نقد المخاض:”الإيمان بالتاريخ” بين فرنسوا هارتوغ و”الربيع العربي” / وسام سعادة

لئن كان “الربيع” استعارة مناخية انتقلت الينا من دائرة التوظيف الأيديولوجي، الأوروبية، الشمالية، المرتبطة أساساً بموسم “ذوبان الجليد” أكثر مما هي مرتبطة بالتعاقب المتوسّطي لـ“الفصول الأربعة” (فكيف بالأحرى بالنسبة إلى المناخات شبه الصحراوية “الاستسقائية”)، فإن استعارة “المخاض” البيولوجيّ تبدو أكثر كونيّة.

لكنّ “المخاض” أضحى كلمة سائبة يلوكها المثقفون والساسة والعامة على حدّ سواء، لمقاربة ما نصفه في الوقت نفسه على أنه “ربيع” متأت من تعاقب، أو تقاطع، الإنتفاضات الشعبية العربية ضد الأنظمة التسلّطية. لكأنّه “ربيع مخاضيّ”! فما لا نفهم “ضرورته التفصيلية” من أحداث ومسارات، ونصرّ في الوقت نفسه على أنّه مدرج ضمن ضرورة مبيّتة، غريزية، حيويّة، صحيّة، إنما نوهم أنفسنا على أننا وقفنا على سرّه، وأمسكنا بلعبة التاريخ، إذا ما أدرجناه في خانة “أوجاع الولادة”، وعسرتها، التي يأتي بعدها الطلق، كلحظة انفراج الأرض الولاّدة، في أساطير الأوّلين.

هذا التصوّر الأموميّ، المخاضيّ، الانتظاريّ للطلق، الانقباضيّ تارة، الانتشائي تارة أخرى، في محنة انتظاره، لا يحكم فقط أسلوب تناولنا للجاري من أحداث حولنا في زحمة الأنظمة المتهافتة والمجتمعات المتصدّعة. هو يحكم بالأحرى الأسلوب الذي تغمرنا هذه الأحداث به، فيسطع فينا ضوء كل واحد منها، إلى درجة تلغي الحجاب، المسافة، النقد، بيننا وبين الحدث المتسلسل، وتجعلنا ننساب إلى غرفة القيادة الخفيّة، الصانعة للحدث، وندير الدفّة بحسب ما نشتهيه من وجهة: فإما هي “ولادة” حين يروق لنا المشهد، وإما هو “مخاض” ننتظر مولوده بمزيج من التصبّر والإنهمام والإيمان والشغف، حين يتعقّد أمامنا المشهد، ولا تفلح العين في انتزاعه، تمثّلاً، بالشكل “المعقول”.

لكن، وكما ينبّهنا المؤرّخ الفرنسيّ فرنسوا هارتوغ في كتابه الأخير “الإيمان بالتاريخ” (صادر عن منشورات فلاماريون، باريس، شباط 2013)، فانّه “عندما يمكننا أن نرى كل شيء، فالخطر حينها هو ألا نعود نرى شيئاً. ليس غير خيلات تتتابع، ودفق من الصور يلغي زمن التعليق عليها، أو يبلع المسافة اللازمة للتحليل، مكتفياً باللعب على المؤثرات التي تدفع بالمشاهد إلى حيث تقمّص الحدث تعاطفاً، أو التطابق في الهوية معه، أو مبادلته بالرثاء” (ص265).

هذا مع الالتفات إلى أنّ “طفرة الحدث” كما يقاربها هارتوغ ترجع إلى نشوب علاقة جديدة، “تسارعيّة”، مع الزمن، كشيء ينتج لاستهلاكه، لحظة بلحظة، بلا توقف، ما يجعل كل حدث يحتفل “تذكاريّا” بنفسه لحظة وقوعه.

لكن التصوّر المخاضي، الرائج عربياً، للأحداث المتسلسلة (وهي متسلسلة فقط تبعاً لهذا التصوّر، في حين أنّها، بمعزل عنه، يمكن أن تكون متساقطة، منهمرة، متقطعة، منسحبة، راجعة، وكل ما أوتي من دلالات إقبال أخرى) هو تصوّر يريد أن يوفّق بين مستحيلين “تسارع التسارع” و“مراوحة المراوحة” (في الواقع، السرعة ليست سرعة الا اذا كانت تحتفظ لنفسها بزمن تباطؤ، والمراوحة ليست مراوحة الا اذا كانت نمطاً من أنماط الحركة التاريخية). يكون التوفيق بثلاثية الولادة: المخاض، الطلق، الوضع.

فالثقافة العربية نفسها التي تقيم الدنيا وتقعدها ضدّ مفهوم “الفوضى الخلاّقة” المنسوب، صياغة وتطبيقاً، إلى مؤامرة إمبريالية أميركية، هي ثقافة تعود فتنتشي بمعاني “المخاض”، أو تدور في التسلسل التالي: كل شيء مخاض، كل مخاض ولادة، كل ولادة لمنتظر.
هذا التصوّر “المخاضيّ” لكل شيء حولنا، يناقض إلى حدّ كبير، حدثيّة المخاض واستثنائيته، بالشكل الذي نجده مثلاً في الآية القرآنية “فاجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني متّ قبل هذا وكنت نسياً منسياً” (سورة مريم، 23). تمثّل هذه الآية منطقاً دينياً نقيضاً لمنطق أساطير الأوّلين التي تنظر إلى الأرض الولاّدة على أنّها في مخاض دائم.

في أساطير الأوّلين، عن الأرض الولاّدة، كان كل شيء مخاضاً، لكنه لم يكن ثمة تاريخ، ولا تاريخ للخلاص. في التصوّرات الإبراهيمية فتحت كوّة لظهور طبعات مختلفة من تاريخ الخلاص، لكن تاريخ الخلاص لم يكن “مخاضاً كله”، بل المخاض لا يذكر فيه الا كلحظة مكثّفة، وليس كمدى سائب. المشكلة تبدأ حين يتم عجن التصوّرين، الأسطوريّ، والابراهيميّ، في تصوّر مخاضيّ – خلاصيّ للتاريخ، يهذي بأن كل تاريخ مخاض، وكل مخاض لحظة في تاريخ الخلاص. وهنا، لا بدّ من الإقرار بأنّ الأيديولوجيات التي قامت بتأليه “التاريخ” في القرنين الماضيين، لا تزال تفعل فعلها في المجتمعات التي أصابتها هذه الأيديولوجيات بشكل هامشي (المجتمعات العربية)،
أكثر بكثير مما تفعل فعلها في المجتمعات التي عاشت صعود “الإله تاريخ” ثم تهافته. كثير من غبار هذا الوثن الكبير المفتت ينتشر في أسلوب مقاربتنا لمجريات “الربيع العربي” ويحكم هذه المقاربة “المخاضية الشاملة” له.

هذا مع الإشارة إلى أن معاجم اللغة العربية تحفظ معنى آخر لكلمة “مخاض”، له دلالة مكانية. فالمخاض من النهر الكبير هو الموضع القليل الماء الذي يعبر فيه الناس النهر بيسر. هنا أيضاً، نحن أمام مورد لغويّ لتفكيك الطابع الأسطوريّ لاستعارة “المخاض”، وانتزاعها من أسر “الرحم الحيويّ” الغيبي الذي نحيل اليه ضروبنا اليومية المبتذلة من “فلسفة التاريخ”.

وأوّل المسافة في هذه المجال تقضي “بتقطيع” كل مجاز مُرسَل. صحيح أنّ الفاصل بين ما هو “مجاز” وبين ما هو “مفهوم” لا يمكنه أبداً أن يكون فاصلاً ثابتاً، طالما أن مرتكز التفكيك الدريدي، هو أنّ كلّ مفهوم هو مجاز مفهوم، الا انّه لا بدّ من ورشات متكاملة لاعادة الاعتبار لـ“حجيّة المفاهيم” أمام طغيان منظومة شاملة من التركيبات المجازية (الربيع والمخاض والولادة، لكن أيضاً الشعب والثورة)، وأمام انتشار عادة أخذ الكثير من المصطلحات على أنها نعوت هجائية أو امتداحية ليس الا (الشرعية والديموقراطية على سبيل المدح الذاتي، والفاشية مثالاً على التقبيح المشيطن للآخر).

والمشكلة في كلّ هذا ليست أبداً لا في “طريق القول” ولا في “معدّل التركيز” ولا في وصفة مفقودة عن الإبداع. فكما أن نستقبل “غبار الصنم المفتت”، الإله – تاريخ، كذلك نسجن أنفسنا بتصورين “لا تاريخيين” بامتياز عن الوجود والناس.

أحدهما، التصوّر “العضويّ”: أنّ كل شيء جسد أو في جسد، وأنّ الجماعات والمجتمعات كالأبدان الحيّة، ليست تتشكّل من “أفراد” بل من “خلايا وظيفية”، ولها دم فوّار، نستعيده ساعة نتحدث عن العنف والفداء، ويمكن أن تصاب بأمراض أو تشفى منها، وفي الأساس، هي أجسام تتوالد، وتتبع بموجب هذا التصوّر العضويّ الشامل أسطورة الأرض الولاّدة، الدائمة المخاض.

ثانيهما، التصوّر “الذرّي” للأفراد. يكفيه طبعاً خروجه من دوّامة الأرض الولادة، الدائمة المخاض، ومن تصوّر الجماعات والمجتمعات على أنّها أبدان جماعية. لكن مشكلة هذا التصوّر، أنّه اذ يفلت من أسر المادة اللزجة، المخاضية، ويفتح الباب إلى تصوّر ماديّ للوجود والناس، الا انه لا يلبث حتى يقع في دوامة التجريد. فاذا كانت المشكلة مع التصور “العضوي – المخاضي” أن العلاقة بين فردين هي علاقة بين خليتين في جسد جماعي واحد، فإن المشكلة مع التصوّر “الذريّ” ان العلاقة تصير علاقة بين مجرّدين يفصل بينهما، “العماء”.

في المقابل، كان، وما زال البحث عن نسيج انساني للزمن التاريخي، قوامه الإنفصال، النظري والعملي، عن هذين التصوّرين: أي عن الرابطة “العضوية” بين كل شيء، وعن الفاصل “العمائي” بين كل فرد وآخر. لم يكن ذلك سهلاً، ولا ميسّراً في العصور الحديثة، اذ راجت نزعات لتنصيب التاريخ نفسه الهاً، ومن ثم، من خلال تأليه التاريخ، النظر اليه إما على أنّه جسد حيوي متواصل، بشكل جوفيّ حيناً، ومتفجّر حيناً آخر، وإما على أنّه الفرد الخفيّ الناظم لحركة التبادل والتواصل بين الأفراد. وبهذا المعنى، فإن “التاريخية” بحدّ ذاتها، لم تكن ممكنة الا بتفتيت صنم هذا الإله، وهو ما لم يحدث الا مع الثورات المعرفية المتعاقبة في علم التاريخ في العقود الماضية، وان كان لا يزال الكثير الكثير من الجهد المطلوب، للمزيد من تحقيق استقلالية “الزمنية التاريخية” عن التصوّرات العضويّة المحض، والذريّة المحض، وما ينشأ على أساسهما من “غائيات”.

في الكتاب المشار اليه أعلاه، يُظهر فرنسوا هارتوغ بعدين متلازمين للمسلك “الإيماني” حيال التاريخ: الإيمان بوجوده، والإيمان بصنعه. الإيمان بوجود التاريخ يجعله مباشرة أقنوماً لا تاريخياً قائماً بذاته، أقنوماً. أما الإيمان بصنعه فإنه يعود ويرفع الذات الدنيوية، البشرية، القائمة بصنعه إلى منزلة متعالية، منزلة “القائم” في التاريخ. لكن الجدير بالتوقف عنده أنه بالنسبة إلى هارتوغ فإن الإعتقاد الغيبي الدنيوي بصنع التاريخ يتفرّع عن “الايمان بوجوده”، في حين أن العكس ليس صحيحاً: فالاعتقاد أنّه ليس في اليد حيلة أمام التاريخ، أو أنه يُصنع بعيداً عنا، ورغماً عنا، وعلى عكس هوانا، ونجهل إلى أين، هو اعتقاد لا يلغي “ايماننا الغيبي” بهذا الإله الدنيوي، تاريخ، وانما يدفعه إلى مسلك تسليميّ. وهذا المسلك يعود فيذكّرنا إلى تذبذب مفهوم “الغائية التاريخية” بين اثنتين: فاما هي تصوّب باتجاه “غاية عصماء” لا يمكن تسريعها، وانما ينبغي اعداد العدة لبلوغها، واما هي تقضي بضرورة اغتنام “المناسبة – الفرصة” للتعجيل بالتاريخ، وتسريع “اختتامه”.

لكن هارتوغ يستعيد في كتابه التاريخ الحديث للايمان ثم الجحود بالتاريخ المؤلّه والموحّد ثم المنزوع الألوهة والمفتّت (المفتت لما فيه اتاحة سبيل المقارنات والمقابلات المتعافية من المغالطات الزمانية والمكانية)، إنّما في اطار تقريريّ بأن التاريخ، بالسعة الذي اتخذها في القرن التاسع عشر، كخزان المعنى واللامعنى، هو الآن في صدد الابتعاد عنا. فاذا كان كل شيء تاريخاً، ويمكن صناعة تاريخ من كل شيء، فهذا ينعكس بدوره انسحاباً لـ“المستقبل” من أفق الزمن الحاضر، وانتشار “الحضورية”، بكل ما تتضمّنه من أزمة أخلاقية أيضاً، كونها تعيق تحمّل المسؤولية أمام هذا المستقبل.

للوهلة الأولى، يبدو كلام هارتوغ عن ابتعاد “التاريخ”، بمعنى القرن التاسع عشر، غير منسجم مع انتشار الأنواع المبتذلة من “فلسفة التاريخ” عربياً في لحظة تنتشر فيها ملفوظات “الشرعية الثورية” و“الشعوب التي تصنع التاريخ”، وبشكل عام، كل ما يتفتق به “العقل المخاضي”، اللانقدي، ليس من موقع امتلاكه لعقيدة مقفلة ووثوقية، دوغما، وانما من موقع حدثيته، الحيوية من جهة صخبها، والبليدة من جهة قلة اهتمامها بأخذ المسافة القولية أو الفعلية عن الحدث، مع تفضيل اختزال الحدث في “النبأ” وفي عنصر دون سواه، وعدم تقبّل الطبيعة الملتبسة حكماً للأحداث اذ تتوالى.

لقد مرّ “الإيمان بالتاريخ” في الحداثة الغربية بلحظات أساسية، من الشاعر الرومانسي نوفاليس اواخر القرن الثامن عشر، وتنصيبه التاريخ “الأوّل بين المؤرخين”، أو “الزمن أفضل الثقات بين المؤرخين”، إلى ماركس ومزدوجة ان “البشر يصنعون تاريخهم لكنهم لا يصنعونه على هواهم”، إلى فون ترايتشكه واكتفاءه بأن “الناس يصنعون التاريخ”، معطياً بذلك دوراً أكبر للفرد والوعي، إلى قلب فرنان بروديل المعادلة، لتصبح “التاريخ يصنع البشر” في اشارة إلى البعد الجوفيّ، الغائر، للبنى التاريخية التي تبدو بالكاد تتحرّك، إلى اعادة الاعتبار للحوادث والأحداث، والى مساعي التفلت من سجون “البنية”، “اللغة”، “الخطاب”، “المركزية الأوروبية”، “المركزية الذكورية”، “المركزية الابراهيمية”.

وبطبيعة الحال، تأثّر التفكير العربي في العقود الأخيرة بكل هذا، وليس صحيحاً أنه بقي بمنأى عنه، لكن تأثّره بقي مختلطاً مع النظرات الما قبل حديثة للتاريخ (كمرآة ينظر اليها إلى النماذج التي ينبغي تكرارها وتلك التي ينبغي تفاديها) والحديثة المقدّسة له، كما في القرن التاسع عشر الغربي، وخصوصاً من خلال رذاذ “الماركسية المبتذلة” التي عمّمت على شعوب الكرة الأرضية معجم الحديث عن “العنف كقابلة كل مجتمع يولد من جديد” (وهي الجملة المتواترة في كل ترجيعات الخطاب “المخاضي” الراهن)، اضافة إلى ملهاة “محكمة التاريخ” و“مزبلة التاريخ” و“نهاية التاريخ” (هل من داعي للتذكير بأن “الماركسية المبتذلة” شيء آخر عن “الماركسية الكلاسيكية” بما فيها تلك “الدوغمائية”؟).

في نص له، يعود إلى شباط 1953، يكشف لنا الفيلسوف السياسي الفرنسي ريمون آرون بعداً أساساً لـ“الخرافة” الناطقة باسم “عين التاريخ” هذه، اذ يلفت إلى ان “الوسواس بالتاريخ” بهذا الشكل الفاقد لشروط أخذ المسافة النقدية عنه، انما يتم من خلال التوهّم بإمكان أخذ مسافة “جيليّة” عن زمانك الراهن، فتضع نفسك في مكان أحفادك بعد أجيال، وعندها يمكنك فقط أن تبرّر أن زمانك كان مخاضاً، فتبرّر من ثم التخفّف من كل حكم أخلاقي ومن كل مسافة نقدية مع حوادث زمانك. النقطة الثانية المهمة في ذلك النص لآرون، انه يلفت إلى الطبيعة “الشوارعية” لفلسفة التاريخ المبتذلة بهذا الشكل. يقول “ان رجل الشارع يقتفي أثر المثقف بدوره، ويستعيض عن الحكم الأخلاقي بالحكم التاريخي”.

وهذا بالفعل، ما يقع فيه “العقل المخاضي” في كل يوم وهو يتناول مجريات الربيع العربي. استعارة المخاض هي عنده الملاذ لتعليق الحكم الأخلاقي من جهة، ولاستسهال الاسقاطات التاريخية التنكرية من جهة ثانية، خصوصاً أنه، في زمن محكوم بـ“انسداد عالمي للمستقبل”، اذا ما عدنا لأطروحة فرنسوا هارتوغ حول الحضورية المطبقة علينا من كل حدب، من الأسهل تفسير الأمور بـ“مخاضها” على تفسيرها بما بعده.

 

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق