مسرحية موت فايسبوكي / يوسف بزي

على الجدار الخلفي لـ”مسرح المدينة” عُلّقت شاشة كبيرة، فيما وُضع في منتصف خشبة المسرح، شبه المعتمة، أثاث غرفة مكتب شخصي، يحتوي على مشغِّل أسطوانات تقليدي، هاتف مزوّد بمجيب آلي، كومبيوتر شخصي، وتلفزيون.

هذا الأثاث “التكنولوجي”، هو كل ما احتاجه ربيع مروة ولينا صانع لإنجاز عرضهما المسرحي “33 لفّة وبضع ثوان”. هذه الأدوات الأشياء هي التي “ستؤدي” المسرحية وحدها، من دون وجود ممثلين على الإطلاق. لن يظهر طوال العرض أي شخص على خشبة المسرح. لن نشاهد مروة وصانع أبداً.

الأدوات وحدها ستقوم بالعرض كله: موسيقى، مؤثرات، حوارات، مونولوغات، سرد أحداث، بث صور وشرائط فيديو. فيما تتوزع أدوار “البطولة” بين الكومبيوتر المفتوح على جدار فايسبوكي (نراه مبثوثاً على الشاشة الكبيرة المعلقة) والمجيب الآلي للهاتف الذكي، والبث التلفزيوني المتواصل والصامت، ومشغِّل الأسطوانات.

انعدام الوجود البيولوجي التام إزاء الحضور التكنولوجي الكامل، هو ثيمة العرض أولاً. سؤال الوجود والكينونة ومآلهما. وتعريف “الوجود” يصبح عرضة للمراجعة والاستفهام. إن معنى الغياب والحضور بات متوسعاً ومتصلاً بالوسائط التكنولوجية، التي ألغت الفاصل الوهمي بين “الواقعي” و”الافتراضي”. وربما لا نجازف بالقول أن ما هو افتراضي بات مهيمناً في قلب الواقعي ومحتلاً إياه إلى حد أن كل نشاط واقعي معاصر هو نشاط افتراضي بالدرجة الأولى. الوقت الذي نقضيه في العمل الوظيفي مثلاً بات على الأغلب نشاطاً كومبيوترياً، معلوماتياً. الحياة الاجتماعية وحميمياتها وحضورنا فيها باتت مناطة بالفايسبوك ومجمل وسائط التواصل الإلكتروني. كذلك العلاقة مع الآخرين باتت علاقة هاتفية صوتاً وصورة. كل عمليات التبادل والتواصل، من العلاقات العاطفية إلى التجارة، إلى النشاط السياسي، إلى التعبير الفني والكتابة، وحتى ممارسة “التظاهر”، باتت كلها “افتراضية”.

على هذه الرؤية يتأسس عرض مروة صانع. اقتراح مسرح افتراضي بالكامل. وبهذا المعنى، يبدو هذا الثنائي، في تجربتهما الجديدة، على خطوة إضافية دوماً مما استوعبناه من اقتراحاتهما التجريبية المتوالية من عرض جديد إلى آخر، منذ “بيوخرافيا” (2002)، و”لكم تمنت نانسي لو أن كل ما حدث لم يكن سوى كذبة نيسان” (2007)، إلى “فوتو رومانس” (2009).

“33 لفة وبضع ثوان” يقوم على خبر انتحار ناشط لبناني شاب يدعى ضياء يموت، وعلى تداعيات هذا الخبر، الذي لن ندركه إلا بعد فترة من ابتداء العرض، إذ سننتبه أولاً أن غرفة المكتب هذه (وهي كل المسرح)، وبسبب استماعنا للمكالمات الهاتفية المتوالية، ولما يردده المجيب الآلي، ولمشاهدتنا وقراءتنا صفحة الفايسبوك (الشاشة الكبيرة)، هي غرفة الشاب ضياء نفسه. ويبدو من فحوى المكالمات ومما يبثّه التلفزيون من مشاهد معظمها هي أخبار تظاهرات وانتفاضات “الربيع العربي”، ومن مزاجه الموسيقي (من الرومانسية الفرنسية إلى الروك)، ومن تعليقات الفايسبوك، أن هذا الشاب “ناشط”، منغمس كلياً بالسياسة والشأن العام والأفكار الأيديولوجية ووسائل الاحتجاج وتعبيرات السخط والغضب. إنه “نموذج” لجيل شاب لبناني (وعربي) متمرّس في استخدام الوسائط التكنولوجية حد الإدمان، تتنازعه في الوقت ذاته الميول والاتجاهات والمعتقدات والقضايا تنازعاً محموماً ومضطرباً، طالما أن الأفكار والشعارات تبدو جمعاً لشظايا نظريات وتجارب واتجاهات حديثة وقديمة في الدين و السياسة والفلسفة.. والخير والشر. وهذا الجمع لا يستقر على خطاب متماسك، ولا يوطد إيماناً راسخاً، ولا يمنح أي طمأنينة.

يأتي “ستاتوس” مفاجئ كتبه أحد الأصدقاء: ضياء يموت قضى منتحراً. عندها تبدأ قضية يموت بالانتشار على مواقع التواصل الاجتماعي، وتتحول إلى قضية إعلامية وريبورتاجات تلفزيونية، وعنواناً لسجالات وستاتوسات إنترنتية. وسنعرف أن فعل الانتحار نفسه، صوّره يموت في شريط فيديو. شريط لن نراه أبداً، إذ صادرته السلطات وأخفته. خبر الانتحار سيكون على صفحته هو في الفايسبوك. خطاب الإنتحار ذاته سيكون عبارة عن ستاتوس أيضاً: “اكتشفت أن الحياة عبارة عن سجن. اكتشفت انه توجد حالة واحدة يمكن ان يكون فيها الانسان حراً، اللاوجود”

على صفحته الفايسبوكية سيتحول انتحار ضياء يموت إلى مجرد حجة لـ”تنشيط” سجالات الستاتوسات. مجرد موضوع لإستئناف التعبيرات وابداء الآراء عن الحرية، عن الجنس، عن الأخلاق، عن الموت، عن الدين، عن اليسار واليمين والثورة والطائفية والمشكلات السياسية.. الخ. تعليقات سخيفة، ذكية، تافهة، معبرة، موحية، جادة وهادئة وبذيئة ولبقة، متعاطفة ومستنكرة وساخرة وغاضبة.. الخ.

بموازاة ذلك، التلفزيون الصامت لا يتوقف عن بث كل الفيض التصويري الاخباري، المهم والمبتذل، العنيف والمضطرب. أيضاً، ثمة رسائل نصية (SMS) متوالية من صديقة يموت المزمعة على السفر من لندن إلى بيروت، والتي تواجه سلسلة من العقبات في هذه الرحلة إثر اعطال الطائرة وتبديلها بأخرى وتأخير موعد الإقلاع، متضمنة في تلك الرسائل ما يعرفنا على حياتها كفلسطينية ناشطة… وهي في آخر رسائلها ستخبره (تخبرنا) ان السلطات اللبنانية منعتها من دخول لبنان. وعلى المجيب الآلي ستتوالى سلسلة من المكالمات الهاتفية لعاشقة سابقة لضياء، تبوح بذكرياتها الجنسية معه وشوقها لاستئنافها، لكنها تستطرد في كلامها لتستغرق في مونولوغ عن اللغة والتعبير، عن القول والصمت. مونولوغ هاتفي يكشف في العمق مأزق الكلام، ويعيدنا إلى معنى الكينونة بلا لغة، أو إستحالة اللغة في مطابقة الأشياء على أسمائها.

مع هذه السياقات الثلاث: الانترنت، التلفزيون، الهاتف، يتحول انتحار ضياء يموت إلى “حياة” إفتراضية. موت الشاب لا يطفئ وجوده المستمر عبر تلك الوسائط. بل أن موته وسّع من وجوده، وتضاعف حضوره، بعدما اندلعت تلك الوسائط متناولة اسمه وقضيته من دون نهاية. حتى بعد انقطاع التيار الكهربائي لفترة وجيزة، تعود تلك “السيرة الافتراضية” لتستأنف وقائعها وحياتها. لم يستطع ضياء يموت تحقيق رغبته: اللاوجود. لم يخرج من الحياة.

بهذا المعنى، وعلى الرغم من رغبة بعض اصدقائه في رفع سوية إنتحاره إلى مصاف يوازي أثر انتحار محمد بوعزيزي الذي فجّر الثورة التونسية، تحول إنتحار ضياء يموت إلى فعل عبثي، فاقد لمعناه، على نحو ما تفعله السجالات اللبنانية العامة بأي قضية تتناولها. خصوصاً عندما تتحول إلى موضوع فايسبوكي أو عنواناً لـ”توك شو” سياسي تلفزيوني. هكذا يكون ضياء يموت ضحية مرتين: في الإنتحار، وفي كيفية تداول خبر هذا الإنتحار.

وعرض “33 لفة وبضع ثوان” لا يفعل سوى الكشف، بتهكم وقور وسخرية مكتومة، عن المأزق الوجودي ووهم كل معنى، عدا ذاك الفعل الذي يداوم عليه ربيع مروة ولينا صانع: سرد الحكايات وصنع الفرجة.

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق