ليس هناك مجتمع في غياب القيم! / السيد يسين

مقالتي الماضية وعنوانها، «انقلاب القيم بعد الثورة» (2 مايو 2013) لم تكن أول مرة أعالج فيها موضوع القيم، سواء في نشأتها وتطورها وتغيرها، أو في انهيارها كلية في بعض فترات الركود التاريخي. ويشهد على ذلك مقالي في الأهرام المسائي بتاريخ (19 سبتمبر 2009) وعنوانه “صراع القيم في مجتمع متغير” الذي ضمنته بعد ذلك كتابي الذي صدر بعد 25 يناير بعنوان “ما قبل الثورة: مصر بين الأزمة والنهضة” (نهضة مصر 2011) ويضم النقد الاجتماعي العنيف الذي وجهته للسياسات المنحرفة التي سادت في عصر الرئيس السابق مبارك.

والسؤال هنا كيف طرحنا مشكلة القيم في عصر ما قبل الثورة؟ عالجنا مشكلة القيم في إطار تحليلنا النقدي للكتاب الذي أصدره مركز البحوث المستقبلية التابع لمركز دعم القرار بمجلس الوزراء وصدر عام 2009 بعنوان “أجنحة القيم”، وأشرف على تحريره دكتور محمد منصور وسماء سليمان، وقد وردت على لسان بعض المشاركين في هذا الكتاب تعميمات مرسلة حول وضع القيم السائدة في المجتمع المصري، منها مثلاً “أن هناك تدهوراً في القيم السائدة في المجتمع المصري”، أو أن هناك حاجة للبحث عن منظومة قيم إيجابية وتخليق تركيبة نفسية سوية وصحيحة ومتوازنة تنير الطريق، وتقود الفكر وتضبط السلوك وتوجه العمل”.

وكانت وجهة نظرنا بإيجاز أننا في حاجة إلى تقديم وصف سوسيولوجي متكامل لحالة القيم في المجتمع المصري. وسنلاحظ -لو قمنا بذلك- أنه في أي فترة تاريخية هناك هبوط لبعض القيم الإيجابية القديمة، ولكن -على العكس- قد نجد صعوداً لقيم جديدة فعالة لم تكن موجودة من قبل، تكون مؤشراً على تشكيل اجتماعي مستقبلي يتفق مع روح العصر، ويتآلف مع التغيرات الأساسية التي لحقت بالمجتمع المصري.

وقلنا إن من المؤكد أن هناك في المجتمع الآن هبوطاً في قيمة إتقان العمل نتيجة عوامل شتى، أهمها سلبيات النظام التعليمي وتدهور مستويات تدريب القوى البشرية، ولكننا في الوقت نفسه نلاحظ صعود قيم جديدة أهمها زيادة معدلات المصريين الذين يتفاعلون إيجابياً مع معطيات الثورة الاتصالية الكبرى، وفي قلبها شبكة الإنترنت.

لقد أدرت هذا الحوار قبل ثورة 25 يناير، حيث كان المجتمع -تحت وطأة السلطوية الغاشمة- يتسم بالاستقرار النسبي للأوضاع الاجتماعية على رغم الظلم الاجتماعي الذي لحق بملايين المصريين نتيجة لسياسات النظام السابق المنحرفة والمنحازة لأهل السلطة ورجال الأعمال الفاسدين.

واندلعت ثورة 25 يناير بما أدت إليه من انفجارات سياسية واجتماعية وثقافية، ما أدى إلى التغيير الجوهري في وضع مشكلة القيم. ونحن الآن لسنا بصدد مشكلة “تدهور القيم” التي ناقشناها قبل ذلك، ولكن بإزاء نسف نسق القيم بالكامل بعد الثورة، نتيجة انقلابات سياسية واجتماعية وثقافية عميقة الغور.

ولا يمكننا أن نفهم هذه الظاهرة الجديدة بغير إعادة التركيز على الملامح الأساسية لخريطة المجتمع المصري بعد الثورة، كما رسمناها من قبل في مقالاتنا الماضية.

وقد عددنا في هذا الصدد خمسة ملامح أساسية. الملمح الأول، سقوط دور المثقف التقليدي وصعود دور الناشط السياسي. والملمح الثاني، الانتقال من حركة الجماهير التقليدية إلى ظاهرة الحشود الجماهيرية. والملمح الثالث التناقض بين الشرعية الثورية (التي تقدس الإضرابات بلا حدود والاعتصامات بلا توقف) والشرعية الدستورية، والملمح الرابع والخطير، وهو نسف التراتبية الاجتماعية في كل المجالات، أي التمرد على السلطة أياً كانت سياسية، أو إدارية، أو جامعية أو حكومية.

والملمح الخامس والأخير، إصرار الجماهير على المشاركة الفعالة في عملية اتخاذ القرار على المستويات الكلية والجزئية، وليس ذلك فقط، ولكن الرقابة على تنفيذ القرار أيضاً.

وهذا الملمح -على سبيل القطع- من أعظم إيجابيات ثورة 25 يناير. وبناء على هذه الملامح الجديدة للمجتمع بعد ثورة 25 يناير ظهرت أنساق جديدة “فوضوية” من القيم قضت على الأنساق القديمة، وأصبحت هي الموجهة لسلوك النخبة والجماهير على السواء. وهي الظاهرة التي أطلقنا عليها “الانقلاب في مجال القيم”، والتي تعني تمرد الجماهير المطلق على السلطة بكل أنواعها.

وما يؤكد ذلك الملاحظات الميدانية التي أشارت إلى وقائع حصار العمال لمديري المصانع أو ملاكها لإجبارهم على إصدار قرارات مالية يطالبون بها عن حق أو عن غير حق، وحصار الطلبة لعمداء الكليات، أو ممارسة العنف الصريح من دون الاعتداد بالقيم الجامعية، مما أدى مثلاً إلى إغلاق جامعة عين شمس وإغلاق جامعة مصر الدولية بعد أن قام الطلبة بالهجوم الإجرامي على مباني الجامعة، وعديد من احتجاجات الموظفين ضد المديرين والمطالبة بإقالتهم، ناهيك عن حوادث قطع الطرق، سواء في قلب القاهرة أو في الأقاليم. وكل هذه الظواهر الفوضوية نتجت عن اتساع الفجوة بين الأجيال، وعدم اعتداء أجيال الناشطين السياسيين بالمثقفين التقليديين، وعدم الاعتراف بخبراتهم الطويلة.

هم -بكل اختصار- يريدون أن يديروا البلاد من الشارع، وبلا رؤية محددة، وبلا تخطيط، وبلا أي نظرة مستقبلية. بل إن النخب السياسية المتصارعة من أجيال أكبر منهم تنعدم لديهم تماماً الرؤى الاستراتيجية، أو تظهر في شكل تهويمات مستقبلية لا أساس لها.

ومما لا شك فيه أن الانتقال من حركة “الجماهير التقليدية” إلى “موجات الحشود الجماهيرية” بما يسودها من فوضى، وما يترتب عليها من عدوان على المنشآت، كل هذه الحشود تمثل خطورة بالغة على الاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي، وذلك بحكم تحولها المؤكد من “السلمية” الشعار الأثير لثورة 25 يناير إلى العنف الصريح. ومن هنا أصبح من الضروري تقنين حق التظاهر وحق الاعتصام بعد ما سادت الفوضى كل المجالات.

ولا يمكن الانتقال الآمن من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية إلا إذا امتنعت جماعة “الإخوان المسلمين” الحاكمة عن فرض الدستور على الشعب بالقوة، نتيجة إجراءات باطلة، سواء في تشكيل لجنة الدستور، أو في إجراءات الاستفتاء، أو في فرض قانون للانتخابات يحقق فقط مصالح الحزب السياسي الحاكم.

غير أن أخطر مظاهر الانقلاب في القيم نسف قواعد “التراتبية الاجتماعية” تحت شعار “مفيش حد أحسن من حد”، حيث تسود ظواهر التمرد المطلق على السلطة.

وإن لم تتم مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة في ضوء ترسيخ مبدأ حقوق المواطن وواجباته، وضرورة مراعاة القيم الراسخة في مجال التعامل بين الرؤساء والمرؤوسين لن تسقط الدولة فقط، ولكن سيسقط المجتمع أيضاً!

عن جريدة الاتحاد الإماراتية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق