مَن يقوى على الحلم؟ / نهلة الشهال

النقاش حول ما إذا كان عزل الرئيس محمد مرسي حصيلة انقلاب عسكري أم ثورة شعبية، وهل هو جائز شرعاً، ليس سوى جزء يسير من الموضوع. فإن اختُزل الموقف به شابه الجدل حول جنس الملائكة. وليس هذا استصغاراً لشأن الموضوع ولا لضرورته، ولا استخفافاً بأهمية تحديد ضوابط وأصول للحكم وللممارسة السياسية، بل تعيين للعصب الذي يمسك بالحدث.

فالظاهرة الأولى المدهشة في ما يجري مصرياً هي محرّكات الناس، تلك الملايين الكثيرة التي نزلت إلى الشارع لتقول ما لا تريد، إن لم يكن ما تريد. ولا يوجد جهاز استخبارات في العالم يمكنه أن يحرك مثل تلك الكتلة الهائلة. قد يلاقيها، قد يحاول استغلال حركتها والسعي إلى توظيفها في وجهة ما، قطف ثمارها على مستوى «السياسة» بما هي محصلة فوقية، لكنه لا يصنعها، بمعنى الخلق.

ومن يفكرْ على هذه الصورة يكنْ قابعاً في خريطة الماضي، مع أن طبيعة الحدث تنتمي إلى المستقبل. وهذه ليست ثنائية شكلية. في انزياح النقاش إلى تلك النقاط حصراً أو بالدرجة الأولى، تفويت ما هو أساسي وجديد: انطلقت الدعوة إلى تظاهرات «30 يونيو» من «تمرد»، وهي شبكة شبابية غير مهيكلة، لعلها ورثت شبكات سبقتها كـ «6 أبريل» وسواها، ولعل دعوتها إلى توقيع تلك العرائض أفلتت من أيديها (ولكن، هل لها أيدٍ؟ هذه فرضية ومنهج في التفكير ينتميان إلى ما اعتدنا عليه، إلى «الماضي»).

مَنْ خطر في باله مع انطلاق حملة «تمرد» أنها ستجمع تواقيع كل تلك الملايين؟ ومن خطر في باله- وهذا الأهم- أن ملايين الناس سينزلون إلى الشارع في ذلك اليوم المحدد، فيشكلون «أكبر تظاهرة في تاريخ البشرية» (هل هذا تفصيل؟). لم يخطر ذلك في بال «الإخوان» قطعاً، ولا في بال المعارضة المنظمة المنضوية في جبهة الإنقاذ، ولا في بال الجيش. الأخير تدخل لضبط هذه الحركة ومنعها من الإفلات في اتجاهات غير محسوبة بالمعنى السياسي، وكذلك لمنع صدام دموي بينها وبين «الإخوان المسلمين» يمكن نعته اختصاراً بالحرب الأهلية، وإن كان التوصيف ليس دقيقاً تماماً. والجيش هنا تصرف كمؤسسة وطنية، أي كجهاز لعله الوحيد الذي بإمكانه (يمتلك السلطة والقوة اللازمتين) الحفاظ على «الدولة»، وحمايتها. وهذا يتجاوز من بعيد حيّز الانقلاب.

الشرعية ليست فقط موقفاً أخلاقياً، ولا حتى سياسياً، بمعنى اختصارها بمحصلة صناديق الاقتراع مثلاً (على ما ذكّر أوباما مرسي في المكالمة الهاتفية بينهما قبيل عزل الأخير، والتي صارت شهيرة إذ حاول «الإخوان» إعادة «منتجتها» لتلائمهم!). تتجسد فكرة الشرعية في آليات متوافق عليها، أو معلنة، ينبغي بالطبع تعيينها وممارستها واحترامها. والرئيس مرسي فاز في الانتخابات، ولا شك، الاستفتاء على الدستور الذي طرحه نال غالبية مريحة، ولا شك. ولكن التعرف إلى اللحظات التاريخية يرتبط تحديداً بالحالات التي يفرض فيها واقع الأحداث تجاوز ذلك.

وبالمناسبة، واستطراداً، من اللافت أن الالتزام الحرفي بتعريفات الشرعية تلك، وبهاجس احترامها فوق أي اعتبار يطغى على رد الفعل البريطاني مثلاً، ليس الرسمي فحسب، بل أيضاً ذلك الذي عبرت عنه أصوات تحليلية وحتى الإعلام عموماً، ما يكشف عن قوة التقاليد السياسية ورسوخها في هذا البلد، ويعبر أيضاً عن مزاجه العام والعميق، والذي حال دون أن يكون بلد ثورات، بعكس فرنسا مثلاً، ووفر انتقالاته التاريخية الكبرى بطرق هادئة وبناء على توافقات.

وما بدا بليداً ومفوتاً في رد فعل «الإخوان» على ما يجري لهم ومعهم، هو التمسك فقط بـ «لكننا فزنا، نحن الشرعية». وهم هنا أظهروا عجزاً عن التقاط الدينامية الجارية والمتجاوزة هذا المعطى، على رغم أهميته. وهذا يشبه الغضب من فيضان نهر عظيم، ومحاولة الاعتراض عليه بالقول إن «العقد» معه هو أن يجري في مهده المحفور في الأرض عبر آلاف السنين، وأن يروي الزرع والناس، ويصب في مكان معلوم. لكنه فاض! انتهك مجراه وفاض. ليس بأدب، وليس في توقيت معلوم ومناسب كما يفعل النيل منذ فجر التاريخ، فكانت «مصر هبته» كما قيل، بل بعنف كاسح وفي شكل غير متوقع، فما العمل؟ هنا، بدا «الإخوان» مفتقدين تماماً الخيال السياسي، علاوة على ثقل دمهم. ولعل هذا الجانب هو أصلاً ما أفشلهم وكشف مقدار ماضويتهم في آن. فقد ظنوا أن الفوز في الانتخابات والاستفتاءات يمنحهم الحق في التصرف بالبلاد. وصموا آذانهم عما يتعدى فوزهم، ففوّتوا فرصة اقتراح توافق وطني يمكنه الإحاطة بالمرحلة الانتقالية لما بعد مبارك، بمعطياتها الكثيرة والمتناقضة، وتحدياتها الهائلة. اعتبروا أن الأمر هو ممارسة السلطة طالما هم أمسكوا بها، بينما التحدي كان في مكان آخر.

هناك قطيعة وقعت، ولم يدركوها. والأرجح أن الأطر التقليدية والمعتادة للمعارضة لم تدركها كذلك، لذا فهي تجادل «الإخوان» وتماحكهم على الهوية الفكرية، الأيديولوجيا وعلى الحق في الإمساك بالسلطة، ومقداره وكيفيته، وتفرك يديها فرحة بـ «غلبناهم»… وهي في هذا تسلك وفق ميراث الماضي وصراعاته، وكاستمرار له، وإن تغيّرت الوجوه. وهذه هي الثورة المضادة بالمعنى العميق للكلمة! بينما هناك أفق انفتح فجأة أمام الجميع، طارحاً تحديات هائلة، ومفترضاً امتلاك النضج اللازم لحملها وإيجاد حلول لها. وهو معنى أننا هنا أمام «لحظة» بالمعنى التاريخي، تَغيُّر في إيقاع الزمن يَخرج عن الانسياب المعتاد للأحداث السياسية، وإن الكبرى، بقوانينه المألوفة. فمن يقوى؟

وأخيراً، يقع كل اعتراض على قمع «الإخوان» أو التنكيل بهم، في هذا الباب تحديداً وليس فقط في مجال حقوق الإنسان، مما هو معتبر كذلك. لا شك في أنه ينبغي تعطيل قدرة «الإخوان»، أو ربما جنوحهم إلى العنف بسبب الشعور بالخسارة، وبسبب خوفهم من عودة الاضطهاد لهم أو الظلم، وهو خوف عميق لديهم، أصيل ومتلازم مع الجنوح إلى العنف. لكن نقاش كيفية التعطيل ضروري تماماً، وليس بدهياً أن تقتصر أدواته على الملاحقة والحبس.

فالتحدي الذي ينتصب أمام الجميع، حركات إسلامية وليبرالية ويسارية، يتعلق بالنجاح في صوغ معادلة للتوافق الوطني، نقيض الصراع على السلطة، لإنتاج خريطة طريق (حقيقية، وليس فقط كمخرج من مأزق آني وأزمته) نحو مستقبل مصر. فمَنْ يقوى؟

عن ملحق تيارات – جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق