لا فصل بين الديموقراطية والليبرالية / ماجد كيالي

بعيداً عن المعنى المباشر للصراع الجاري على السلطة في مصر، والذي يتضمّن نزع الشرعية عن حكم حركة الإخوان المسلمين، فإن هذا الصراع يرتبط، بأبعاده العميقة والبعيدة، بالصراع على معنى الدولة والديموقراطية والمواطنة، المتأسّسة على الحرية والمساواة والكرامة، من دون أي تمييز بين المواطنين، وهذا الكلام ينطبق على التيارات الدينية كما على التيارات المدنية.

القصد أن ما يجري في مصر ينضوي في إطار تعزيز، أو إنضاج، فكرة الديموقراطية بحمولاتها الليبرالية، المتعلقة بتكريس مفهوم المواطن، الفرد/المستقل، والحريات الشخصية والعامة، والمساواة بين المواطنين، واعتبار الدولة مجالاً عاماً، وليس مجالاً حزبياً، يحتكره الحزب الحاكم، أو حزب الأكثرية، أياً كانت خلفيته، علماً أن هذا الأمر لا يتعلق فقط بالإخوان المسلمين، وإنما يشمل مجمل التيارات السياسية الليبرالية واليسارية والقومية والعلمانية، في مصر وفي العالم العربي.

وهذا الفهم لدولة المؤسسات والقانون والديموقراطية، القائمة على الفصل بين السلطات، وتداول السلطة، هو لصالح الجميع، الأكثرية والأقلية، لأن الأكثريات والأقليات السياسية تخضع للتغيرات، فالحزب الذي يحقق أكثرية ما في انتخابات معينة، قد يتحول إلى أقلية في انتخابات أخرى. عدا عن ذلك، فإذا كان من حق حزب ما أن يحتكر السلطة، وأن يتحكم بالتوجهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مرحلة معينة، فهذا لا يمنحه الحق بالتحكم بجهاز الدولة، أو بصوغه حسب مزاجه السياسي. هذا هو معنى أن الديموقراطية لا تقتصر على مجرد عمليات انتخابية، وأن تحقيق أكثرية في انتخابات ما لا يعني التحكم بالدولة والمجتمع، وصوغهما على مقاس الحزب الحاكم. وهذا هو معنى الكلام عن الدستور، واعتبار الحرية والمساواة والكرامة والعدالة وتكافؤ الفرص بين المواطنين قيماً فوق دستورية.

هذه المشكلة تبدو مستفحلة عندنا بسبب عدم هضم الديموقراطية لمسألة الحرية الفردية، أو بسبب الفصل بين الديموقراطية والليبرالية، في حين انها تبدو أقل حدّية في الدول الديموقراطية في الغرب، بسبب أن ديموقراطيتها مطعّمة بقيم الليبرالية، المتعلقة بضمان الحريات الفردية والعامة، وحياد الدولة إزاء الأكثريات والأقليات السياسية، ولكونها أنجزت تحولاتها نحو الليبرالية قبل التحولات الديموقراطية، علماً انه لا يوجد نظام سياسي كامل أو نزيه، لكن هذا هو النظام الأمثل الذي دلّت عليه خبرة البشرية، في مجال النظم السياسية، حتى الآن.
راهناً، وبخصوص ما يجري في مصر، فلا شكّ فيه أن ثمة مشكلة في فهم الإخوان المسلمين للديموقراطية، ولمعنى الدستور، والمواطنة، والحريات. لكن التجربة لم تثبت أن التيارات القومية واليسارية والعلمانية، كانت أفضل حالاً في تمثلها لمقاصد الديموقراطية والدستور والحريات في الأنظمة التي تسيّدت فيها، في العالم العربي أو في البلدان الأخرى. ولا شكّ أن “الإخوان المسلمين”، في مصر وغيرها، أخطأوا في مجالات عديدة، لكننا في غضون ذلك ينبغي أن نكون واضحين، ومنصفين، إذ لا ينبغي أن ننسى أن النظم “القومية” و”اليسارية” هي، أيضاً، أسهمت في تكريس الاستبداد والتسلط، وتهميش الدولة والمجتمع، وتقييد الحريات، وتأخّير قيام دولة المؤسسات والقانون والمواطنة في عديد من بلدان العالم العربي؛ وهذه هي الملاحظة الأولى.

الملاحظة الثانية، وعلى ضوء ما يجري في مصر، والاستقطاب الحاد، بين مؤيد لحكم الإخوان والمعارض له، ثمة مخاطر من تفشّي نوع من الخطابات التي تتأسس على التشكيك والتهميش والإقصاء وكراهية الآخر والإلغاء. فهذه اللغة العدائية والعدمية، مضرّة، وغير مفيدة، في الصراعات السياسية، وهذا ينطبق على التيارات الدينية والمدنية. ومعلوم أن هذه اللغة أصلاً هي من نتاج العقليات والنظم الاستبدادية، وهي لغة من المفترض نبذها والثورة عليها، لأنها تتنافى مع الحرية والمساواة والديموقراطية، ولأنها تؤدّي إلى ترسيخ الانقسامات المجتمعية، كما تؤدي الى قيام علاقات عدائية تغذي التطرف والعنف.

الملاحظة الثالثة، وهي أن تيارات الإسلام السياسي تتحمّل مسؤولية عما جرى، كونها تبوأت السلطة، عبر الانتخابات، في مصر (كما تونس)، ولكنها تصرفت وكأن المجتمع ملك يديها لمجرد رفعها راية الإسلام، الأمر الذي أغراها بعدم الالتفات للقوى الأخرى، والتسرّع في محاولاتها بسط هيمنتها على الدولة والمجتمع، ما أوقعها في مشكلات عديدة، وأسهم في عزلها، وتراجع شعبيتها. وعدا عن تسرّعها، وعدم استفادتها من التجارب الماضية، وظنّها أن الطابع الديني يحميها من النقد، والمساءلة، فإن خطأ التيارات الاسلامية، كغيرها من التيارات الحاكمة التي سبقتها، والتي برّرت نفسها بأيديولوجيات مطلقة، يكمن في محاولتها الهيمنة على الدولة وتحويلها من مجال عام إلى مجال حزبي، وفرض وجهات نظرها على المجتمع بوسائل قسرية وزجرية، واعتبار ذاتها تحتكر الحقيقة، ووضع المنتسبين إليها فوق المجتمع.

الملاحظة الرابعة، وبغضّ النظر عن كيفية سير الأمور، فإن الشعب المصري بات اليوم يعيش حالاً من الانقسام، بين مؤيد لحكم الإخوان ومعارض لهذا الحكم، وهذا يعني أن ثمة ازمة سياسية بلغت مرحلة الاستعصاء. لكن ينبغي الانتباه، على الرغم من كل ذلك، أنه لا حل لهذا الاستعصاء البتّة بالطرق غير السياسية، لأن طريق العنف يعزّز الانقسام السياسي، ويودي بالدولة، ويفضي الى تشقّق المجتمع، وأيضا لا حلّ ناجز بالعودة الى حكم العسكر، لأن ذلك يعيد انتاج التجارب المريرة، وربما إنتاج دورة جديدة للاستبداد. والمقصد أنه لامناص من البحث عن حلول سياسية للأزمة في مصر، وهذا لايضير الإخوان المسلمين، إن أرادوا الاستفادة من هذه التجربة، وإن أدركوا أهمية تجاوز المخاطر التي يمكن أن تنجم عن العناد بالاستمرار بالتشبث بالسلطة بعد كل ماجرى، حتى لو كانوا يمتلكون أكثرية ما، بغض النظر عن صحة ذلك أو عدمه.

والواقع فإن الدول والمجتمعات التي تتمتّع بحيوية سياسية لا يضيرها التوجّه نحو استفتاء الشعب، ولا حتى التوجّه نحو انتخابات مبكّرة، لحسم خلافاتها وانقساماتها في لحظات الاستعصاء، فحتى في اسرائيل حدث ذلك مراراً. لكن حتى لو تم التوجه نحو هذا الخيار أو ذاك، فإن الجميع معني بالاستفادة من هذا الدرس، باعتبار أن مصر لجميع المصريين، وأن شعب مصر لم يعد يحكم بالطريقة السابقة، وأن الحرية والمساواة والكرامة قيم عليا لا ينبغي المسّ بها، ولا التمييز بشأنها بين المواطنين، ولا لأي سبب، هذا ينطبق على مصر وعلى غيرها، وعلى الاخوان المسلمين والإخوان العلمانيين.

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق