مقالات المراثي والتآبين في “الأولياء” والأصدقاء الديموقراطيين / وضاح شراراة

هل كان صاحبنا، هاني درويش، على القدر من المطابقة- مطابقةِ حياته “مفهومَه” و“جوهرَه” ومطابقةِ حوادث حياته “معنى” هذه الحياة ووحدتها الجامعة الذي تنم به المراثي الصديقة والمتفجعة فيه؟ ففيما قرأت من هذه المراثي، ومعظمها على موقع “مدن” من غير ان تقتصر عليه، يبدو صاحبنا الراحل، المبكر والمستعجل، تام المعنى او المعاني، واحداً ومجتمعاً ومستوفياً شرائط المطابقة او الحقيقة، حقيقته هو في حياته وموته وحقيقته في نفوس من يبكونه ويلقون عليه تحية الوداع. وهو يستوفي هذه الشرائط على رغم جبلته التي يصفها محبوه، اليوم، بالإقبال والنهم والكثرة والحسية والحدس.

الإجماع

والاعتذار عن هذا، ان كان موجب للاعتذار على ما اشك طبعاً، بالمقام أو الموقف والتعلل بدواعي هذا أو ذاك، يحمل المراثي على باب من ابواب القول وفن من فنونه. وعلى هذا، فأصحابها ليسوا إلا “وسطاء” هذا الباب أو الفن، وناطقين بما يمليه عليهم، ويُنطقهم به. وهذا ليس “عيباً”. وعلى ما نقول، أي على مقالاتنا، قيود كثيرة تضيِّق على فرادة الاحاسيس والمشاعر، على ما نبه سلف كثير وبصير. ولكن الاجماع او شبه الاجماع على توحيد صاحبنا الراحل في مفهومه، أو معناه الجامع والتام قد لا يترتب على المقام او الموقف وحده، ويدخل على الارجح في باب (الرغبة في ) الاجماع.

وختام العمر أو تمامه وبلوغه غايته- وهذا تعسف يفترض على الناس الإقرار به تسليماً ودفعاً لتهمة الظلم او الشطط التي قد تنسب الى من “لا يحمد على مكروه سواه”- يؤذن بتلبية هذه الرغبة وإشباعها أو إروائها. فالانسان الناجز والتام، على خلاف الانسان التقريبي على قول تريستان تزارا (صاحب “دادا”)، وهو من أحال الموتُ حوادثَ سيرته ووقائعها المتقلبة والمضطربة والجائزة قدراً مقسوماً (مالرو)، هذا الانسان، على هذه الحال، نهب لتأويل سيرته على مثال يدعو الى الاجماع، وتحمل عليه شهوة الإجماع. وجائزة الاجماع مزدوجة. فهو قرينة على إيفاء الراحل حقيقته، وبلوغ هذه الحقيقة يقيناً من غير شك. ولولا هذا لم يكن إجماع، في حسبان ان الحق واحد والخطأ كثير. والاجماع على صفة الراحل المستوي في تمامه، من وجه ثان، دليل على إصابة المجمعين حقيقة “موضوعهم” أو موضوع مقالاتهم، وهو الصديق الراحل ورفيق السمر والغواية والرواية والاحاسيس والمشاعر (على معنى الشعائر والطقوس).

وعلى هذا، توهم المقالات المجمعة في الراحلين والمراثي فيهم- وكلها تريد استخلاص سيرة الراحل معنى او حقيقة استودعتها الآلهة، في عليائها، الحياةَ المضطربة، وبثها في ثناياها وجنباتها- أصحاب المقالات ان ما ساقهم الى اجماعهم إنما هو إقرارهم بحقيقة صاحبهم، وجهرهم إياها من غير لبس، على رغم خفائها او التباس ظهورها. وليست حقيقة الصديق الراحل منقطعة انقطاعاً تاماً من حقيقة اصحاب المقالات والمراثي فيه. وتعرُّفهم حقيقةَ ما كان وهو بعد يتقلب بين أظهرها، يحاول قرباً من مثاله المطوي في ضمائر الآلهة أو من نصبه وتمثاله (على ما كان اليونانيون يحسبون) ومن روايته الاخيرة التي يجوز تناقلها ولا يجوز نقل “الاولى” عنه (على ما حسب المحدثون المسلمون) هذا التعرف شهادة لهم بالإصابة والصدق. وهو، أي التعرف، يعِّرفهم بدورهم جماعةً، ويصف ما هم، أي هويتهم، وينسبهم في انفسهم الى صاحبهم وصديقهم. وهذه حال صوفية وعرفانية لا تبلغ ولو في المنام: ان يكون الواحد من الإنس هو نفسه، مستغرقاً فيها مثل استغراق الشيء الأصم، وأن يجد نفسه وجداناً ويزدوج “إنسين” لا الى غاية أو الى عدد معلوم. وهذا الهوى الملح، ومثاله المعكوس هو هوى يسوع وجلجلته، حمله بعضهم على عَرَض يقضي في “الانسان” بترجح مقيم ولا طائل منه، على قول سارتر في السطرين الاخيرين من كتابه الجامع الاول. فإنسان الهوى يرغب في الاستغراق في كون الشيء أو كينونته الجوهرية، ويرغب في الانفكاك من نفسه وكينونته الجوهرية، والخروج منها الى غير(ية) متفرقة تتقلب على جانبي اللحظة، وتصل بين اللحظات، وتعلق الوصلة على خيط أفق. وأصحاب المقالات في راحلهم وصديقهم يجمعون في أنفسهم استواء صاحبهم في تمامه ودوامهم على اضطرابهم وقلقهم الزمني المزمن.

و“الاولياء” القديسون، و“الابطال” الفاتحون و“العلماء السوقة” و“الشعراء” الأعلام، و“الشهداء” المحتسبون، كلهم، على وجوه متفرقة ومتضافرة، وسائط بين (عالم) الشاهد وبين الغيب، بين عالم “ما تحت القمر” المتقلب والمحسوس وبين عالم الأكوان “الخالدة” والثابتة. ويفترض هؤلاء، اي الاولياء والأبطال والعلماء والشعراء والشهداء، هيئات أو أجساماً اجتماعية وجماعات متماسكة ومتعارفة ومتواضعة على معايير وموازين مشتركة، تتولى انتخابهم وتسميتهم وترتيبهم على مراتب يُقرّ بها الجمهور. وقد يبادر بعض اطراف الجمهور الى اقتراح إقرار الأعيان على مرتبتهم، أو تطويبهم ورسامتهم على قول بعض هذه الهيئات العريقة والمحترفة. وتتفق مبادرة الجمهور والمنازعَ “الديموقراطية” الشائعة وهذه اقرب الى العامية (من العامة والعوام) منها الى الديموقراطية المعقدة والمعضلة. وتنبهت المنظمات الشللية التي يحاكي تنظيمها رسوم العصابات والمافيات على قوة هذه المنازع. فنسبت مديحها، أو تهنئتها في المناسبات، أو توليها أعمال القمع والقتل، الى “الجماهير” من غير وسيط، والى إرادتها الفاعلة.

والمتعلمون الكتّاب، على المعنى الحرفي للاسمين: من تلقوا أو لقنوا تعليماً ومن يكتبون أو يطبعون وينشرون ما يكتبون، جمهور عريض، ولا ينفك يتسع يوماً بعد يوم. وهو تعاظم، في العقد ونصف العقد أو في العقدين الاخيرين، فوق التصور الديموقراطي المتفائل، وتوقعه عموم “الثقافة” معظم المواطنين او السكان. ولم يقتصر هذا الجمهور، بعد شيوع دخول الشبكة العنكبوتية وتكاثر وسائط الاتصال الاجتماعي، على “الطبقات الوسطى” التي كانت “جديدة” في ستينات وسبعينات القرن العشرين، وفاضت من بعد فئات وجماعات وشرائح وطبقات مهنية وتقنية ومكتبية ضعيفة التأهيل، وعظيمة العدد والدور والانتشار في بلدان العالم وأصقاعه كلها. وعلى نحو ما قلب هذا الجمهور بعض معايير السياسة رأساً على عقب، فابتكر أو أوجب “حكومة الرأي” (“العمومي”، على رغم تفرقه دوائر وأحكاماً ونِسباً ومتوسطات) والاستطلاعات والاقتراع اليومي، قلب كذلك معايير الانتخاب أو الاصطفاء والتجمع والولاء والتصديق وفي ختام هذه الولاية والبطولة والابداع والكشف.

فيخرج الأولياء والابطال والملهمون المبدعون والشهداء، اليوم، من صفوف الجمهور، ولا يهبطون من “محل أرفع” ومفارق. فهذا المحل ذوى أو احتجب وراء الصنيع الدنيوي والزمني. ويترتب على اتخاذ المحل الارفع سنداً ومصدراً عنف فظيع تتوسل به حركات دينية مقاتلة و“سياسية” الى الإقناع، وتحتج بفظاعته وهوله وإثخانه على صدورها هي ودعوتها عن الحق وحاكميته ووعده. ويقترع الجمهور الاعلامي والالكتروني لأوليائه وأبطاله وأعلامه من طرقه المعلومة والمألوفة. وهو، في الاثناء، يسوّيهم على صيغ يرجحها ويميل اليها، ومن نافل القول انه يتعرف في هذه الصيغ (على) قسماته ووجهه ونفسه. فيتراءى فيهم بعد ان جلاهم، “إلهاً” دنيوياً وزمنياً جمهورياً، على صورته. والاولياء والابطال والملهمون والمبدعون والشهداء الجمهوريون- على مثال هاني درويش أخيراً، وعلى مثالات سابقة قريبة هي إدوارد سعيد ونزار قباني ومحمود درويش ومي غصوب وجوزيف سماحة وغيرهم ربما ممن لم أعرف من بعيد أو قريب- ليسوا وسطاء بين عالمين مختلفين ومتباينين، على ما تقدم القول في “الاولياء” التقليديين. ولعل امتيازهم، والداعي الى تطويبهم والاقرار لهم بخصوص المرتبة وليس علوها، هو تمثيلهم الساطع على وجه من وجوه لحمة الجماعة (الجمهور)، وعلى رغبتها الأليمة في الالتحام حين يعز الالتحام ويمتنع.
الوسطاء

فهم وسطاء بين الجماعة، المتذررة و“الشعاع” على قول مجنون بني عامر، وبين نفسها ولحمة أفرادها وآحادها. وأدوار الآحاد هؤلاء على حال الافتراق والانفراد التي خلفتهم عليها أطوار الاجتماع الحديث والمعاصر. فلم “تُنجَز” الحال المحدثة ولم تصقل مراياها وعباراتها. ولم تصرم روابط العصبيات الأهلية وطبقاتها ومعاييرها ونواهيها على الخصوص. فتترجح صور الاولياء “العظام”، على عِظَم فرق ما بينهم، بين مثال الطوطم المقدس والفارق (العَلَم على الخصوصية والهوية وفرقهما في نظام فروق، على ما ذهب اليه كلود ليفي ستروس) وبين (غير) مثال الفضائل العادية والسائرة والمشتركة. فيمدح هاني درويش بالسهر والحماسة لكرة القدم والضحك والانفعال والكتابة التلقائية والمتطايرة، والمشاكسة والصداقة والشرب والبكاء وتذوق الغناء و“الأدوار”.

ولا فرق في هذا بين فضائل ذاتية وفضائل عملية، على ما كان يقال. فهو واحد مجتمع، ولواء اجتماع وإجماع يوسطه جمهور (وهو الجمهور، في هذه الحال) بينه، أفراداً متباينين المصادر والموارد وسيراً وأذواقاً، وبين نفسه أو مرآتها وصورتها في المرآة. ولا حرج على بعض اصحاب المقالات في القول ان الرجل كان، على وجه المديح، “كاتباً صغيراً”، على خلاف “كبار الادباء” الذين جرت مصر على الإدلال بهم على “العرب” ومجتمعاتهم ومثقفيهم، و“تصديرهم” اليهم وإليها. فـ“الاديب الكبير” بعض من الماضي ومن عالمه الغريب و“الكاذب”، على زعم المعاصرين والمحدثين. و“الكاتب الصغير” معاصر حميم، تعوض معاصرته الحميمة ما ينقصه. وهي لكانت تعظم مرتبته، لو بقي معنى للعظمة والمرتبة في “عصر” أندي وارول، ونصبِه الواحد ميزان نفسه وتكثيره نسخاً عن نفسه معاً، على مذهب الفنان و“المجهِّز” الاميركي نفسه.

فلم يبق الولي البطل الملهم المبدع مثالاً، أو “مثلاً أعلى”، على ما كانت الخطب المدرسية تزعم وتطنب. فتدبير الحياة، على معنى يلم بـ“الفن” ولا يطرحه، لا يجري على مثال. وهو ارتجال محض مهما تقنع بالأعلام والقيم، وتذرع بالسنن واتقى بها المحاسبة والتبعة عن التأويل والرأي. ومن ينكرون على عوام الناس، من غير “الأئمة” و“الوارثين”، الحق في التدبير والارتجال والرأي، لا ينكرون عليهم انخراطهم مقاتلين مشاة، ووقود حروب أهلية ضريرة. وهم، “الإئمة”، ينعمون على “العوام” بصناعتهم صناعة عادلة تسوي بينهم كأسنان المشط، أو على نحو ما يسوي الموت بين الإنس. والطعن على الفرادة والاستثناء والإمامة، على ما يضمر ربما مديح المرء الخلو تقريباً من الصفات (الممتازة) حين مماته أو مدحه بما هو عليه من غير قياس أو مقارنة، بعض من ثقافة ديموقراطية تلتمس طريقها الضيقة في بلاد أو أرض لم يجلُ القدس عن بعض نواحيها بعد.

فهل من موجب للقول، بعد، أن ما تقدم ليس رأياً أو قولاً في “طبقة” المراثي والتآبين، لا في صاحبنا وصديقنا الراحل هاني درويش ولا في غيره؟ والزعم، كزعمي، ان المقالات في رحيله، وفيه، تجري على رسم وطريقة هما رسم وقت وطريقته، أو ثقافته. وهو لا يطعن في صدق أصحاب المقالات، ولا في صداقتهم أو علاقتهم بمن يكتبون فيه، ودعاهم رحيله المباغت والمبكر والأليم الى تذكره و“تحضيره”، على شاكلة تحضير الأرواح الذي لم نبرأ منه وقد لا نبرأ أبداً، أسفنا لذلك أم رضخنا على مضض أم طمأننا الامر الى دوام حال أليفة. ووصف الكتابة، على هذا النحو، بالمشعر أو الشعيرة لا يعدو التنبيه الى استواء علاقات صنف من الاصدقاء المعاصرين بمن يفقدون على حين غرة، على “خطابة” هي مثلهم مولودة من صور ومعان وأهواء لا يختارونها، أو هم يختارونها على قدر “اختيارها” لهم، على صفات وأبواب اجتماعهم وتفرقهم أفراداً وشللاً.

وبالغاً ما بلغ الانفعال، و(توهم) الصدق تالياً، من قوة، تتخطى الصور والمعاني والاهواء، وانتظامها في شعيرة وخطابة، مراد الاصدقاء وفرادة رابطتهم أو روابطهم بالراحلين من الاصحاب. والتخطي ليس صنو الإلزام والفرض. فهو أفق، أو نحو، أو منزع يدعو الى مسالك قول وعبارة، وربما الى ائتلافها وخرطها في “خريطة” ودليل. والأفق الذي تنزع اليه مراثينا، أو مراثي أصحابنا في صاحبنا، هو الرواية، على معناها “العربي” وربما اللبناني“المضطرب. فالولي البطل لا تعلوه سماء الكرامات والبطولات. وليس الداعي الى تذكرها وعرضها هو علو مكانتها أو”نبوغ” صاحبها الراحل وموافقته معايير التمام وميزانه. فالكلام على الصديق الراحل يشبه الكلام على عمل فني أثير: هو مقالة في الرغبة والعشق، وفيما يقوم مقام الباعث عليهما وموضوعهما معاً. وعندما كتب هاني مرثية في بعض اصدقائه، ومرثية في أبيه أوقف أباه في ممر مستشفى عار، فجر يوم خَلِق وكدِر، وهو يجر علاّقة مصل نحيلة، ويبحث عن مخرج من متاهة الحشر اللزجة…

عن جريدة المستقبل – ملحق نوافذ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق