتحاد الإماراتية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق