مصر في مفترق طريقين ؟ / وحيد عبد المجيد

تبدو مصر هذه الأيام في مفترق طريقين، بعد أن وصل الخلاف بين السلطة والمعارضة إلى ذروته، واتجه كل من الطرفين إلى الشارع سعياً إلى دعم موقفه. فقد أُغلقت الأبواب أمام إصلاحات تصحح المسار، عبر تشكيل حكومة توافقية على أساس برنامج محدد لوقف التدهور الاقتصادي والاجتماعي والأمني، وإعادة الاعتبار إلى السلطة القضائية والاتفاق على القوانين الأساسية بمنأى عن المغالبة، ولذلك انتقلت المعارضة من المطالبة بإصلاحات في إطار شراكة وطنية إلى دعم المطالبة بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، ورفض استمرار الرئيس مرسى حتى منتصف 2016.

لقد تبنت معظم قوى المعارضة، بما فيها بعض الأحزاب المنتمية إلى ما يسمى الإسلام السياسي، منذ منتصف الشهر الماضي الدعوة التي أطلقها شباب مستقلون لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، بعد أن وجدت التفافاً شعبياً واسعاً حول حملتهم التي أطلقوها لسحب الثقة من الرئيس محمد مرسي، وأسموها «حملة تمرد».

وأثارت هذه الدعوة خلافاً تصاعد بشدة في الأسبوعين الأخيرين مع اقتراب الموعد الذي حدده شباب «حملة تمرد» لنزول المؤيدين لسحب الثقة من مرسي إلى الشارع لمطالبته بالاستقالة، وهو يوم 30 يونيو الجاري.

وكانت فكرة إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، ومازالت أهم جوانب هذا الخلاف. فقد شن أنصار السلطة في جماعة «الإخوان المسلمين» وأتباعها هجوماً شديداً عليها، وشككوا في ديمقراطيتها، واعتبرها بعضهم باباً خلفياً لإسقاط رئيس منتخب وتحايلًا على الإرادة الشعبية.

غير أن هذا الموقف تجاه فكرة الانتخابات المبكرة، سواء كان عن اقتناع بصحته أو لمجرد قطع الطريق عليها، يدل على عدم إلمام بأصول النظام الديمقراطي وتقاليده، وما يوفره من آليات لحل الخلافات وإدارة الصراعات بوسائل سلمية. وتعتبر الانتخابات المبكرة إحدى هذه الآليات حين تتفاقم الأزمات، ويثبت فشل الرئيس في النظامين الرئاسي والمختلط، أو الحكومة في النظام البرلماني في معالجتها. ففي هذه الحالة يصبح استمرار الرئيس أو الحكومة عبئاً على المجتمع والدولة. فليس حتمياً، في التقاليد الديمقراطية أن يكمل الرئيس أو الحكومة الفترة المحددة له أو لها. فقد يستقيل الرئيس من تلقاء نفسه، أو تفقد الحكومة أغلبيتها في البرلمان، أو يتفق الحزب الذي يقودها أو الأحزاب التي شكلتها في إطار ائتلافي على تقديم موعد الانتخابات لتجنب سحب الثقة منها. وهناك أيضاً احتمال وفاة الرئيس في النظامين الرئاسي والمختلط، حيث تجرى انتخابات مبكرة ما لم ينص الدستور على أن يكمل نائبه المنتخب معه الفترة الباقية.

غير أن احتجاج قطاعات واسعة من الشعب على أداء الرئيس أو الحكومة يمثل الحالة الأكثر تعبيراً عن ارتباط الانتخابات المبكرة بالإرادة الشعبية وفقاً لما بات مستقراً في التقاليد الديمقراطية. فرغم أن الشعب يفوّض من ينتخبه لفترة محددة، تتراوح بين أربع وست سنوات، يظل هو صاحب السيادة ومصدرها. كما يحتفظ الشعب بحقه في الرقابة على السلطة المنتخبة حكومة كانت أو رئاسة. وتنطوي هذه الرقابة على حق الشعب في الاحتجاج على أداء السلطة. فإذا وصل هذا الاحتجاج إلى مستوى معين، وشاركت فيه قطاعات واسعة من المجتمع، تصبح الانتخابات المبكرة ضرورة ديمقراطية. واكتسب هذا النوع من الانتخابات شرعيته التي جعلته آلية معتمدة في النظام الديمقراطي، بعد أن أكدت تجارب وخبرات دول عدة فائدة تبكير موعد الاقتراع العام في تصحيح المسار في وقت مناسب قبل أن تتراكم الأزمات، وتبلغ المبلغ الذي يجعل معالجتها أشد صعوبة وأكثر كلفة.

ولذلك، فلا أساس للقول إن آلية الانتخابات المبكرة تتعارض مع قواعد النظام الديمقراطي الذي يعتمد على صندوق الاقتراع، لأنها لا تعني سوى الاحتكام إلى هذا الصندوق في الوقت المناسب، فضلًا عن أن الإرادة الشعبية هي مصدر كل شرعية في هذا النظام. وفي ظروف معينة تصبح الانتخابات المبكرة هي الوسيلة الوحيدة لتفعيل دور صندوق الاقتراع، وجعله أكثر انسجاماً مع الإرادة الشعبية.

ويحدث ذلك بشكل متكرر في النظام البرلماني الذي تعد الانتخابات المبكرة جزءاً أساسياً من تقاليده. فرؤساء الحكومات الذين أكملوا مدتهم في بعض الدول التي تأخذ بهذا النظام هم أقل من الذين لم يتموها على مدى أكثر من قرن منذ أن تم تعميم حق الاقتراع لجميع المواطنين.

ويعرف النظامان، الرئاسي والمختلط، أيضاً الانتخابات المبكرة التي أنقذت بعض الدول من انهيار كانت قريبة منه مثل الأرجنتين عام 1989 والبرازيل عام 1992 وروسيا في عام 1999.

ففي الأرجنتين، اضطر راؤول ألفونسين أول رئيس منتخب بعد انتهاء الحكم العسكري، إلى الاستقالة عام 1989 بعد احتجاجات واسعة ضد سياسته الاقتصادية التي وضعت البلاد على حافة الإفلاس. وكانت هذه بداية الإصلاح الذي جعل الأرجنتين اليوم إحدى أبرز الدول المرشحة للانضمام إلى نادي الكبار. وقل مثل ذلك عن البرازيل التي ما كان ممكناً أن تحقق ما أنجزته من تقدم في العقدين الأخيرين من دون استقالة الرئيس المنتخب فرناندو دى ميلو عام 1992 بعد أقل من عامين على انتخابه. وكان هو بدوره أول رئيس مدني منتخب بعد إنهاء الحكم العسكري.

ولولا استقالة الرئيس يلتسين عام 1999، ما تمكنت روسيا من إعادة بناء نفسها، واستعادة قدرتها على العودة للتأثير في لعبة الأمم مجدداً.

لكن حالتي الأرجنتين والبرازيل هما الأكثر اقتراباً من حالة مصر الآن حيث تتصاعد الاحتجاجات ضد أول رئيس مدني منتخب أيضاً بعد ستة عقود تولى الرئاسة فيها رؤساء من خلفية عسكرية، وإن لم يكن في إطار حكم عسكري من النوع الذي عرفته أميركا اللاتينية من قبل.

لكن الفرق هو أن الرئيسين ألفونسين ودى ميلو كانا أكثر حرصاً على مستقبل بلديهما، فلم يكابرا حين تصاعدت الاحتجاجات، ولم يستكبرا على شعبيهما، ولم يستدع أي منهما حزبه لمناصرته ضد الإرادة الشعبية.

فالدعوة إلى انتخابات مبكرة، إذن، عرفتها بلاد عدة باعتبارها إجراءً ديمقراطياً معتمداً، لكنها مطروحة في مصر في لحظة قد تكون فاصلة بعد أن وصلت إلى مفترق طريقين لا ثالث لهما… فإما سكة السلامة التي مضت فيها دول أخرى أنقذتها الانتخابات المبكرة وفتحت أمامها أبواب النهضة، أو سكة الندامة التي تتراكم فيها الأزمات وتقود إما إلى فشل الدولة، أو اقتتال المجتمع، أو كليهما في آن معاً.

عن جريدة الاتحاد الإماراتية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق