محكمة حنه أرندت / زكي بيضون

تعرض الصالات الفرنسية حالياً فيلماً لمارغريت فون تروتّا عن الفيلسوفة السياسية الألمانية واليهودية حنه أرندت. ليس الفيلم بأي شكل من الأشكال سيرة ذاتية عن حياة مؤلفة كتاب «أصول الشمولية (التوتاليتارية)». إذا استثنينا بعض اللقطات الفلاش باك عن العلاقة العاطفية والإشكالية التي ربطت حنه أرندت الشابة بأستاذها هيدغر، الفيلم يتناول حصرياً محطة محددة وإشكالية من حياة الفيلسوفة وهي تغطيتها لمحاكمة مجرم الحرب النازي أدولف أيشمان في القدس كمراسلة لصحيفة نيويوركر. نذكّر هنا بأن أدولف أيشمان هو الضابط الألماني الذي أوكلت له مهمة الإعداد للمحرقة والإشراف عليها. قبل ذلك كان سبق لأرندت أن استجلبت على نفسها عداء شريحة واسعة من المثقفين اليهود بسبب مواقفها الرافضة للسياسة الصهيونية الاستعمارية وممارساتها (العديد لم يتورعوا حتى عن اتهامها بمعاداة السامية)، إلا أن ذلك ليس بشيء إذا قورن بشراسة الحملة التي تعرضت لها بسبب قراءتها للمحاكمة. يبدأ الفيلم مع حدث خطف أيشمان في الأرجنتين على يد الموساد الإسرائيلي وبدء الإعداد لمحاكمته. إثر تلقيها الخبر، قامت أرندت بمراسلة إدارة صحيفة نيويوركر وعرضت عليهم تغطية المحاكمة لحسابهم. لم يكن بوسع الصحيفة بالطبع إلا أن ترحب بهذا العرض آخذةً بالاعتبار مكانة الفيلسوفة وسمعتها. قبل سفرها إلى القدس، نرى أرندت مستلقية على الكنبة تدخن سيكارتها وتسترسل في الخواطر كما في عيادة الطبيب النفسي، وهو مشهد يتكرر على نحو منتظم طوال الفيلم. في تقريرها الذي كان له وقع الصاعقة، اعتبرت أرندت أن أيشمان هو أقرب إلى المهرج منه إلى الوحش وقدمته كبيروقراطي تافه مسلوب الإرادة وعاجز عن التفكير بذاته أو اتخاذ أي مبادرة شخصية، أي مجرد قطعة في آلية جهنمية وضعها النظام النازي. اختارت تصديقه حينما قال انه لم يفعل سوى تنفيذ الأوامر وأنه شخصياً لا يكن أي عداء لليهود ولم تعتبر أنه اختار واعياً أن يعطي هذه الصورة عن نفسه لكي ينجو بجلده. كذلك لم تتورع عن تسليط الضوء على نقطة غاية في الحساسية في تاريخ المحرقة كانت أثيرت خلال المحاكمة وهي تعاون عدد من المسؤولين اليهود والصهاينة مع النازيين.

إثر نشر التقرير، شنت شريحة واسعة من المثقفين اليهود وغير اليهود (وبينهم بعض أعز أصدقاء المفكرة) حملة عنيفة على أرندت واتهمتها بالدفاع عن مجرم الحرب النازي والوقوع في لعبته، كما اتهمتها بتحميل اليهود وزر المحرقة (هذا عدا شتائم وتهديدات اليهود الأميركيين التي انهالت عليها من كل حدب وصوب)، وهي اتهامات رفضتها أرندت واعتبرتها ناتجة من قراءة مغرضة وتحريفية لتقريرها.

يمكن أن يأخذ على الفيلم وقوعه في فخ أيقنة (من أيقونة) البطلة وتناولها في صورة ملحمية بدلاً من التعامل معها كامرأة من لحم ودم. يمكن أن يأخذ عليه كذلك معالجته السطحية والمتسرعة لعلاقة أرندت مع هيدغر، الأمر الذي قد يعود إلى عدم إلمام المخرج وكاتب السيناريو بالفلسفة. مثلاً في مسعى رمزي ساذج، تُظهر الكاميرا على نحو منتظم صورة كبيرة لسارتر إلى جانب صورة صغيرة لهيدغر على مكتب أرندت. لا يحتاج المرء إلى الكثير من الإلمام بتاريخ الفلسفة ليدرك أن فيلسوفة ألمانية تتلمذت على يد هيدغر مثل أرندت لم تكن بالتأكيد تعتبر سارتر مرجعاً (حتى هيغل وقتها لم يكن مترجماً بعد إلى الفرنسية وهيدغر لم يكن يأخذ سارتر على محمل الجد). عدا ذلك الجدل الفكري بين هيدغر وأرندت الذي يظهر على شكل لقطات فلاش باك مغرق في الكليشيهات الوجودية والفهم الشعبي للفلسفة. في المقابل، يمكن القول بأن الفيلم نجح في معالجة موضوعه المحوري بشكل واف. أكثر من أي شيء آخر، الفيلم يسلط الضوء على نزاهة أرندت الفكرية. ليس من السهل على امرأة ألمانية يهودية خبرت معسكرات الإبادة النازية أن تتخذ موقفاً حيادياً وموضوعياً من الصراع العربي الإسرائيلي، وذلك في وقت كانت فيه المحرقة أعمت الجميع في أوروبا. نذكّر هنا بأن أرندت لم تنتظر نهاية الحرب العالمية الثانية حتى تبدأ بانتقاد واستنكار السياسة الصهيونية الإستعمارية. كذلك ليس من السهل على امرأة كهذه أن تضع تجربتها جانباً وتصدر حكماً حيادياً وموضوعياً على جلادها، وهذا ما فعلته في محاكمة أيشمان. حين اتهمها صديقها كورت بلومنفيلد بأنها تكره الشعب اليهودي أجابت أرندت بأنها تكره كل الشعوب ولا تقدر سوى الأفراد (من المفيد لفت النظر هنا بأنها حين تتكلم عن الشعب اليهودي إنما هي تقصد اليهود الأوروبيين، أي الأشكيناز الذين كان لهم لغة خاصة بهم تدعى «الييديش» لا علاقة لها بالعبرية). بالنسبة لأرندت على المفكر الأصيل أن يتحرر من كل انتماء وأن ينظر إلى نفسه كفرد أولاً، مقولة لا تنطبق بالتأكيد على معظم المثقفين العرب الّذين يفصّلون فكرهم على مقاس طوائفهم وقبائلهم. وجهة نظر أرندت واضحة والفيلم ينقلها بأمانة: الشر الراديكالي لا يقوم به أفراد بل جماعات تبتلعها ثقافات وأنظمة شمولية، لا يقوم به وحوش بل أفراد لا يفكرون.

عن جريدة السفير – المبحق الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق