من الرّبيع العربي إلى ربيع الفكر العربي: هل من نقلة مأمولة؟

العرب ليس لهم ربيع ماداموا يعيشون فصلا واحدا، ألا وهو الفصل الصحراوي بجفافه وقيظه وزوابعه الرمليّة. ولأنهم ينفرون من تنوع الفصول ومن تعددها التنوع الثقافي وتعدده، فإن فكرة التغير والحركة والتقدم تغيب عنهم.

 

 

 

 

 ومن لا يعرف فكرة التقدم، لا يعرف التاريخ؛ والعرب لا تاريخ لهم بشهادة كبار المؤرخين العرب أنفسهم، وعلى رأسهم ابن خلدون وابن الأثير. وقد كتب هؤلاء المؤرخون الكبار ما كتبوه ليس بغرض التشفي في أبناء جلدتهم أو تقرير أمر حتمي لا مفر منه، بل من أجل الوعي بالمخاطر التي تحدق بشعوبهم. وقد أشار هيدجر فيما بعد إلى ما يشبه هذه الفكرة، عندما أكد أن الشعب الذي لا يعي الخطر الذي يتهدده لن يكون شعبا عظيما. 

فما هو الخطر الذي يهدد مجتمعات الربيع العربي؟
تمخضت تجربة الربيع العربي عن لهف مريع للسلطة، وعن ظمإ للحكم، ينبئ عن قرب شرَق من تبوأ مناصب قيادة الدولة. إن الإمساك بدواليب الدولة ليس دليلا على نجاح تجربة الحكم، مادام التحكم في هذه الدواليب أمرا ميسرا لمن تسوقه الأحداث وتقذف به إلى أتون السلطة. لقد أبانت التجربة التاريخيّة عن هذه الإمكانيّة، بل وعن تحققها في غير ما موضع من أصقاع الأرض. لقد قاد الطغاة من كل صنف دواليب الدولة، وتمكنوا من إدارة شؤون الأمم بمهارة وحذق، وأبانوا عن بعد نظر قلّ نظيره. أكثر من هذا، تظهر التجارب التاريخيّة أن هناك مجانين أسسوا إمبراطوريات، ومرضى نفسانيون قادوا ممالك عظيمة في الشرق كما في الغرب. يتنوع القادة فتتنوع معهم طرق الوصول إلى الحكم: منهم المغتصب للسلطة، ومنهم الوارث لها، ومنهم الواصل إليها بطرق ديموقراطيّة. ولكن الدولة تظل في جميع الحالات دولة، لأن لا أحد رآها كما تقول جاكلين روس. 
إن من يتباهى اليوم بكونه وصل إلى الحكم بطريقة ديموقراطيّة، عليه أن يتذكر أن بلاد اليونان هي التي عرفت أول نظام للحكم الديموقراطي في أثينا، وقد حدث ذلك في مجتمع عبودي! ومن ثم فهو لا يضيف جديدا إلى قولة تشرشل الشهيرة: “الديموقراطيّة هي أسوأ نظام في الحكم، باستثناء جميع الأنظمة الأخرى التي هي أكثر سوءا”. طريق الديموقراطيّة قد يعبره اليمين المتطرف والفاشيون من كل ضرب ولون، وقد يعبره الأحرار والأخيار من كل طينة. الديموقراطيّة ليست قيمة مستقلة بذاتها ولذاتها، وإنما هي بنية تتألف من عناصر شتى يلزم أن تتضافر فيما بينها لتشكيل هيئة اجتماعيّة. وعناصر الديموقراطيّة لا ترصف ولا تصفف، ولكنها تفرز عبر مسار تاريخي طويل. لقد كان هذا التاريخ في حاجة إلى مرور ما يزيد عن ألفي سنة، لكي ينضاف “صندوق” الاقتراع العام إلى تأثيث بيت الديموقراطيّة. وما كان لهذه الإضافة أن تحصل لولا تحقق عنصر آخر سبقه، ألا وهو مبدأ الحريّة الفرديّة. ولم يتحقق هذا المبدأ بدوره لولا حدوث ثورات فكريّة تلتها ثورات سياسيّة، عملت على ترسيخ المبدأ وتثبيته على أرض الثقافة وفي واقع السياسة.
تمكنت تجربة الربيع العربي من فتح الأفواه المكممة منذ مدة طويلة، ولهجت الألسنة بالتنديد والاستنكار والمطالبة بالقصاص من المفسدين. لم تعد شخصيّة الحاكم مقدسة بل طلب منها الرحيل، فكان هناك من رحل، وهناك من رُحّل، وهناك من أرغم على الرحيل إلى إحدى الدارين، وما يزال هناك من ينتظر الرحيل. ذهب الرَّحْل وجاء من حطّ الرحال، لكي تبدأ رحلة جديدة لا أحد يستطيع أن يتنبأ أيّان مرساها. فالأفواه ما تزال تصدح وتعزف على نفس الوتر، مطالبة بالرحيل! فلِمَ الدوران في نفس المكان؟ ألأنّ أجدادنا ألفوا حياة الترحال، فورثناها نحن خلفا عن سلف؟ أم أن الثورة لابد لها من اجتياز موسم هبوب العواصف التي تجبرها على الانحناء، والانعطاف، والميل ذات اليمين وذات الشمال، قبل أن يشتد عودها وتتقوى شكيمتها؟
بيد أن الثورة ـ كيفما كانت طبيعتها ـ تحتاج بالضرورة إلى القطع مع ماض ما، ماضي الشتاء الذي ناء بكلكله على الشعوب التي أصرّت على الانتقال للعيش في زمن جديد. فكيف حصل الانتقال من زمن البيات الشتوي إلى عنفوان الربيع المتفجر ينابيعه؟ وهل اخضوضرت الطبيعة حقا في هذا الفصل الجديد؟ أيّة ظروف مهدت للثورات العربيّة؟ وأي فكر ثوري بشر بها، وتنبأ لها بالحدوث بالطريقة التي حدثت بها؟
يوجد في كل ثورة شيء ما طفولي، قد يكون هو الرغبة في التخلص من الأب أو الولي أو الوصي. بيد أن السياسي يريدها عمليّة حسابيّة بل جبريّة وصول الأزمة الاقتصاديّة إلى نقطة اللاعودة، الاحتقان السياسي نتيجة القمع المفرط لأطياف المعارضة، بسط اليد على جل مصادر الثروات الوطنيّة من طرف الحاكم وعشيرته الأقربين، توريث الحكم بالتفنن في تزوير الإرادة الشعبيّة أثناء الانتخابات، وقد أدى النضال الطويل الأمد إلى نضج ظروف إجراء هذه العمليّة الحسابيّة هنا والآن. لكن من كان بوسعه الزعم قبل حدوث الثورة التونسيّة مثلا، أن شراراتها ستنقدح من عربة بائع متجول بائع مجهول في المعادلة الجبريّة المزعومة؟ لو تكهن بذلك أحد خيرة المحللين السياسيين لاتهم بالخبل العقلي، ولو توقع مركز متخصص في استطلاعات الرأي أو الدراسات المستقبليّة حصول ما حصل بالطريقة التي حصل بها، لاعتبر ذلك مؤامرة خارجيّة مكشوفة الأبعاد والأهداف. 
يوجد أيضا في كل ثورة شيء ما طفولي، قد يكون هو مجرد الرغبة في التقليد. لقد آلت التجربة التونسيّة إلى فتح الباب على إمكانيّة تنحي الحاكم أو عزله أو هروبه أو خلعه، وهي الإمكانيّة التي كانت تعتبر في السابق من قبيل المستحيل. وبعد انفتاح باب هذه الإمكانيّة، توالى سيل التجارب الأخرى؛ وكأن الشعوب ضربت موعدا مع بعضها البعض لإنجاز مهام الثورة بشكل دوري! وكأن لسان حال الزمان يقول: الثورة آتية لا ريب فيها، يبقى فقط ترتيب الأوليات من السابق ومن اللاحق؟ بيد أن المؤرخ سوف يتدخل هذه المرة لتقويم فهم مسار الأحداث، ونخاله يقول إن الفرد ليس له أي دور في صناعة الحدث التاريخي. فسواء أكان الحاكم يدعى زيدا أو عمرا، فإنه سيضطر للرحيل. وإن كان هناك من هامش يمكن استغلاله، فلن يعدو اختيار أحد أشكال الرحيل السابقة هنا يجوز له اختيار الطريقة التي سينال بها حتفه. هذا يعني أن الفرد لا يملك حولا ولا قوة أما زخم الحدث التاريخي، فهو ليس فاعلا وإنما الشعب هو الفاعل. رؤية وجيهة بلا شك، ولكن هل ستكون الإجابة بنفس الوجاهة لو طرحنا السؤال التالي: ما الوجه الذي سيكون عليه الحدث التاريخي اليوم، لو لم يولد الإسكندر الأكبر أو هنيبعل أو يوليوس قيصر أو يوسف بن تاشفين أو صلاح الدين الأيوبي أو هتلر أو لينين، أو غيرهم من الساسة الذين أثروا أو وجّهوا أو صنعوا الأحداث التاريخيّة ؟ ألا يوجد في عمق التجارب التاريخيّة تقليد ما، يمارسه القادة كما تمارسه الشعوب على حد سواء؟ ألا تقول الشعوب لبعضها: سنفعل مثلما فعلتم، وإنّا على طريقكم لسائرون، ولآثاركم مقتفون؟
تحمل معها الثورة آمالا عريضة، ويأتي من ينطق باسمها، ويلوّن تلك الآمال بمقاصده. وبذلك تضيق دائرة المطالب المرفوعة في البداية، بعد أن يتم تفريغها في قالب عقائدي. بينما كان من المفروض أن تأتي النخبة الحاكمة الجديدة ممثلة لما يسميه جون راولز “الوضعيّة الأصليّة” أو “الوضع الأصلي”، خاصة بعد وصول هذه النخبة إلى الحكم بطريقة ديموقراطيّة. فما هو الوضع الأصلي إذن؟
يقول راولز: “في الوضع الأصلي لا يسمح للأطراف أن يعرفوا المراكز الاجتماعيّة للأشخاص الذين يمثلونهم، أو عقائدهم الشاملة الخاصة. كما أنهم لا يعرفون عنصر الأشخاص وجماعتهم الإثنيّة وجنسهم، أو أي مواهب طبيعيّة مختلفة مثل القوة والذكاء، وكل ذلك في المجال العادي. ونحن نعبر عن هذه الحدود المتعلقة بالمعلومات مجازيا بالقول، إن الأطراف في حجاب من الجهل” العدالة كإنصاف، المنظمة العربيّة للترجمة 2009، ص :107. الوضعيّة الأصليّة إذن تتعلق بمجموع المواطنين “الأحرار والمتساوين”، والذين عبروا عن إرادتهم أثناء الانتخابات باختيار ممثليهم ومن ينوب عنهم في تحقيق غاياتهم الاجتماعيّة ومطالبهم السياسيّة. ويفترض في هؤلاء الممثلين ألا يأخذوا في الحسبان، بل ألا يعرفوا، المكانة الاجتماعيّة للأشخاص أو عقيدتهم أو سلالتهم أو إثنيتهم. باختصار يجب أن يتأسس تمثيل المواطنين على مبدأ حريّة الضمير. أما إذا حصل العكس، فمعناه أن أساس التمثيل سيتغير ليتحول إلى الولاء الديني مثلا، أو الولاء العرقي، أو العنصري أو غيرها من الولاءات التي تقوم على مبدأ الإقصاء. وبذلك يتم الانسحاب من حياة المجتمع السياسي المفتوح للجميع، إلى حياة الجماعة الخاصة التي تضيق فيها حريّة الضمير إلى أقصى الحدود. 
بناء على هذا التصور، هل أدت تجربة الربيع العربي إلى ترسيخ مبادئ المجتمع السياسي أم إلى ترسيخ مبادئ الجماعة؟
إن تأسيس دولة الجماعة بغرض خلق مجتمع الفضيلة، يقوم على تناقض واضح يتجلى في حمل المجتمع على تبني قيمة الخير بالصيغة التي تدافع عنها الجماعة. وأمام هذا الحرص على نشر قيمة مشتركة بين جميع الأفراد، ينكمش المجتمع السياسي بالتدريج بفعل افتقاره إلى مبدأ الاختلاف. كما ينتفي مفهوم الشخص أيضا، لأن هويته لا تستمد ـ في هذه الحالة ـ من المجال السياسي، بل من المجال الميتافيزيقي أو النفسي. ولكن الأهم من كل هذا هو أن الأفراد الذين يشكلون مثل هذا المجتمع لن يكونوا “أحرارا” و“متساوين”، لأنهم لم يساهموا في خلق قيمة الخير بفضل نقاش عام يؤدي في آخر المطاف إلى التوافق حول تصور معين للمستقبل. إن التحدي المطروح على مجتمعات الربيع العربي يمكن اختزاله في السؤال التالي: هل قيمة الخير التي تزَفّ للمستقبل هي بنت الحاضر أم هي بنت الماضي؟
إذا كان المستقبل هو الذي سالت الدماء من أجله، فهذا يعني أنه مجال مشترك للجميع تتحقق فيه مصائر الناس. ومن المفروض أن يساهم هؤلاء الناس جميعهم في تأسيس القيمة التي سوف تتحكم في مصائرهم ومصائر ذريتهم، وإلا سوف يتم رسم معالم هذا المستقبل من خلال الألوان التي تشكلت بها قيمة الأمس كما هي محفوظة في عقيدة دينيّة أو فلسفيّة أو أخلاقيّة. إن القيم المحفوظة في العقائد لا يمكن تطبيقها إلا عن طريق العنف، والتجارب التاريخيّة شاهدة على ذلك في الشرق كما في الغرب. وهذا يعني شيئا واحدا هو أن دماء كثيرة سوف تسيل من جديد لمقاومة السلطة المتواطئة مع العقيدة، مما سيؤدي إلى تجذير العنف مع ما يحمله ذلك من فظاعات مؤلمة. 
إن القيم المحفوظة في العقائد هي قيم غريبة عن العصر حتى ولو انحدرت من ماضي الشعب والخصوصيّة الحضاريّة للأمة، لأنها قيم تفتقر إلى الراهنيّة مادامت من إنتاج مجتمع الأمس أي من إبداع أفراد لعبوا دور الأشخاص في زمانهم. ناهيك عن كون هذه القيم لا يمكن إخراجها من النصوص وتفعيلها في الواقع الاجتماعي إلا بواسطة السلطة، والسلطة تلجأ إلى القمع متى كان هناك من يخرج عن الإجماع الذي يقتضيه الاشتراك في نفس المعتقد. إن المجتمع السياسي لا يتحمل فكرة الاشتراك، على عكس ما هو حاصل في التنظيمات الدينيّة أو العلميّة، أو الاتحادات النقابيّة والحزبيّة الضيقة. هكذا يظهر أن فرضيّة الاشتراك في نفس المعتقد يفقر التجربة السياسيّة في بعدها الوطني، وقاعدتها المبنيّة على الحريّة والمساواة. وذلك لأن تمثيل الأفراد في مثل هذه التجربة السياسيّة مشروط بالولاء للقيم المحفوظة في العقيدة الدينيّة أو الفلسفيّة أو الأخلاقيّة، أي أنه تمثيل يشترط أن يكون الفرد “معروف” الهويّة الثقافيّة. وهذا ما يمكن أن ندعوه مجازا ب“سفور المعرفة”، في مقابل ما دعاه راولز بنوع من المجاز أيضا ب“حجاب الجهل”. سفور المعرفة هذا، هو ما يميز المجتمع قبل الديموقراطي، نظرا لأنه لا يميز بين الفرد والشخص أي بين العضو المنتمي للجماعة من جهة، والشخص المنتمي إلى المجتمع السياسي من جهة أخرى. إن نظام الحكم قبل الديموقراطي يزن المجتمع بميزان الجماعة، وهذا خطأ قاتل للديموقراطيّة حتى ولو كانت هذه الأخيرة هي التي أوصلت النخبة الحاكمة إلى الإمساك بزمام السلطة. 
قد تكون تجربة الربيع العربي إحدى الفرص التاريخيّة التي يمكن استغلالها للنفاذ إلى روح العصر، ولكن بشرط التقاط معنى روح العصر، أي الدخول في منافسة الغير المتفوق بدل الدخول في معاداته. لأن فكرة التقدم ليست شرقيّة ولا غربيّة بل هي إنسانيّة وكونيّة، فتمثل أسباب تحقق هذه الفكرة هو الغاية القصوى لأي مجتمع سياسي سليم. وبما أن هذا الغير المتطور مرّ بتجربة تاريخيّة عرفت محاولات تميزت باختبار أنماط متعددة من الحكم، فمن العبث اليوم استعادة تلك التجارب عبر اقتفاء آثار المراحل السابقة وخاصة ما فشل منها. لأن الأمر يتعلق في هذه الحالة أيضا بقيم الأمس وليس بقيم الغد، فقيم الأمس صنعها الأسلاف أسلافهم أو أسلافنا لا فرق، بينما تصنع قيم الغد من خلال الحوار الذي يجب أن ينخرط فيه الأشخاص الذين يجمعهم ما يسميه هابرماس “الفضاء العمومي”. 
قد تكون تجربة الربيع العربي أيضا إحدى الفرص التاريخيّة التي يمكن استغلالها لتوفير فضاء عمومي يكون بمثابة مجال تمارس فيه الحريّة، أي فضاء يضمن لجميع المواطنين حق استغلاله بنوع من التكافؤ. فهل سيكون بوسع أنظمة الحكم التي أفرزها الربيع العربي رفع مثل هذا التحدي؟
يقتضي خلق الفضاء العمومي ـ من بين ما يقتضيه ـ خلق شروط حوار عقلاني، يسمح بإفراز توافق بين المشاركين حول قيم جديدة لبناء المستقبل الذي يفترض أن يكون بديلا عن أنظمة الاستبداد السابقة. ولن يكون هناك أي معنى لشعار محاربة الفساد السابق، إذا ما فهم التغيير المطلوب بوصفه حملا للأفراد على اتباع نمط من السلوك الذي سيملى عليهم عبر أجهزة الدعاية المملوكة للدولة. ليس المقصود، إذن، من التوافق أو الإجماع هو البحث عن ضمان الأغلبيّة للوصول إلى السلطة، لأن التفاهمات السياسيّة بين الأحزاب كفيلة بخلق مثل هذا التوافق. وليس المقصود من الإجماع كذلك هو حشد أكبر عدد ممكن من الأفراد وإقناعهم بالانخراط في تيار بعينه، وذلك بفضل دهاء سياسي يفطن صاحبه إلى نقطة التقاطع بين المصالح المتباينة لمخاطبيه. يقتضي الإجماع المطلوب بناء تصور سياسي لقيم الحريّة والعدالة والحق والخير. . إلخ، بصرف النظر عن المذاهب العقائديّة الدينيّة أو الفلسفيّة أو الأخلاقيّة التي تعتنقها الأطراف المتحاورة. ليس المطلوب من النقاش السياسي العام أن ينتصر طرف على آخر من خلال حمل الغير على تبني فهمه الخاص لما ينبغي أن تكون عليه قيم المستقبل، بل بالعكس من ذلك تماما يلزم أن يكون التصور الجديد هو المهيمن على العقائد الخاصة. لأن الخاص لا يمكن أن يصبح البتة بمثابة الأرضيّة المشتركة لتقاطع الإرادات، فالمشترك هو ما يتعرف فيه كل شخص على ذاته.
هل بوسع حكومات الربيع العربي أن تفهم اللحظة التاريخيّة الدقيقة التي يفرضها العصر؟
إذا أصبح هذا الفهم ممكنا اليوم ـ ونحن على مداخل الألفيّة الثالثة ـ فستفتح الكثير من الأوراش أمام كل الأطراف المعنيين بمستقبل شعوب ما بعد ثورات الربيع العربي، لكنها أوراش تستلزم إجراء عمليات جراحيّة كبيرة على مستوى الوعي. وربما يأتي على رأس هذه العمليات المصيريّة:
أ ـ التخلي عن التمسك الأعمى بالمرجعيات الأبديّة والخالدة، أي المرجعيات التي تعود مصادرها إلى حقب تاريخيّة ماضية شرقيّة كانت أم غربيّة؛
ب ـ الإيمان بأن الحقيقة السياسيّة أكبر من أي معتقد، كائنا ما كانت درجة قوته النظريّة، أو حتى قداسته الروحيّة؛
ج ـ الاحتكام إلى العقل أثناء التداول في شؤون الحكم، بغية تسويغ الآراء الخاصة للغير من أجل الوصول إلى اتفاق في أمور السياسة العامة؛
د ـ صياغة معايير مشتركة بهدف تجنب اتهام الآخرين بالارتداد أو الخيانة، متى ظهر أن هؤلاء الفاعلين ليس لهم نفس الولاء للمذاهب الخاصة دينيّة كانت أم وضعيّة.
إنها مجموعة من العمليات القاسية بالنسبة إلى الوعي العربي اليوم، لأنه وعي ألف الركون إلى الوثوقيات ذات المصادر الداخليّة والخارجيّة على حد سواء. ولأنه وعي إقصائي كذلك، يعتبر المخالف خائنا، والمنافس عدوا، وغير المتدين كافرا، وغير المؤمن ملحدا. في حين أن هؤلاء جميعهم مواطنون يجب النظر إليهم بوصفهم أحرارا ومتساوين. يقاس المواطن بكفاءاته وما يمكن أن يقدمه من خدمات في المرفق العام أو الخاص، وليس بولائه لجماعة أو طائفة أو مذهب أو عقيدة. إن اشتراط الولاء في أداء المهام يقوم على أساس وضعيّة دعوناها سابقا ب “سفور المعرفة”، وهي وضعيّة تتنافى مطلقا مع متطلبات المجتمع السياسي المعاصر. 
إن التقاط الإشارة إلى روح العصر ليس الدليل إليه هو صندوق الاقتراع لوحده أثناء إجراء انتخابات شفافة ونزيهة، لأن الاحتكام إلى الصناديق الشفافة أمر يمكن القيام به في أدنى دولة متخلفة وتحت إشراف مراقبين دوليين. فالدخول إلى روح العصر، إذن، لا يتم من باب الانتخابات الديموقراطيّة فقط؛ بل يتم أيضا من خلال القدرة على المساهمة في خلق فضاء عمومي لا يقصي أي أحد. وعدم إقصاء الغير لا يتم بدوره إلا بالاحتكام إلى معايير محايدة، وهذه المعايير لن يتوفر فيها شرط الحياد إلا إذا ساهم الجميع في خلقها. إنها المعايير الوحيدة والكفيلة بتأسيس القيم التي يمكن أن يقبل بها الجميع، أعني قيم الحريّة والعدالة والحق والخير. وغيرها.
هل بوسع مجتمعات الربيع العربي أن تفتح هذه الأبواب الموصدة لحد الآن؟ إن أصبح الأمر ممكنا اليوم، فمعنى ذلك أن الأحكام التي أصدرها ابن خلدون وابن الأثير سيتوقف سريان مفعولها. أما إذا منعنا صدأ هذه الأبواب من فتحها، فسترتسم عليها صور هذين الرجلين بلحيتيهما وعمامتيهما وأساريرهما المتجهمة. وهذا فأل غير حسن، ونذير شؤم!
رب قارئ سوف يعترض ويقول: هذه نظرة سوداويّة مفرطة في التشاؤم. قد يكون الأمر كذلك، مادامت منتظراتنا من مجتمعات الربيع العربي تتجاوز طاقاتها الفعليّة، ومادامت طموحاتنا تستعجل نفسها نظرا لكونها تتوخى تحقيق مآرب بعيدة المنال لم تبلغها الديموقراطيات العريقة نفسها. إنها مطالب وطموحات ينادي بها المفكرون الغربيون ويروّجون لها في مجتمعاتهم التي بلغت شأوا بعيدا في ممارسة الحريات الفرديّة والجماعيّة، وقد سقنا آنفا نموذجين يمثلان وجهتي نظر مختلفتين لكل من هابرماس وراولز. فإذن سيكون من قبيل قلة التبصر أن نطالب مجتمعات فتيّة ـ ما تزال تعيش مخاض الانتقال من نظام شمولي مستبد إلى نظام منفتح ومتعدد ـ بما يطالب به مفكرو الغرب مجتمعاتهم الضاربة جذورها في قيم حقوق الإنسان الكونيّة. سيكون مثل هذا الاعتراض سليما، لولا أن هؤلاء المفكرين يتحدثون هم أيضا عن مطالب وغايات مثاليّة. فهابرماس يريد بناء نظريّة اجتماعيّة تقوم على “نموذج مثالي”، بينما يعتبر راولز “نظريّة العدالة” التي يدعو إليها بمثابة سيرورة لامتناهية. بيد أن إقرارهما بهذه الطبيعة المجردة لآرائهما، ليس مطعنا في جدوى النظريّة التي يدافعان عنها بصرف النظر عن اختلافهما. النظريات الكبرى التي تفسر الكون والإنسان هذا حالها، إنها مجردة ومثاليّة: مجردة لكي تكون عامة، ومثاليّة لكي تكون غاية قصوى. النظريات تصف ما ينبغي أن يكون، ولا تقف عند حدود ما هو كائن. كل نظريّة ـ كيفما كانت طبيعتها ـ تشكو من خيانة الواقع لمتطلباتها، يحدث هذا في مجال العلوم الطبيعيّة كما يحدث في مجال العلوم الاجتماعيّة. وعندما تكون النظريّة من طبيعة اجتماعيّة تكون الخيانة أوضح، لأن العيب يظهر في المنتسبين لها أو مؤيديها أو منفذي تعاليمها، أصبحت النظريّة الليبراليّة متوحشة بعدما بدأت إنسانيّة، تحولت النظريّة الماركسيّة إلى نظام شمولي بعد أن كانت اشتراكيّة، أفرزت الديانات والملل فرقا متناحرة ابتعدت عن الأصول بالتدريج. . وهلم جرا.
عندما تمزقت المجتمعات بفعل تعدد الرؤى حول العالم، أصبح من الواجب تبني وجهة نظر خارج المذاهب الشاملة التي تشكل هويّة الجماعات. وذلك لأن الواقع لم يعد يسمح بالوحدة، أي بنشر نفس الرؤية على رؤوس الأشهاد. وبما أن الحقائق متعددة، فقد كان اللجوء إلى العنف ـ المشروع بلغة ماكس فيبر وغير المشروع على حد سواء ـ هو الوسيلة الوحيدة لفرض الرأي الأوحد، قبل ظهور المجتمع السياسي الحديث الذي يقوم على احترام حريّة التعبير والرأي والاعتقاد. إن كل من يعتقد في صواب عقيدته الدينيّة أو السياسيّة أو الأخلاقيّة وحدها، فهو يعتبر بالضرورة أن عقائد الآخرين غير صائبة ومن ثمة فهي لا تقوم على قيم الحريّة العدل والحق والخير، أو على الأقل فإن إدراكها لهذه القيم ليس مكتملا من جميع الأوجه. وإذا كان الأمر كذلك، فالحل الأنسب هو حمل المخالفين على تبني هذه القيم بأي طريقة اتفقت باللسان أو بالسنان، لأن الهدف نبيل. ومتى كان الهدف نبيلا وعادلا وخيّرا، فلا ضير في اللجوء إلى أيّة وسيلة تفي بالمراد. 
بيد أن المجتمع السياسي الديموقراطي لا يمكن أن يجيز مثل هذا الأسلوب الذي يربط مشروعيّة الهدف بصواب القيمة خيرا كانت أو عدلا أو حقا، لأن ما تتفق عليه الأغلبيّة قد تراه الأقليّة باطلا، وما يعتبر عادلا عند هؤلاء قد يعتبر غير عادل عند أولئك كما سبق لباسكال أن لاحظ ذلك بنوع من السخريّة. لقد بيّن راولز أن “القرارات والقوانين الديموقراطيّة تكون مشروعة ليس لأنها عادلة، بل لأنها تصدر بطريقة مشروعة وفق إجراء ديموقراطي شرعي ومقبول” يورغن هابرماس وجون راولز: نقاش حول العدالة السياسيّة، الترجمة الفرنسيّة، 2005، ص: 132. وهذا يعني أن الحقيقة في المجال السياسي غير مبررة ببرهان أو حجة دامغة مقنعة للجميع، أو مستوحاة من قوة خفيّة مفحمة لكل الأطراف، بل هي مجال إجماع وتوافق بناء على قواعد ومعايير يتم إبداعها من طرف المشاركين في العمليّة الديموقراطيّة. وليس ينطبق هذا الأمر على المجال السياسي وحده وإنما على المجال العلمي أيضا، لأن الحقيقة العلميّة يتم التوصل إليها وفق نموذج براديغم يتفق عليه أعضاء المجتمع العلمي كما ذهب إلى ذلك طوماس كون. وهذا لا يعني أن النماذج الأخرى التي تم إقصاؤها لا تفضي إلى إنتاج الحقيقة، بل لأنها لم تحظ بشرعيّة الاتفاق والإجماع فقط. كما بيّن ميشال فوكو من جهته أن الحقيقة في المجتمع المعاصر أضحت حكرا على الخطاب العلمي الذي ينتجها في جامعات ومعاهد خاصة، ثم بعد ذلك يتم نشرها وتوزيعها عبر قنوات ووسائل تسهر عليها الدولة. وهذا يدل على وجود سياسة للحقيقة يتم تداولها وفق آليات هي موضوع نقاش عمومي، يسري عليها ما يسري على مختلف القيم والمبادئ الأخرى مثل العدالة والحق والحريّة والخير. 
ما الذي يمكن أن تستفيده مجتمعات الربيع العربي، إذن، من الدرس الديموقراطي والدرس العلمي؟
قد يأتي على رأس هذه الاستفادة الاقتناع، أولا، بأن الحقيقة السياسيّة في مجتمع اليوم وليس الأمس هي مجال للتداول، وليست حكرا على مذهب أو عقيدة أو أيديولوجيا بعينها. وإذا كان الشأن السياسي مجالا للتداول تشارك فيه كل الأطراف، فلا فضل لطرف على آخر في تقديم المعايير الكفيلة بفرز ما هو حق وعدل وخير وحقيقي عن مضاداته. ففي مجال التداول السياسي، لا يزعمنّ أحد أن “دعاوي” تمتلك من صلاحيّة المعايير ما تفتقر إليه “دعاوي” خصمه أو منافسه، لأن المستقبل هو مشروع بناء. ولا يستمد هذا المشروع شرعيته سوى من التوافق بين كل الأطراف على قاعدة التشاور الديموقراطي، أو الديموقراطيّة التشاوريّة كما يدعو إليها هابرماس. وإذا سلمنا بأن تحقق مثل هذه القاعدة أمر عسير المنال، فإن هذا الحكم يسري على جميع الغايات القصوى للوجود البشري بما هي مُثل نضعها نصب أعيننا لضبط سلوكنا على هديها. 
أما إذا تم رفض الاحتكام إلى معايير جديدة يشارك الجميع في بنائها، فهذا يعني العودة إلى أدبيات “الأحكام السلطانيّة” وتحصيل “أدب الدنيا والدين” وإسداء “النصيحة للوزراء والملوك”. وهذه العودة ـ بالإضافة إلى كونها نوعا من النكوص ـ تقوم على مسلمة مفادها أن القيم قد اكتمل بناؤها، ومن ثم فهي كائنات مستقلة عن العقل البشري. بهذه الطريقة تصور الماوردي مسألة السلطة السياسيّة في “أدب الدنيا والدين”، إنها “القاعدة الثانيّة” من قواعد صلاح أحوال الأمة. يقول : “و أما القاعدة الثانية فهي سلطان قاهر تتألف برهبته الأهواء المختلفة، وتجتمع بهيبته القلوب المتفرقة، وتنكف بسطوته الأيدي المتغالبة، وتنقمع من خوفه النفوس المتعادية. لأن في طباع الناس من حب المبالغة على ما آثروه، والقهر لمن عاندوه، ما لا ينكفون عنه إلا بمانع قوي، ورادع ملّي” كتاب أدب الدنيا والدين، القاهرة، 1925، ص: 114. وظيفة السلطة السياسيّة، إذن، هي قهر الناس، وقمع النفوس، وذلك عن طريق المنع والردع. ولكن أنى لمثل هذه الوظيفة أن تحقق العدالة السياسيّة؟
يضيف الماوردي في القاعدة الموالية: “و أما القاعدة الثالثة فهي عدل شامل يدعو إلى الألفة، ويبعث على الطاعة، وتعمر به البلاد، وتنمو به الأموال، ويكثر معه النسل، ويأمن به السلطان” (ص: 119). لقد تم تشخيص قيمة العدل هنا، فتحولت إلى كائن قائم الذات يجوز الحديث عنه بضمير الغائب. إن القضيّة برمتها سوف تتحول ـ وفق هذا الفهم ـ إلى قضيّة أفراد يطلب منهم أن يكونوا عادلين وخيّرين وعلى قدر من الطيبة والحِلم، وعادة ما يتم تقديم هذا الطلب في صيغة استجداء خوفا من بطش السلطان.
شتان بين هذا التصور وبين تصور مناقض له سيظهر على مشارف العصور الحديثة، يرى من خلاله اسبينوزا “أن الغاية من تأسيس الدولة ليست السيادة أو إرهاب الناس، أو جعلهم يقعون تحت نير الآخرين؛ بل هي تحرير الفرد من الخوف بحيث يعيش كل فرد في أمان بقدر الإمكان” “رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة حسن حنفي”، القاهرة، 1971، ص: 446. وسيأتي بعده جون لوك ويقول كلاما مشابها، مؤكدا على أنه “لما كان البشر أحرارا ومتساوين ومستقلين بالطبع، استحال تحويل أي إنسان عن هذا الوضع، وإكراهه على الخضوع لسلطة إنسان آخر دون موافقته التي يعرب عنها بالاتفاق مع أقرانه على تأليف جماعة واحدة والانضمام إليها” في الحكم المدني، ترجمة ماجد فخري، بيروت 1959، ص:195.
رب معترض سيعترض بالقول: هذه مقارنة في غير محلها، لأنها عقدت بين حقبتين تاريخيتين متباعدتين. اعتراض وجيه، بلا شك. بيد أن وجاهة هذا الاعتراض تكشف لنا عن أمر في غاية الأهميّة، ألا وهو عدم جواز الدعوة إلى العودة لعصور تفصلها مسافات زمنيّة عن العصور الحديثة التي لا نسمح لأنفسنا بإجراء المقارنة بينها. كما أن لهذا الاعتراض وجها آخر يعكس إمكانيّة إجراء مقارنة في الاتجاه المعاكس، ونعني بذلك المقارنة مع أفكار العصر الأقرب الذي يفترض فيه أنه استفاد من رواد فكر الحداثة. فماذا قال شخص مثل علي عبد الرازق عن “الإسلام وأصول الحكم”؟ وماذا قال أحد زعماء الإصلاح عن “طبائع الاستبداد”؟
بعد أن انتهى الكواكبي من تحليل “طبائع الاستبداد”، سطر في آخر الكتاب برنامجا من خمس وعشرين مبحثا وضعها على شكل تساؤلات. غير أنه لم يجب سوى عن سؤال واحد متضمن في المبحث الأخير، وهو “مبحث السعي في رفع الاستبداد”، تاركا المباحث المتبقيّة “للكتاب ذوي الألباب، وتنشيطا للنجباء على الخوض فيها بترتيب، اتباعا لحكمة إتيان البيوت من أبوابها” طبائع الاستبداد، تحقيق محمد عمارة، دار الشروق 2009، ص: 133. ويحذر في هذا المبحث من كون الأمة “قد تقاوم المستبد بسوق مستبد آخر تتوسم فيه أنه أقوى شوكة من المستبد الأول. فإذا نجحت لا يغسل هذا السائق يديه إلا بماء الاستبداد، فلا تستفيد أيضا شيئا؛ إنما تستبدل مرضا جديدا بمرض مزمن. وربما تنال الحريّة عفوا، فكذلك لا تستفيد منها شيئا. ولهذا قرر الحكماء أن الحريّة التي تنفع الأمة هي التي تحصل عليها بعد الاستعداد لقبولها، وأما التي تحصل على إثر ثورة حمقاء فقلما تفيد شيئا. لأن الثورة غالبا ما تكتفي بقطع شجرة الاستبداد ولا تقتلع جذورها، فلا تلبث أن تنبت وتنمو وتعود أقوى مما كانت أولا” (ص: 134 ـ 135). فما هو المخرج من حالة الاستبداد الذي ينبعث من الرماد كطائر العنقاء، أو التنين الذي ما إن يقطع رأسه حتى يستنبت رؤوسا جديدة أشد فتكا من سابقتها؟
يجيب الكواكبي: “إن الوسيلة الوحيدة الفعالة لقطع دابر الاستبداد هي ترقي الأمة في الإدراك والإحساس، وهذا لا يتأتى إلا بالتعليم والتحميس”. ف“الاستبداد لا ينبغي أن يقاوم بالعنف، كي لا تكون فتنة تحصد الناس حصدا” (ص:137). وللوصول إلى هذه النتيجة، نبه الكواكبي الناشئة على الطريق السالكة من خلال الالتزام بمجموعة من “الوصايا” سرد منها إحدى عشرة وصيّة. وبذلك أعادنا إلى قيم خارجة عن مجال الفضاء العمومي، وهي قيم لم تكن موضوعا لأي نقاش بين مختلف المشاركين أو أعضاء هذا الفضاء. 
أما علي عبد الرازق فقد استغرب كيف أن المسلمين لم يهتموا بالنظر في العلوم السياسيّة، ولم يتعرفوا على مختلف أنظمة الحكم. إذ “من الملاحظ البيّن في تاريخ الحركة العلميّة عند المسلمين أن حظ العلوم السياسيّة فيهم كان بالنسبة إلى غيرها من العلوم الأخرى أسوأ حظ، وأن وجودها بينهم كان أضعف وجود. فلسنا نعرف لهم مؤلفا في السياسة ولا مترجما، ولا نعرف لهم بحثا في شيء من أنظمة الحكم وأصول السياسة، اللهم إلا قليلا لا يقام له وزن إزاء حركتهم العلميّة في غير السياسة من الفنون” الإسلام وأصول الحكم، بيروت 2005، ص: 32. هذا، مع العلم أن المسلمين كانوا في أشد الحاجة إلى معرفة النظم السياسيّة وأشكال الحكم، نظرا للخلاف الذي دبّ بينهم بخصوص مشكلة الخلافة منذ أول يوم شهد وفاة الرسول. وقد استمر النزاع خلال تاريخ الإسلام السياسي بأسره، ولم يخلُ عصر أو جيل من مصرع خليفة أو أكثر نتيجة التناحر على السلطة. لذا يتساءل علي عبد الرازق مستنكرا: “فمالهم أهملوا [يقصد القائمين على الحركة العلميّة] النظر في كتاب الجمهوريّة لأفلاطون وكتاب السياسة لأرسطو، وهم الذين بلغ من إعجابهم بأرسطو أن لقبوه المعلم الأول؟ ومالهم رضوا أن يتركوا المسلمين في جهالة مطبقة بمبادئ السياسة وأنواع الحكومات عند اليونان؟” (ص: 34). 
يحاول علي عبد الرازق أن يجد في الأحداث التاريخيّة التي أعقبت وفاة الرسول، عناصر أوليّة للجواب عن مثل هذه التساؤلات. وقد تبين له أن مشكلة المشاكل تتلخص في مسألة الخلافة، فهي التي حجبت عن المسلمين التعرف على أنظمة الحكم المشهورة قبلهم أو في زمانهم. لقد وقع انحراف في مسار الأحداث منذ اللحظة الأولى التي لقب فيها من تولى أمر الحكم باسم خليفة رسول الله، بينما الرسول لم يترك أي خليفة بعده ولا عيّنه ولا أوصى له. لم يكن الرسول زعيما سياسيا وإنما كان زعيما دينيا، وقد انتهت الزعامة الدينيّة بختم الرسالة وبانقطاع الوحي. ولما جاء الحكام فيما بعد أضفوا على أنفسهم لقب “الخلفاء”، وكأن الأمر يتعلق باستمرار الزعامة الدينيّة. لقد كان ذلك خطأ تاريخيا، و“كان من مصلحة السلاطين أن يروجوا ذلك الخطأ بين الناس، حتى يتخذوا من الدين دروعا تحمي عروشهم، وتذود الخارجين عليهم” (ص: 120). وهذا يعني أن تاريخ الخلافة لا يعكس تاريخ المجتمع السياسي، فقد عملت الخلافة على إخراج المسلمين من التاريخ الواقعي. وهذا ما يعيدنا مرة أخرى إلى الأحكام التي أصدرها أمثال ابن خلدون وابن الأثير، والتي قد تبدو للقارئ أحكاما مجحفة.
يخلص علي عبد الرازق من كل هذا إلى قناعة مفادها “أن الدين الإسلامي بريء من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون، وبريء من كل ما هيأوا حولها من رغبة ورهبة، ومن عزة وقوة. والخلافة ليست في شيء من الخطط الدينيّة، كلا ولا القضاء ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة. وإنما تلك كلها خطط سياسيّة صرفة لا شأن للدين بها، فهو لم يعرفها ولم ينكرها، ولا أمر بها ولا نهى عنها. وإنما تركها لنا لنرجع فيها إلى أحكام العقل، وتجارب الأمم، وقواعد السياسة”. بل أكثر من هذا، فـ“لا شيء في الدين يمنع المسلمين أن يسابقوا الأمم الأخرى في علوم الاجتماع والسياسة كلها، وأن يهدموا ذلك النظام العتيق الذي ذلوا له واستكانوا إليه. وأن يبنوا قواعد ملكهم، ونظام حكومتهم، على أحدث ما أنتجت العقول البشريّة، وأمتن ما دلت تجارب الأمم على أنه خير أصول الحكم” (ص: 121). 
إذن فالمرجعيّة الوحيدة في الحكم هي “أحكام العقل، وتجارب الأمم، وقواعد السياسة”، وليست هي قواعد العقائد التي جاءت للناس كافة قصد تهذيب السلوك وتزكية النفس. كما أن “خير أصول الحكم” هو ما دلت عليه التجربة التاريخيّة، وليس ما دلت عليه الدعوة النظريّة دينيّة كانت أم فلسفيّة أم أخلاقيّة. 
وماذا بعد؟
قد تكون تجربة الربيع العربي إحدى هذه التجارب التاريخيّة التي ستفضي إلى فتح الأبواب الموصدة منذ بدايات الخلافة إلى اليوم، وبذلك سيتمكن العرب من الدخول إلى التاريخ، أي الدخول إلى الزمان “زمان التاريخ الذي يسير وفق روح العصر”. أما إذا فشلت التجربة فحتما سيقع نكوص إلى الماضي، أي الحنين إلى أنظمة الحكم البائدة بدل الحلم بالمستقبل. إنها المهمة المنوطة بالفكر وليس بالجماعات التي تتناحر على السلطة، لأن التناحر هو الذي جعل التاريخ يدور في دوامة الانتقام اللامتناهية. بيد أن الأفكار أيضا تنشأ وتتقوم ويتم تعديلها في خضم التجربة التاريخيّة، وإلا ستظل مجردة ونظريّة ويندرس رسمها في بطون المؤلفات بمرور الزمن. فهل بوسع الفكر العربي اليوم أن يفتح آمال الناس على المستقبل، أم سيعود حلم الخلافة لمداعبة الخيال الشعبي من جديد؟
قد تفتح تجربة الربيع العربي باب تقويم الفكرة وتعديلها، على الأقل بالنسبة إلى إعادة رسم صورة للغرب أقرب إلى الواقع منها إلى المغالاة في تضخيمها أو تشويهها لتقديمها على هيئة شبح مخيف. فصناديق الاقتراع التي حملت بعضا ممن رسم تلك الصورة المخيفة، ستقذف به مباشرة إلى الجلوس مع ذلك الشبح المخيف في صناديق أخرى وعلى رأسها صندوق النقد الدولي. بل أكثر من هذا سوف يقبل هذا البعض بالمساعدات التي ستجود بها يدي ذلك الغول المتربص بالعرب وبالمسلمين، وسيعدون شعوبهم بتحقيق ما فشلت فيه أنظمة الاستبداد السابقة، وذلك عن طريق الالتزام بتطبيق مبادئ النظام الليبرالي وهو نظام مستورد! كما سوف تجد مجتمعات الربيع العربي نفسها مضطرة للدخول في أتون المنافسة إن استيرادا أو تصديرا، والعمل على تمتين البنيات التحتيّة لكل القطاعات القادرة على خلق فرص الشغل لإسكات الأفواه الجائعة دون التفات إلى طبيعة تلك القطاعات والبحث فيما إذا كانت الأموال التي تدرها مشروعة دينيا أم لا من قبيل الصناعة السياحيّة وما تستتبعه من وسائل الترفيه التي لا تعترف بالحدود بين الحلال والحرام، بين المكروه والمستحب، بين المحظور والمباح. إلخ. وبذلك سيحصل تحول في قناعات معارضة الأمس، لأن قادتها أصبحوا مسؤولين عن إدارة شؤون الدولة مع ما يستلزمه ذلك من توفير الشغل والصحة والتعليم. للمواطنين. وهذه مطالب يوميّة وملحة، لا تترك مجالا لقياس الحلول بمقياس القيم المحفوظة في العقائد. 
إذا نجحت تجربة الربيع العربي في تقويم بعض الأفكار، وتليين بعض الأحكام، والتخلي عن إقامة الحواجز الأيديولوجيّة بين الأنا والغير، وعدم تقديس الذات ـ لغة ودينا وتاريخا وثقافة ـ بغية التسامي بها وإعلائها على حساب الآخر؛ فإن ذلك سيفسح المجال أمام الفكر العربي للقيام بالمهام التي تنتظره: مهام إدخال الأمة إلى التاريخ. 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق