نقد العقل الأداتي عند المدرسة النّقديّة لفرانكفورت

مقدمة:
يرتبط المشروع الفكري لمدرسة فرانكفورت بالنظريّة النّقديّة بالمعنى الواسع لكلمة النّقد، حيث تستند إلى أصول أنواريّة مع ديكارت، روسو، وكانط صاحب مشروع نقد العقل، كما تستند إلى نتائج القرن التاسع عشر سواء في شقه الفكري مع كل من هيجل وماركس وانجلز أو في بعده العلمي مع ماكس فيبر وفرويد.
هذه الأصول يمكنها أن توجّه فهمنا لمعنى النّقد كما تتبناه المدرسة النّقديّة لفرانكفورت التي تحاول أن توجّه النّقد لكل ما هو كائن، سواء في بعده الفكري أو الاجتماعي أو العلمي المتخصص . هكذا ينصب النّقد الفلسفي لمدرسة فرانكفورت على إنتاجات العقل وخاصة كما تجلى مع الأنوار، بحيث أن العقل الأنواري الذي يبشر بالتحرر والانعتاق بدخول عالم المعرفة، نجده ينقلب إلى أداة تساهم في الاغتراب والاستعباد ومزيد من التشيؤ. وبذلك أصبح العقل الأنواري عقلا أداتيا في الفهم النّقدي لمدرسة فرانكفورت.
ستكون الانطلاقة بتحديد الدلالة اللغويّة أولا، ثم الدلالة الفلسفيّة لمفهوم العقل الأداتي، لننتقل للحديث حول مضمون النّقد الموجه للعقل الأداتي. متسائلين عن أفق النّقد الذي مارسته مدرسة فرانكفورت، مكتفين بقراءة يورغن هابرماس لكونه يعيد صياغة نقد العقل الأداتي منذ الرواد الأوائل من جهة، ومن جهة أخرى لأنه يظهر نقد العقل الأداتي بشكل مستقل وواضح. وفي خاتمة الموضوع نتطرق إلى أن النّقد الذي مارسه هابرماس قد نقل قيمة النّقد عموما، من نظرته التشاؤميّة مع الرواد إلى نظرة أكثر تفاؤلا بالمستقبل.

1-الدلالة اللغويّة والفلسفيّة : تأصيل مفهوم العقل الأداتي
بالعودة للمعاجم من أجل التأسيس العقل الأداتي la raison instrumentale كمفهوم فلسفي ينتمي لحقل اشتغال للفلسفة النّقديّة، نسجل غيابا شبه تام للمفهوم في المعاجم اللغويّة.
حيث نجد فقط إشارة إلى الاستعمال والاستخدام كأداة بحيث نجد في معجم Robert حول كلمة instrument ما يلي : شيء – آلة – وسيلة – أداة، كما تستعمل في سياق الجملة : أداة للنجاح أو فلان يستعمل مستخدميه كأداة.
وحول كلمة Instrumentale نجد ما يلي : ما يتم تنفيذه بواسطة أدوات… موسيقي أداتيّة، مجموعة من الأدوات، وما يتم تطبيقه بواسطة أدوات (les instruments).
أما في الاستعمال الفلسفي فنجد غياب المفهوم في الموسوعة الفلسفيّة Universalis، أما في المعجم الفلسفي Lalande فنجد حول كلمة Instrumentale = ce qui sert de moyen pour la production d’un effet ce terme est aujourd’hui peu usité. أي ما يتخذ وسيلة لإنتاج حدث ما، إن هذا المفهوم قليل الاستعمال في الوقت المعاصر (بدايّة القرن العشرين). أما كلمة instrumentalisme فنجدها في معجم لالاند تتخذ معنى : إنها إحدى استعمالات البرغماتيّة une variété du pramatisme.
من خلال العودة إلى المعاجم اللغويّة أو الفلسفيّة يتبين أولا أن هناك استعمال بمعنى الأداتيّة أي كوسيلة للقيام بشيء ما، كما أن la raison instrumentale ليس مفهوما كمفهوم الحريّة أو الديمقراطيّة أو الحتميّة، إنه لا يتضمن محددات داخليّة بقدر ما هو مرتبط بكل ما يمكن استعماله، أو كل ما يمكن اتخاذه كوسيلة، كأداة، كشيء مفصول ومعزول عن أصوله أو محدداته الأخرى. إن العقل الأداتي الذي سنقدم بعض ملامحه الكبرى هو عقل يستعمل كشيء، كوسيلة لإنتاج أشكال، وقائع، مؤسسات، استيهامات. باعتبارها بضاعة قابلة للتداول لها قيمة استعماليه وقيمة تبادليّة كما يؤكد على ذلك هابرماس أما إذا أضفنا كلمة نقد critique لـ «العقل الأداتي «فسنحصل على التركيب التالي : نقد العقل الأداتي هي عمليّة مواجهة وفضح وإبراز لمجالات النقص في الاستعمال المرتبط بالعقل كشيء أو وسيلة لإنتاج العقلنة في العالم.
إذا ارتبطنا بهذه الرؤيّة المفهوميّة سنجد أنفسنا عند الحديث عن نقد العقل الأداتي في صلب اهتمام المدرسة النّقديّة لفرانكفورت، بمعنى أن غياب موضوع داخلي للعقل الأداتي يجعله بمثابة عمليّة نقد اتجاه إنتاجات العقل. وبالتالي سنجد هذا العقل الأداتي يتجلى في النظريّة الماركسيّة والرأسماليّة وفي صناعة الثقافة، في التقنيّة. .. بمعنى آخر يمكن القول بأن العقل الأداتي يأخذ عنوانا مركزيا في النظريّة النّقديّة، تتفرع عنه كل المواضيع النّقديّة الأخرى، فعندما يتم انتقاد الماركسيّة فإنه انتقاد لبعد من أبعادها الأداتيّة، وعندما يتم انتقاد الرأسماليّة الصناعيّة المتقدمة أو المدرسة الوضعيّة أو العلم، فإنه انتقاد للأداتيّة التي تحكم كل مجال من هذه المجالات. وبذلك يظهر أن نقد العقل الأداتي ينصب على نقد الأشكال التي يأخذ فيها العقل بعدا استعماليا وكشكل من أشكال التشيؤ réification.
2- جذور نقد العقل الأداتي : هوركهايمر وأدورنو
من المعلوم بأن الرواد الأوائل لمدرسة فرانكفورت هم مجموعة من الماركسيين المتشائمين الذين يواجهون عدة إخفاقات وانتكاسات، جعلتهم يبحثون عن مجال ما للتعبير عن الرفض ومواجهة الإحباطات التي تعرفها ألمانيا بشكل خاص والعالم الغربي بصفة عامة. فكان مركز الأبحاث الاجتماعيّة لفرانكفورت المتنفس الذي احتضن كل هؤلاء لتوجيه سهام النّقد لكل أشكال الانحراف والتشيؤ والاغتراب التي تعرفها النظريّة أو الممارسة العمليّة.
إن الوضعيّة التي انطلق منها النّقد تعود أساسا إلى الوضعيّة التي خلقتها الحرب العالميّة الأولى، إلى جانب فشل الثورة في تحقيق التحرر، إضافة إلى صعود التيارات النازيّة والفاشيّة، في مقابل تمكن الرأسماليّة الصناعيّة من التكيف مع الواقع الجديد، بل أكثر من ذلك استطاعت الرأسماليّة أن تستوعب تناقضاتها وأن تبدع وسائل جديدة لمواجهة المد الثوري، وذلك من خلال عمليّة الإدماج l’intégration التي انتهجتها لتفكيك الاحتقان الذي يمكن أن تتزعمه الطبقة العاملة والعمل على تطويق تلك المواجهة من خلال إشراك العمال في وهم الاستهلاك أو ما يسميه هوركهايمر بتشيؤ العقل réification de la raison .
يعلن رائدا مدرسة فرانكفورت ماكس هوركهايمرMax Horkheimer وتيودور أدرنو Theodor W. Adorno في مقدمة كتابهما la dialectique de la raison بأن من دواعي تأليف الكتاب هو مواجهة تنامي الأداتيّة والآليّة في المجتمع المعاصر «لا يتعلق الأمر إلا بالعوائق التي تنتج عن الأداتيّة المفصولة عن العلم فتحليل المشاكل الاجتماعيّة يمكن أن يرتبط بانتظارات معاكسة للتوجّه الرسمي للعلم «، بمعنى أن العمل الذي تقوم به المدرسة النّقديّة هو توجيه النّقد للاستعماليّة المباشرة للعقل والعلم على حد سواء. فالعقل التنويري l’aufklärung الذي يعد بالتحرر، يعيش إخفاقا ذريعا وهو إخفاق ليس عرضيا بمثابة حادثة accidentelle فقط. وإنما تعود جذوره لهذا العقل نفسه هكذا إذن يصبح العقل مجرد أداة لإنتاج التبعيّة والاغتراب، ويصبح الإنسان الحامل لهذا العقل مجرد أداة للإنتاج الاقتصادي وتحقيق الربح في مجتمع لا يتمتع فيه الإنسان بقيمة ذاتيّة، بل بقدرته الإنتاجيّة فقط «تقلص دور الفرد إلى درجة الصفر في علاقته بالقوى الاقتصاديّة. وفي الوقت نفسه الذي تحمل هذه القوى سيطرة المجتمع على الطبيعة إلى مستوى لم يعرفه من قبل».
من خلال هذا التوجّه التحكمي للبعد الاقتصادي على المجتمع يظهر التخوف والقلق الذي يراود أصحاب المدرسة النّقديّة ويدفعهم للتنبيه لتنامي النزعة الأداتيّة في استعمالات العقل.
إن النّقد الذي يدشنه رواد الجيل الأول من مدرسة فرانكفورت لاستعمالات العقل الأداتي، يجد جذوره في تنامي النزعة العلميّة المزهوة بانتصاراتها ، إلا أن النّقد يحاول أن يبين قصور هذا التوجّه ونتائجه المعكوسة على وجود الإنسان ورغبته في التحرر وعيش إنسانيته الكونيّة.
لكن رغم كون نقد العقل الأداتي يمثل قطب الرحى في مدرسة فرانكفورت – كما أشرنا إلى ذلك سابقا – إلا أن حضور مفهوم «نقد العقل الذاتي «كعنوان مستقل أو كموضوع مستقل لا نجده إلا عند فيلسوف الجيل الثاني يورغن هابرماس jürgen habermas، بحيث أن الاستعمال المنتشر اليوم هو من إبداع هابرماس، هو الذي التقط هذه الإشارة وحول الاستعمال الضمني إلى مفهوم صريح في الفلسفة النّقديّة.

3- نقد العقل الأداتي هو نقد للتشيؤ.

يناقش هابرماس في كتابه théorie de l’agir communicationnel وخاصة في الفصل الخامس من هذا الكتاب، مسألة نقد العقل الأداتي la critique de la raison instrumentale. وأول ما ينطلق منه هابرماس في حديثه عن العقل الأداتي هو القول بأن نقد العقل الأداتي كما تجلى لدى كل من هوركهايمر وأدورنو، هو بمثابة نقد لتشيؤ réification العقل، عن طريق الاشتغال على نظريّة ماكس فيبر Max weber المتعلقة بالبيروقراطيّة والتنظيم أو ما يسميه فيبر بالعقلنة rationalisation دون إهمال لنتائج الفلسفة الموضوعيّة للتاريخ، حيث يقوم كل من أدورنو وهوركهايمر بالكشف عن النقائض التي تنتج عن مسار النظريّة الخاصة بالمجتمع لذلك يعمل كل من هوركهايمر وأدورنو حسب هابرماس على تعميق أسس النّقد اتجاه فعل التشيؤ بالحديث عن الأصول والجذور الما قبل رأسماليّة للاغتراب، بالعودة إلى أصل صيرورة الإنسان عموما والحضارة الغربيّة على وجه الخصوص . إن الموقف الذي يتبناه هابرماس هو إعادة قراءة النّقد الذي مارسه كل من هوركهايمر وأدورنو، بمعنى أن هابرماس يقوم بنقد مضاعف أو نقد مزدوج فهو يقرأ نقد الرواد باعتباره تشريحا للوضعيّة المتأزمة التي وصلها الفكر المعاصر. كما يبين أن هذا النّقد هو تعبير عن التشضي وعن الانكسار وعن التشاؤم الذي ساد عند رواد المدرسة النّقديّة جراء توالي الإخفاقات وأشكال الفشل التي عايشوها خلال الأربعينات من القرن العشرين.
لكن هابرماس لا يتوقف عند هذا الحد، بل يعمل على تجاوز انحصار النّقد في نسخته الأوليّة مع الرواد الأوائل وتحوله إلى نظريّة ميتافيزيقيّة أو فنيّة للتخلص من أشكال الاغتراب والتشيؤ، مستبدلا ذلك الانحصار بفضاء رحب للتواصل. فما هي أهم تجليات نقد العقل الأداتي عند هابرماس؟

أ- نقد النزعة الموضوعيّة في العلم :
يعمل هابرماس على العودة إلى القراءة الموضوعيّة للتاريخ باعتبارها المنبع الذي يستقي منه كل من هوركهايمر وأدورنو ملامح النّقد الموجه للعقل الأداتي، من خلال الحديث عن سيطرة النظرة الموضوعيّة objectiviste للعلم . وذلك بالعودة إلى التفسير الذي ساد في السنوات الأولى من القرن العشرين للماركسيّة، خاصة مع لوكاتش في حديثه عن أسباب الاغتراب والتشيؤ التي تعمل على انزياح الإنسان إلى بعد مادي موضوعي يفقد من خلاله روحه الفاعلة في ذاتيته. فالرغبة المتزايدة للنظام الرأسمالي للربح ومزيد من الإنتاج المادي والتقني، تدخل الإنسان في عمليّة تشيؤ من جهة، ومن جهة أخرى تؤدي سلب حريته الفاعلة في التغيير والتحرر.
إن النّقد الذي يوجهه لوكاتش لرؤيّة العلم في بعده الوضعي باعتباره يفضي الى رؤيّة تعمل على جعل الاغتراب شامل للإنسان . على هذا الأساس ينبني نقد كل من هوركهايمر وأدورنو، اللذان يطوران نظريّة لوكاتش في الاغتراب والتشيؤ، بفعل نمط الإنتاج الذي يؤدي إلى عزل العامل عن إنتاجه وإفراغه من ذاتيته.
إن نقد النزعة العلمويّة، هو نقد عميق لربط العلم بالبعد التطبيقي الذي يعتمد رؤيّة ميكانيكيّة، هاته الموضعة التي تجعل الإنسان بمثابة بضاعة وأداة للاستعمال. وعوض ذلك يرى هوركهايمر وأدورنو ضرورة الدخول في عمليّة نقد العلم لذاته، بتأمل ذاتي. وهذا ما يجعل أدورنو يعيد الاعتبار للفن، لأنه المجال الذي تبرز فيه الذاتيّة ولا يطاله التشيؤ. لذلك يعتبر هابرماس في قراءته بأن الوضعيّة الحاليّة للعلم المعاصر كما يقدمه الوضعانيون، جعلت من نقد الرواد الأوائل لمدرسة فرانكفورت ينصب حول فكرة ربط العلم بالوقائع المباشرة. ولذلك تكون رؤيته بمثابة اغتراب للحياة بشكل عام وللإدراك بشكل خاص.
إن النزعة العلميّة موضوع النّقد لا تتجلى فقط في النظام الرأسمالي الصناعي حيث سيادة المفاهيم الاقتصاديّة كالإنتاج والتوزيع والربح، بل يتوجّه كذلك إلى النظريّة الماركسيّة، فالنزعة الموضوعيّة في الماركسيّة تتحدث عن الحتميّة التاريخيّة باعتبارها «حتميّة علميّة»نتيجة لمسار تطور الإنسانيّة، حيث يعتبر ماركس أن التناقضات الداخليّة للنظام الرأسمالي هي الكفيلة بتجاوزه، ويرجع أسباب الاغتراب لعوامل اقتصاديّة محضة، كما تجعل القضاء عليه مرهونا بالقضاء على الملكيّة الخاصة بوسائل الإنتاج. لكن لا يفسر كيف يمكن للذوات – أي الطبقة العاملة – أن تتحد ويخلق لديها الحافز للتغيير الثوري .
إن التاريخ في نظر الماركسيّة هو تاريخ بدون ذات يلغي الحديث عن الذاتيّة subjectivité إنه تطور موضوعي، علمي، حتمي. لكن النّقد الذي يؤسس له لوكاتش يتمثل في قدرة العامل على رفض تشيؤه وبالتالي العمل على التحرر من النزعة التي تتعامل معه كمنتوج مفرغ من كل ذاتيّة، مما يدفعه للمقاومة والفعل.
إن ارتباط رواد المدرسة النّقديّة لفرانكفورت بنظريّة التشيؤ جعلهم يبحثون عن كيفيّة لتفسير الهيمنة التي سادت المجتمع الصناعي، وكيف أن وجود التناقض المادي وحده غير كاف لخلق الثورة وتحرر الإنسان من الاغتراب، وأن هناك عوامل أخرى تساهم في الهيمنة والتي تتمثل في بلورة نظريّة حول الفاشيّةfascisme، ونظريّة للثقافة الجماهيريّة culture de masse .
ب- نقد أداتيّة الأنظمة الشموليّة
إن نقد العقل الأداتي لم يأخذ طابع «نظريّة في المجتمع» فحسب، بل تجلى كذلك في نظريّة سياسيّة لنقد العقل الأداتي كما تمظهر في الأنظمة الشموليّة . سواء في شقها النازي والفاشي أو في شكلها البيروقراطي التسلطي الذي شكلته التجربة السوفياتيّة مع القوة القمعيّة الستالينيّة.
إن الأداتيّة السياسيّة للعقل تمثلت في استغلال الشعب الألماني في عمليّة التصنيع على يد النظام النازي، حيث تغذت النازيّة برغبة الشعب في الخروج من واقع التأخر التاريخي وآماله في تحسين أوضاعه. الشيء الذي جعل الشعب الألماني يدخل في مشروع ليس مشروعه بالضرورة، إنهم ضحايا للعقل الأداتي. وهنا يبين هوركهايمر وأدورنو كيف أن القرويون وحرفيوا الطبقة المتوسطة والمقاولون الصغار يدخلون في مساندة النظام النازي وإيصاله إلى الحكم بهدف العقلنة الاجتماعيّة، إلا أن هذه الشحنة المعنويّة والزخم الروحي للشعب الألماني، سيتحول إلى آلة مدمرة في يد النازيّة التي استغلت العقل أبشع استغلال. بحيث يعتبر هوركهايمر أن الفاشيّة هي تعبير عن تركيب شيطاني synthèse satanique بين العقل والطبيعة .
كما أن فشل الثورة في تحقيق التحرر كان من بين سهام النّقد الموجه للنظام السوفياتي الذي كانت تعقد عليه آمال كبيرة لتحرير الإنسان من التبعيّة والاستغلال، إلا أن السنوات الأولى من تطبيق النظريّة في أرض الواقع، بينت بأن هناك انزياحا نحو الأداتيّة، ذلك أن النظام السوفياتي وبدافع الحفاظ على الثورة وتحصين مكتسباتها دخل في عمليّة عقلنة أداتيّة تمثلت في تقويّة الحزب عبر آلة بيروقراطيّة مركزيّة لا تسمح بالحريّة أو بالمبادرة الذاتيّة. كما واجهت كل أشكال المعارضة بالقمع المفرط، مما أدى بهوركهايمر إلى انتقاد التطبيقات الميكانيكيّة للماركسيّة وضرورة الحفاظ على الوظيفة الديالكتيكيّة للنقد كمحاكمة للمرحلة التاريخيّة في كليتها وأصالتها. فالفلسفة ليست عودة إلى المقولات المجردة بل هي الحيلولة دون تحويل المفاهيم الاقتصاديّة إلى مجموعة من التفاصيل «النظريّة النّقديّة لم تتحول قط إلى علم اقتصادي متخصص من الطراز التقليدي، فتبعيّة ما هو سياسي لما هو اقتصادي كانت هي موضوع دراستها وليس برنامجها» .

ج- نقد الفعل الأداتي : الإدماج وصناعة الثقافة :
يعتبر هابرماس بأن الدعامة المفاهيميّة للنقد الذي وجهته المدرسة النّقديّة في نسختها الأولى تتمثل في عمليّة نقد للتشيؤ réification والاغتراب Aliénation التي سادت المجتمعات الصناعيّة، حيث يتم النظر إلى الإنسان كأداة للإنتاج أو الاستهلاك، كما أن العلاقة بين الذوات أصبحت علاقة تشيئيّة chosification.
إلى جانب ذلك يتحدث هوركهايمر وأدورنو عن مفهوم الإدماج l’intégration باعتباره آليّة أساسيّة للالتفاف على العنف الثوري الذي يمكن أن يأتي من الخطر العمالي. فالعامل البروليتاري الذي لا يملك إلا قوة عمله ولا يملك إلا قوت يومه، فإنه لا يملك شيئا يمكن أن يكون سندا له، بمعنى ليس لهذا العامل أمل يعيش من أجله أو أدوات يرتبط بها تجعله لا يفكر في الثورة. لذلك لابد من تزويده بوهم ما، يجعله يملك الأمل في التطور وبالتالي الحفاظ على النظام القائم. وهنا تتدخل آلة الإدماج لإحكام قبضتها على الطبقة العاملة حيث يتم احتواؤها عبر إدماجها في عمليّة الاستهلاك من خلال الدخول في دوامة الرغبات المتجددة.
إن عمليّة الإدماج هذه تتطلب مفهوما يسندها وينمط كل متطلع نحو التحرر والانعتاق، إنه مفهوم صناعة الثقافة أو الثقافة الجماهيريّة ، حيث تصبح الثقافة صناعة وتصبح معاناة المبدع بمثابة سلعة للاستهلاك ووسيلة للتنميط وجعل الإنسان يرتبط بأوهام النجم السينمائي أو صيحات الموضة العالميّة.
و من بين أهم وسائل الإدماج الثقافيّة ينتقد هوركهايمر وأدورنو كل من الراديو والتلفزيون باعتبارهما وسائل للترويج والدعايّة الضاغطة على العقول والسالبة لكل حريّة، بحيث تلعب وسائل الدعايّة دورا خطيرا في تدجين الأفراد وتنميط الأذواق وتحديد الاتجاهات الممكنة، بحيث تصبح كل اختيارات الناس متحكم فيها مسبقا لأنهم ضحايا الدعايّة المفرطة مما يقضي على كل أمل في التغيير أو التحرر من التشيؤ والاغتراب.
هذا هو مآل النظريّة النّقديّة وروادها الأوائل، لقد تعمقوا وأبدعوا في نقد المجتمع الصناعي والليبراليّة الزاحفة وكذلك الأنظمة الشموليّة، إلا أن قوة النّقد ودقته، أوصلت أصحاب النظريّة النّقديّة للباب المسدود، بحيث استنتجوا أن قدرة النظام الرأسمالي على استيعاب وإدماج كل فكر تحرري وقدرته على إجهاض كل أمل جديد، جعلهم يقرون بأن لا مفر من الوضع القائم إلا بالانسحاب إلى مجال الفن وإبداع نظريّة في الجماليات كما فعل أدورنو باعتبار الفن هو المجال الذي لا يمكن تنميطه أو استيعابه، لأنه مجال الذاتيّة بامتياز. وحيث هناك ذات تعبر عن وجودها الفني فإنها تستعص عن كل تشيؤ وعن كل استعمال أداتي .

4- انفتاح العقل الأداتي على العقل التواصلي
تتمثل الإضافة التي يقدمها هابرماس لهذا النّقد، في أن الرواد الأوائل لمدرسة فرانكفورت بالرغم من عمليّة التحليل التي دشنوها اتجاه كل عوامل التشيؤ والاغتراب، فإنهم كانوا محكومين بنوع من المسبقات أي الأحكام السياسيّة المسبقة التي انحازت عن التحليل. مما يجعل هابرماس يعيد الاعتبار للعقل الأداتي ليس من زاويّة الدفاع عن استعمالاته بل للحديث عن الفعل العقلاني الهادف الذي يهدف إلى تحقيق غايات معينة بأنجح طريقة ممكنة، وتمييزه عن الفعل الاستراتيجي الذي يتميز بطابع شخصي.
هكذا يدشن هابرماس لانفتاح العقل الأداتي الذي ينخرط ضمن فلسفة الوعي والذاتيّة المحافظة، على عقل تواصلي la raison communicationnelle فاعل. فليس الإشكال في الأداتيّة عند هابرماس، بل الإشكال هو التوقف عند منحى وحيد للأداتيّة السلبيّة. ففلسفة السلب لا يمكن أن تبني وحدها فعلا نقديا، فعند الحديث مثلا عن أساليب الإدماج الاجتماعي عن طريق وسائل الدعايّة، فإنه من غير الممكن اعتبار أن كل هذه الوسائل الإعلاميّة تحتفظ بوظيفة واحدة هي الإدماج أو التشيؤ. وهنا ينتقل هابرماس إلى ما يسميه المنعطف اللغوي tournant linguistique باعتبار اللغة بمثابة الوسيط في التعامل داخل العالم المعيش le monde vécu من أجل تحقيق الإقناع داخل الفضاء العمومي l’espace public. صحيح أن وسائل الإعلام – حسب هابرماس – متحكم فيها، لكن ذلك لا يمكننا من معرفة بأن قوانين السوق تتدخل بشكل عميق في صناعة الثقافة .
إن النّقد الذي وجهه هابرماس لرواد المدرسة النّقديّة بخصوص العقل الأداتي، يتمثل في إبراز مظاهر الانزعاج أو النّقد الإيديولوجي الذي تحكم في مؤسسي المدرسة النّقديّة، وهو بذلك يفتح المجال نحو نظريّة الفعل التواصلي الذي يحمل نبرة تفاؤليّة تتبنى براديغم التواصل عوض براديغم الصراع .
أخيرا يمكن القول بأن هابرماس قد أخرج المدرسة النّقديّة لفرانكفورت من النّقد التشاؤمي إلى النّقد المتفائل داخل العالم المعيش.

لائحة المراجع :

le robert, dictionnaire d’apprentissage de la langue française, rédaction dirigée par Alain Rey, 2006.
Lalande André, vocabulaire technique et critique de la philosophie, Quadrige/Puf, 2006,
Habermas jürgen, théorie de l’agir communicationnel, Tome 1, Fayard, 1987.
Horkheimer, Max, Theodor W. Adorno, la dialectique de la raison, fragments philosophiques, traduit de l’allemand par Eliane Kaufholz. Gallimard, 1976.
هوركهايمر، ماكس، أدورنو ثيودور، جدل التنوير شذرات فلسفيّة، ترجة الدكتور جورج كتورة، دار الكتاب الجديد المتحدة 2006.
هوركهايمر، ماكس، النظريّة التقليديّة والنظريّة النّقديّة، ترجمة مصطفى الناوي، عيون المقالات، الطبقة الأولى 1990.
هاو آلان، النظريّة النّقديّة، مدرسة فرانكفورت، ترجمة ثائر ديب، المركز القومي للترجمة.
مجلة الوحدة السنة التاسعة، العدد 98، نوفمبر 1992.

الهوامش:
1- هوركهايمر، ماكس، أدورنو ثيودور، جدل التنوير شذرات فلسفيّة، ترجة الدكتور جورج كتورة، دار الكتاب الجديد المتحدة 2006، ص 23.
2- le robert, dictionnaire d’apprentissage de la langue française, rédaction dirigée par Alain Rey, 2006. p. 712-713
3- Lalande André, vocabulaire technique et critique de la philosophie, Quadrige/Puf, 2006, p.520.
4- هوركهايمر، ماكس، أدورنو ثيودور، جدل التنوير شذرات فلسفيّة، ترجة الدكتور جورج كتورة، مرجع سابق، ص.20.
5- Habermas jürgen, théorie de l’agir communicationnel, Tome 1, Fayard, 1987 p.348.
6 – Horkheimer, Max, Theodor W. Adorno, la dialectique de la raison, fragments philosophiques, traduit de l’allemand par Eliane Kaufholz. Gallimard, 1976, p14.
7 – Ibid, P :16.
8- Ibid, P :17
9- Ibid, P :14
10- Habermas, théorie de l’agir communicationnel, op.cit, P : 371
11- Ibid, P :371.
12- Ibid, P : 372
13- Ibid, P :372.
14- Ibid, P :373
15- Ibid, P :373
16- مكاوي، عبد الغفار، مجلة الوحدة السنة التاسعة، العدد 98، نوفمبر 1992، ص 16
17- Habermas, théorie de l’agir communicationnel, op.cit, p : 374.
18- هوركهايمر، ماكس، النظريّة التقليديّة والنظريّة النقديّة، ترجمة مصطفى الناوي، عيون المقالات، الطبقة الأولى 1990، ص 80.
19- Habermas, théorie de l’agir communicationnel, op.cit, p : 375.
20- هوركهايمر، ماكس، النظريّة التقليديّة والنظريّة التقليديّة، ترجمة مصطفى الناوي، عيون المقالات، الطبقة الأولى 1990، ص83.
21- Habermas, théorie de l’agir communicationnel, op.cit, p : 375.
22- Ibid, p :374.
23- Ibid, p :376.
24- Ibid, p :388.
25- هاو آلان، النظريّة النقديّة، مدرسة فرانكفورت، ترجمة ثائر ديب، المركز القومي للترجمة، ص270.
26- Habermas, théorie de l’agir communicationnel, op.cit, p : 390.
27- Ibid, p.377.
28- Ibid, p.398

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق