ميشال باكمان: أفول الشعبوية الانعزالية؟ / حسن منيمنة

أحد المحركات الأساسية للواقع السياسي والثقافي في الولايات المتحدة هو هذا التلاقي غير المتجانس بين مقومات وتيارات تتراوح في مضامينها وجاذبيتها من أقصى الهامش إلى ما يقارب الوسط، وهو عينه التلاقي الذي يعوّل عليه الحزب الجمهوري للوصول إلى مواقع السلطة. وإذا كان هذا الائتلاف المتنوع أنتج في مراحل متفرقة غالبية انتخابية، فإنه في أكثر من حالة، فرز ظواهر أقل ما يقال عنها إنها أنهكت رصيد الحزب الجمهوري لدى عامة الناخبين. أي أن أساس قوة هذا الحزب حيناً هو أيضاً مصدر ضعفه أحياناً. والنائبة ميشال باكمان، عضو مجلس النواب في الكونغرس عن ولاية مينيسوتا، نموذج واضح لهذا التناقض.

وإذ تعلن اليوم عزمها على عدم الترشح مجدداً، فإن الوقت قد يكون مناسباً للحزب الجمهوري للعودة إلى صيغة متماسكة في سعيه الى استقطاب الناخبين.

تكمن الأزمة الجوهرية للحزب في أنه في واقع الحال حزبان متميزان يحاولان الظهور كأنهما حزب واحد، تحت شعار الالتزام بالمحافظة. فمفهوم الفكر المحافظ يتنازعه تياران، أولهما قائم على أهمية الحد من دور الدولة، ومن تدخل السياسات العامة في مسار السوق الحر، انطلاقاً من أن هذا السوق كفيل بتقديم الإطار للعمل المسؤول من خلال الشفافية والتنافس البنّاء. فدور الدولة يصبح بالتالي منع التجاوزات وضمان الالتزام بالوعود ومعاقبة التعديات، لا تحديد الأولويات أو إعادة توزيع الثروات أو تثبيت الأسعار. فهذا هو التيار المحافظ الاقتصادي الذي يشكل في صيغته المتداولة، صلب مفهوم الحرية الفردية في الولايات المتحدة. أما التيار الثاني فهمّه اجتماعي وسعيه الدائم هو إلى تثبيت القيم التقليدية ومنع تآكلها، لا سيما ما يتعلق بالأسرة والزواج والإنجاب وكذلك الدين.

فالمسائل الرئيسية التي تحرك هذا التيار هي التصدي لما يعتبره تعدياً على مفهوم الزواج من خلال إقرار زواج المثليين، ومحاولة العودة إلى حظر الإجهاض، أو على الأقل وضع العقبات والقيود أمام إباحته، والتشديد على أهمية الصيغة التقليدية للأسرة، أي وجود الأم والأب كأساس للتربية السليمة، والسعي إلى عدم إقصاء الدين- والمقصود طبعاً المسيحية، وربما مع بعض المقدار من القبول باليهودية- عن الحياة العامة. وفي حين يلتزم هذا التوجه يلتزم صفة التيار المحافظ الاجتماعي، يبدو جلياً أن التيارين المحافظين، رغم الاتفاق في الاسم، متباعدان من حيث الموضوع، ومن حيث تشخيصهما لدور الدولة. فالأول يريده أقل لضمان الحرية الفردية، والثاني يريده أكثر للتصدي لبعض أوجه هذه الحرية.

وفي ما يتعدى هذين التيارين، على تجاذبهما، فإن اعتماد الحزب الجمهوري، وإن الضمني، للحصول على قاعدة انتخابية لم تكن كافية في التجارب الأخيرة، هو كذلك على توجهات ومواقف أخرى تتراوح من التشدد العقائدي إلى محض الخيال السياسي، سواءً كانت قناعات المستقطبين من هذه التوجهات عميقة أو عابرة. فمن أوهام ضلوع الحكومة الاتحادية بمؤامرات شتى، إلى الدعوات إلى أقصى الانطوائية، أو إلى الامتناع عن دفع الضرائب، والدفاع عن حق اقتناء السلاح حتى الحربي منه تحسباً للعظيم الآتي، يستجمع الحزب الجمهوري بوتقة من أصحاب الأفكار والطروحات التي تقع خارج خطابه «المحترم»، فيستفيد من طاقاتها الانتخابية، آملاً بأن يُبقى شواذها الخطابي بعيداً من الأضواء. إلا أن هذه المعادلة المتفائلة تعرضت في الأعوام الأخيرة للارتجاج مع اقتحام الخطابيات الأهوائية مجمل أوساط الحزب الجمهوري، في إطار انتفاضة حزبية شعبوية متضاربة الأشكال باسم «حفلة الشاي» (أو حزب الشاي، في إشارة تاريخية إلى تمرد المستوطنين على السلطات البريطانية قبيل ثورة الاستقلال الأميركية).

بل إن الوجوه القيادية في الحزب الجمهوري، وفي محاولة لاستجداء التأييد الشعبي، ساهمت في قطع الخط الفاصل بين الخطاب الجمهوري المحترم، بشقيه المحافظ الاقتصادي والمحافظ الاجتماعي، وبين الطروحات الهامشية.

ويذكر في هذا الصدد اختيار جون ماكين مرشح الحزب الجمهوري لانتخابات الرئاسة عام ٢٠٠٨ لسارة بايلن لمنصب نائب الرئيس. فبايلن نتاج الهامش، فكراً وطرحاً وخطاباً، وما جلبته من تعبئة للمتجاوبين مع هذا الهامش، دفع ثمنه ماكين والحزب خسارة من أصوات الوسطيين، وخسارة للانتخابات الرئاسية.

وكما بايلن، كذلك ميشال باكمان التي تشغل منصبها في مجلس النواب في الكونغرس منذ ٢٠٠٧. فهي تميزت بمواقف تتماهى فيها مع هذا الهامش الذي أمسى غالباً في الحزب الجمهوري، وتتزعم كذلك كتلة «حفلة الشاي» في المجلس. وفي حين يستمر خطابها الرسمي في تركيزه على المسائل التي تعني القاعدة الجمهورية الواسعة، أي الهمّين المحافظين الاقتصادي والاجتماعي، فإنها في سلوكياتها وأقوالها تستجدي الهامش وتنشط في تطبيعه في الحياة السياسية. وقد تكون مواقفها التشكيكية بولاء عدد من الموظفين في الدوائر الحكومية، من ذوي الأصول الإسلامية، بناءً على علاقاتهم المزعومة مع منظمات عالمية تسعى إلى تقويض الولايات المتحدة، النموذج الأكثر وضوحاً لتصعيدها في تطبيع التطرف.

وعلى رغم أن الوسط السياسي في أميركا اعترض على الصيغة التي لجأت إليها باكمان في التشهير بهؤلاء الموظفين من دون قرائن أو أدلة، فإن إثارتها للمسألة لاقت استحساناً في أوساط ثقافية وشعبية تلتزم الريبة التلقائية إزاء المسلمين والعرب، سواءً في شكل صامت، وهو حال أكثرهم، أو في شكل مدوٍ يؤيد باكمان بل يزايد عليها.

قد تكون باكمان منسجمة مع رأي شعبي واسع في موضوع الريبة بالمسلمين، إلا أنها كما يبدو خارج الأكثرية في ما يتعلق ببعض المسائل الاجتماعية، ومنها مثلاً اعتبارها للمثلية داءً قابلاً للعلاج. على أي حال، باكمان التي كانت نجماً صاعداً من شأنه أن يعيد رسم ملامح الحزب الجمهوري بمزيد من التطويع للتشدد والتطرف، أعلنت اليوم نيتها عدم الترشح بعد انتهاء ولايتها عام ٢٠١٤. فإذا كانت هذه فرصة أمام الحزب الجمهوري للعودة إلى العقلانية، فإن أزمته الوجودية، بشقيه وأطرافه، مستمرة.

عن جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق