مثقّف “الممانعة” وعقدة النفط / عمر قدور

عندما كنا صغاراً في المدرسة كانت كتب “التربية القومية” تعلمنا أن النفط جلب النقمة لـ”الوطن العربي”، فالاستعمار أتى إلينا طلباً له، وتقسيم المنطقة من قبل سايكس/بيكو جاء بناء على مطامع الغرب في النفط، أما “زرع” إسرائيل في المنطقة فليس بعيداً أبداً عنه؛ إنها المؤامرة العالمية الكبرى التي تستهدف “نفطنا” والسيطرة الدائمة عليه. النفط وفق تلك الكتب يخص دول الخليج تحديداً، مع أننا في مكان آخر كنا مضطرين، أو مدفوعين بالحماس الوطني الساذج، إلى التغني بثروات بلدنا سوريا ومنها النفط، من دون أن تخفي تلك الكتب احتفاءها بالعامل البشري الذي تمتاز به بلدنا عمّا سواها، حيث لا يصعب على أذهاننا نحن الأطفال فهم الغمز الموجّه أيضاً إلى دول الخليج. في المحصلة كان علينا أن نفخر بثروات بلدنا ومنها النفط، من دون أن نفكر في أننا بلد نفطي أيضاً، إذ لا يعقل أن نصم سوريا بالوصمة التي يختص بها النفط كنقمة، ولا يعقل أن نصمها أيضاً بالعمالة التي يأتي بها النفط لأنظمته.
النفط.. النفط؛ يا لتلك العقدة التي تربت عليها أجيال! فخريجو مدارس الممانعة وثقافتها لا يغيب عن بالهم أثر النفط أينما توجهت أفكارهم، هم فقط يتجاهلونه عندما يكون في بلدان أخرى سوى بلدان الخليج. العراق، ليبيا، الجزائر، سوريا، وأخيراً إيران؛ هذه ليست بلداناً نفطية، لذا ليس من مبرر للتساؤل عما آلت إليه أموال النفط فيها. ليس من مبرر للتساؤل عن ثروات المسؤولين وأولادهم في هذه الدول، ولا التساؤل عن كيفية إنفاقها، لأن فضائح من هذا القبيل يختص بها الأمراء وأبناؤهم، وحينها ينبغي أن ترتفع أصواتنا عالية، لأن الأمراء يبذرون ويهدرون “ثروتنا” على ملذاتهم الشخصية.

لا ينفي ما سبق ذهاب أجيال متعاقبة للعمل في دول النفط، حتى إن لم يُتح لتلك الأجيال نعمة السؤال عن مصير الثروات الطبيعية والغنى اللذين تتمتع بها بلدانها. الذهاب إلى الخليج، وفق هذا المنظور، هو استرداد لحق الذاهبين في الثروة التي تُهدر دونما حساب. علينا ألا ننسى هنا “العامل البشري” الذي يدفع أهل النفط للاستعانة بهم، فالقسمة “الحضارية” لا تقبل أن تكون تلك الدول بحاجة إلى العمالة بموجب التطور الاقتصادي الذي تشهده، ولا أن يكون مرور العمالة بين هذه الدول شأناً معتاداً من شؤون الاقتصاد والتجارة الحرّين، اللذين يقتضيان حركة عبور للبضائع وللبشر.

وأن يكون النظام السوري تلقى، إثر حرب تشرين، مساعدات من دول النفط فذلك لا يشفع لها أبداً، إذ يفترض، هو ومثقفوه المقاومون والممانعون، أنه حصل على نزر يسير من “حقه” في هذه الثروة. ثم أن يشتم النظام الدول ذاتها في عقد الثمانينات عندما تجف المساعدات، ويعود لتلقيها في التسعينات مخففاً من لهجة العداء؛ تلك أيضاً مناورة مقبولة للحصول على “المال المشاع”، ولا ينبغي لأحد التساؤل عن مصير مليارات الدولارات التي دخلت إلى البلد وخرجت منه إلى حسابات مصرفية سرية. الحسابات المتخمة لمسؤولي النظام لا تشفع لأثرياء الخليج، لأن النفط يبقى “كريهاً”، باستثناء “المال الطاهر” الحلال الذي يأتي من نفط آخر!.

قد نقول إنها عقدة المحروم تجاه الجار الثري، لكنها تعبر عن نفسها كأيديولوجيا لا تتزحزح، أيديولوجيا تتناسل عبر أجيال من مثقفي المقاومة، الذين تبدو كراهية النفط كلمة مفتاحية فيما بينهم. لا يغيّر من الأمر أن بعضهم قد استفاد بشكل مباشر أو غير مباشر منه، ولا يغير من الأمر أيضاً أن بعضهم بدّل مواقفهم مرات حسب التمويل الذي يتقاضاه. البوصلة هنا مهما انحرفت تعود لتشير إلى الجوهر الذي يتعلق بالثروة قبل كل شيء، وبحيث يتبدى العداء لإسرائيل في كثير من الأحيان مشروع ابتزاز لدول النفط، إذ يتحتم على الأخيرة التعويض عمّا يُنفق في انتصارات وهمية، فالحسابات قد تخطئ في شأن الحرب مع إسرائيل، لكنها لا تخطئ أبداً في شأن كلفتها والمصادر المفترضة لتعويضها.

هي اللعنة الأبدية كما يبدو، فلا ينفع مع مثقفي الممانعة أي حوار فيما أنجزوا ضمن بلدانهم، أما المقارنة مع الدول الملعونة فتبدو كفراً أو عمالة للنفط في أدنى الحالات. وفق هذا التصور المطلق؛ لا إيجابية يمكن تسجيلها، أو تخيلها، لدول النفط. ذلك لا يتوقف أيضاً عند حكوماتها بل يتعداها إلى الشعوب، إذ يصعب حتى على العروبيين من دعاة الممانعة النظر إلى أهل الخليج على قدم المساواة مع العرب الآخرين؛ هنا تتكشف الدعاوى القومية عن عنصرية تحجب الأهلية عن دول بأكملها، وتحيلها بحكوماتها وشعوبها إلى مجموعات من القُصّر الذين لا تجوز عليهم سوى الوصاية، إذ لو كانت اللعنة موجهة فقط إلى الحكومات، لنالت شعوب الخليج شيئاً من التعاطف على الأقل، ولو في هذه الحالة بوصفها شعوباً مغلوبة على أمرها.

مثقف الممانعة حداثي بطبعه، ولكن لا ينبغي سؤاله عما أنجزته أنظمة الممانعة من حداثة فعلية، وأول ذلك لا ينبغي سؤاله عن اقتصار اهتمامه على ريع النفط بينما تتجاوز الحداثة أمر استخراج الثروات الطبيعية إلى مسألة خلق الثروة ورسملتها. مثقف الممانعة، الذي لا بد أنه قرأ ملخصاً ما عن الاقتصاد السياسي الماركسي، يتذكر مما قرأه فقط توزيع الثروة وينسى قيمة العمل، باعتباره مصدر القيمة وفائضها. فوق ذلك ينسى بخاصة العامل البشري الذي يتغنى به وتضعه مؤشرات التنمية المستدامة في طليعة اهتماماتها، بل هو لا يخفي ريبته إزاء الأرقام المتدنية التي تنشرها مؤسسات دولية عن حال دول الممانعة، وإذا حدث أن أشارت تلك المؤسسات إلى تقدم ما في دول النفط، فهذا إثبات فوق كل الشكوك لفرضية أن المؤسسات الدولية تضع أرقامها بإيعازات من الإمبريالية العالمية، وتهدف للترويج لثقافة النفط!

ليس مستبعداً بالطبع أن يسارع المثقف ذاته إلى اتهام كاتب هذه السطور بالارتهان والعمالة للنفط، هذا إن سولت له نفسه “العفيفة” قراءتها، فجلّ اهتمامه ينصب على الدوافع التي لا بد أن تكون خبيثة ومدفوعة الأجر لقاء أي نقاش. لا يفيد هنا القول بأن ما سبق لا يمتدح أية تجربة نفطية، وأن النقاش موجه إلى الذين يحسبون أنفسهم خارج لعنة النفط، سواء أكانت دولاً نفطية أو غير نفطية، فبمقدار ما يكون السؤال لديه ملحاً عن كيفية إنفاق الريع النفطي يتهرب من الأسئلة المقابلة، ويُرجع إخفاقات أيديولوجيته إلى المؤامرات الكبرى، ومنها الغزو الثقافي الذي تحمله ثقافة النفط!

أما فيما يخص الثورة السورية، فيكفي تلقيها بعض المساعدات من دول الخليج لتوصم بالعمالة والأصولية، لا يشفع لها أن النظام الذي تحاربه تلقى أضعافاً مضاعفة من الدول نفسها تحت شعارات المقاومة والممانعة، فأموال النفط يتم تبييضها فقط عندما تذهب إلى أيادي مَن يشتمونها ليل نهار. أولئك الذين يصوبون عيناً على إسرائيل، ويمدون يدين اثنتين من تحت الطاولة، من المرجح أنهم لا يملكون أدنى استعداد للتعافي من لوثتهم، طالما أنها تتيح لهم فرض الأتاوات على الآخرين. بالتأكيد هناك بسطاء غيرهم صدّقوا كتب التربية القومية، لكن قسماً لا يستهان به منهم، عينه الآن وقلبه على سوريا فقط، بعد أن أدرك الحرية بوصفها الثروة الأبقى.

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق