ماذا يحدث في تركيا؟ / السيد ولد أباه

رغم أن شعارات «الربيع العربي» ترددت في «ميدان تقسيم» بوسط إسطنبول خلال الانتفاضة الحالية التي هزت تركيا، فإن المقارنة مع حركية الاحتجاج العربي لا تخلو من تعسف ومبالغة.

سمعت أيضاً في ميدان «تقسيم» شعارات التمرد الطلابي الأوروبي في مايو 1968، بل ترددت فيه شعارات كمونة باريس عام 1871 التي راهن عليها ماركس ميلاداً للعالمية العمالية التي ستحقق الثورة الاشتراكية الكونية.

حن إذن أمام انتفاضة من نمط مغاير للربيع العربي، حتى لو كان من الخطأ التقليل من أهميتها وتأثيرها على التجربة التركية المعاصرة والنموذج السياسي الذي تقدمه للمجال العربي الإسلامي بمفهومه الأوسع.

تتشكل الحركية الاحتجاجية التركية من مكونات متعددة، ولا يمكن تلخيصها في «صراع علماني- إسلامي» حول الهوية والشرعية ونمط التوجه الفكري والأيديولوجي. لم يرفع المتظاهرون شعار سقوط النظام بل تنحية رئيس الحكومة، ولم يطالبوا بإصلاحات دستورية لتغيير طبيعة الحكم الذي لا خلاف حول شرعيته الديمقراطية، بل من المثير أن المطالب الطبقية والاجتماعية كانت محدودة، فلا خلاف على أن عهد حزب «العدالة والتنمية»، الذي تولى مقاليد الأمر في تركيا منذ 2002 حقق للبلاد طفرة اقتصادية كبرى في ظرفية إقليمية ودولية متأزمة. وتضاعف الدخل القومي التركي في عقد واحد أربع مرات، وانتفت المديونية الخارجية وتحولت تركيا إلى القوة الاقتصادية العالمية التاسعة.

تنضاف إلى هذه المكاسب الاقتصادية التي لا غبار عليها إنجازات سياسية بديهية في مقدمتها توطيد مسلك الديمقراطية التعددية، والتناوب السلمي على السلطة، وإزالة الهيمنة العسكرية على الحقل السياسي بتقليم أظافر قادة الجيش المتنفذين، مع بعض الخطوات الجدية لحل المشكل الكردي المعقد، الذي كلف البلاد خلال الثلاثين سنة الأخيرة 45 ألف ضحية.

ما هي إذن نقطة الظلام في هذا المشهد المثالي التي تفسر الانتفاضة الاحتجاجية الحالية؟ وما الذي حوّل موضوع اقتلاع غابة في ميدان عمومي إلى «ثورة» عارمة لم تتراجع خلال أسبوع كامل؟

تتعين الإشارة هنا إلى أن الحركية الأخيرة، وإن انطلقت على يد مجموعات يسارية راديكالية وإيكولوجية، فإنها استقطبت جموعاً غفيرة من شتى الاتجاهات والمشارب الأيديولوجية والمكونات الاجتماعية، ولم يكن الصراع الديني- العلماني مؤثراً فيها على عكس الصورة السائدة.

فمن البديهيات أن تجربة حزب «العدالة والتنمية» لم تضعف أو تقلص النموذج العلماني الأتاتوركي، بل لعلها منحته شروط الاستقرار والتجذر من خلال المصالحة مع القوى الاجتماعية المحافظة، التي هي اليوم العمود الفقري لما يطلق عليه تجاوزاً «الإسلامية التركية».

وتنحدر هذه النخب المحافظة إجمالاً من منطقة الأناضول وتتشكل أساساً من البورجوازية الصناعية والتجارية المتدينة والنشطة، التي أطلقت عليها بعض الدراسات الاجتماعية تسمية «الكالفينيين الإسلاميين» (تشبيهاً بالتجربة البروتستانتية المسيحية وعلاقتها المعروفة بنشأة الرأسمالية الصناعية في الغرب).

ومن الواضح أن النموذج الذي بلوره حزب «العدالة والتنمية» وقاده بنجاح مطرد رئيس الوزراء التركي الحالي، أفضى إلى الجمع بين ديمقراطية انتخابية ناجعة متمحورة حول حزب مركزي قوي له قاعدة مجتمعية مستقرة وفاعلية تعبوية كثيفة، ونمط من الرأسمالية التجارية الاستهلاكية القائمة على الاتساع والتمدد السريع على الطريقة الصينية.

وإذا كانت هذه التجربة قد مكنت من تحسين نوعي لمستوى عيش المواطن التركي، وسمحت لأول مرة في تاريخ البلاد بتوسع الطبقة الوسطى التي أصبحت أغلبية السكان، فإنها عانت من ثغرات حقيقية، نشير من بينها إلى معطيين أساسيين:

أولهما: انهيار معادلة التوازن التقليدي، التي قام عليها الحقل السياسي بين مكوناته الثلاثة :التيار العلماني الجمهوري والتيار اليساري الراديكالي والاتجاه الليبرالي المحافظ. فمن الواضح من استعراض نتائج الانتخابات البرلمانية في العقد الأخير أن الحزبين العريقين اللذين قامت عليها الحياة السياسية التركية الحديثة (حزب الشعب الجمهوري والحزب الديمقراطي) تراجعا بشدة بحيث لم يعودا قادرين على منافسة الحزب الحاكم، الذي يهيمن بالكامل على الحقل السياسي. ومن طبيعة انهيار معادلة التوازن السياسي أن تفضي إلى تقليص الحريات الفردية والعامة، وإلى تكريس هيمنة الزعامة الفردية والأحادية الحزبية، خصوصاً بعد تقويض الدور السياسي للمؤسسة العسكرية، التي اضطلعت في حدود معينة بجانب من مسؤولية حفظ التوازن السياسي. وتفسر هذه المعطيات تركز خطاب النقمة الاحتجاجية على رئيس الحكومة «أردوغان»، الذي تحول إلى زعيم أوحد من دون منافس، في وقت يجري الحديث حول ترشحه للانتخابات الرئاسية المرتقبة في السنة المقبلة لتأمين استمرارية تحكمه في سلطة القرار.

ثانيهما: انحسار المجال العمومي تحت وطأة نمط الاقتصاد التجاري الاستهلاكي، مما يفسر رمزية الاحتجاج من ميدان «تقسيم» والدفاع عن متنزهه، الذي هو دفاع عن المجال العمومي في مواجهة منطق السوق وتمدد المركبات التجارية- الصناعية التي تزايدت بوتيرة مذهلة في تركيا خلال السنوات الأخيرة. نلمس هنا جانباً من خطاب الحركة الاحتجاجية قريباً من حركة العولمة البديلة، التي انتشرت على نطاق واسع في بلدان أميركا الجنوبية. ما يجري في تركيا حاليا ليس إذن ربيعاً عربياً وميدان تقسيم ليس «ميدان التحرير» المصري، وما تشهده البلاد هو في واقع الأمر أقرب للحركات الاحتجاجية المألوفة في المجتمعات الديمقراطية، وان كان مظهراً جلياً لاختلالات حقيقية في النموذج التركي الذي يقدم مثالاً للاستنساخ عربياً.

إن ما تبينه التجربة التركية هو أن الديمقراطية قد تجد نفسها في خطر، لا من جراء النقص في الحريات أو القصور في آلية التمثيل السياسي والمنافسة الانتخابية، وإنما من جراء عجز النظام السياسي عن استيعاب التنوع المجتمعي في تلويناته المختلفة، بحيث تتحول الآلية الإجرائية في الديمقراطية إلى ما كان «دي تكتوفيل» قد أطلق عليه «ديكتاتورية الأغلبية». أفضت انتفاضة مايو 1968 إلى تحرير فرنسا من سطوة أب التحرير والديمقراطية (الجنرال ديغول)، فهل ستفضي انتفاضة ميدان «تقسيم» إلى تحرير تركيا من هيمنة أب الاستقرار الديمقراطي والطفرة التنموية؟

عن جريدة الاتحاد الإمارتية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق