هذا “الإله” الرجيم / عقل العويط

هذا العالم الخطير، اللاهث وراء مصائره التراجيدية، الذي تمعسه الديكتاتوريات والظلاميات، وتغتصبه وحشيات الآلهة والبشر، أحقادهم، أطماعهم، صغائرهم، حساباتهم، مصالحهم، تقنياتهم، وعبقرياتهم السوداء…، هذا العالم الذي تدمّره آلات الحروب، وتعصف به المجاعات والويلات والكوارث والأوبئة، وتختلّ فيه المعادلات والتوازنات الجوهرية، سيظلّ على الرغم من كلّ شيء، مكاناً صالحاً للشعر. علامات الأزمنة هذه، بما يرافقها من تشييء للحياة، وتعهير للقيم، وتتجير للروح، وبما يتلازم معها من خراب في الطبيعة، وفساد في البيئة، وانحسار للغابات، وتفاقم للجفاف، وتناذر للتلوّث، هي نفسها أسبابٌ أخرى للشعر.

هذا الأقلّ من نسمة هواء، المسطِّر أيّام عيشه وحروفه تحت سياط الشرط البشري، أعترف لقرّائي بأن كلّّ المعطيات موجبة للاستسلام ولرفع علم اليأس. لكني أُعلن، بالأمل المحموم الجامح الذي يظلّ ينبجس من مكانٍ ما في أسفل رأسي، أنْ ليس عندي سببٌ نهائي قاطع لإشهار هذا اليأس، والرضوخ لمشيئته. لن أطأطئ أمام هذا الكائن البشِع الذي يُدعى العالم!

لقد كتبتُ ما كتبتُ في خراب الشرط البشري، وسأظلّ أكتب فيه، مؤمناً أن طبيعة الخراب في هذا الشرط هي الحقيقة الموضوعية الملازمة له، وقد تكون الأكثر نجاحاً وسؤدداً واستتباباً من كلّ الحقائق الأخرى. وإذ أواصل الاعتقاد بأن البدايات محكومة بنهاياتها، وبأن أوّل هذا الكون هو آخره، وبأن الجحيم ماثلةٌ ها هنا، وليس في مكانٍ آخر، فإني، على رغم هذا الاعتقاد الأبوكاليبتي الذي يلازمني مدى أنفاسي، والذي لا يماثله ألمٌ مُمِضّ ومُهلك، سأظلّ أصعد مع قريناتي وأقراني، الكتّاب والقرّاء، إلى الجبل الوجودي، حاملين الصخور على ظهورنا، لنرى إلى العالم من هناك، بحثاً عن شعريةٍ ما، لا أزال أحلم بأنها تتوالد في كلّ لحظة، في كلّ مكان، مؤكِّدةً أن هذا العالم لا يمكنه أن يرضخ لأقداره البشعة والمقيتة هذه، لأن الجمال الذي فيه لا يوصف، ولأن مواصلة البحث عن هذا الجمال هي الحقيقة المضادة التي ينبغي للشعراء أن يظلّوا أجسادها وحرّاسها وحاملي شعلتها الخفِرة في هذا الليل العبثي المستمر.

أدعوكم أيها الكتّاب والقرّاء إلى أن تنخرطوا، أكثر، في متاهة البحث عن هذه الشعرية في العالم، والتعمشق بها، إلى أن ينهزم شيءٌ من هذا الخراب، ويرتدّ على أعقابه.

هذا العالم المتكالب المتهالك المسعور البشِع القاتل، يجب أن لا نتركه يربح ويفوز. بل يجب أن يخسر بكلّ الأثمان المتاحة. فلنستدرجه. فلننصب له الفخاخ والشِّباك. الشمس ستظلّ تشرق من مكانٍ ما. القمر لا بدّ أن يظلّ يتصاعد ليتعرّى بعد حلول الدغشة. منتصف الليل لن ينهار. والأمل لن يختنق بأنفاسه. كلّ ما يقال، ليس عن نهاية العالم بل عن نهاية الشعرية في هذا العالم، هراءٌ بهراء. فليهنأ بالاً مَن يلتهمه مثل هذا اليأس: لا يزال الشعر موجوداً في كلّ مكان، مرئياً وغير مرئي، محسوساً وغير محسوس، الافتراضي فيه هو الاحتياطي اللامحدود في المكان والزمان، الذي من شأنه أن يحول دون استتباب الكارثة النهائية. هذا الافتراضي، الواقعي “بالقوة” و”بالفعل”، لا يزال قادراً على عدم الانصياع للأقدار، وعلى اجتراح ولادته، في الهواء والنظرات وصنوج القلب والخيال والكلمات والحياة على السواء.

لا أحمل سيفاً من حديد ولا من خشب. لا أحارب جيوشاً ولا طواحين هواء. جلّ ما أفعله، أنني زاعمٌ نفسي، أنا الأقلّ من نسمة، واحداً من هؤلاء المؤتمَنين الكُثُر على الحلم في العالم. مؤمنٌ ومقتنعٌ بأني أحمل نزراً يسيراً من هذه الأمانة، وبأني لستُ الشخص الذي يمكنه أن يفرّط بها. وإذ أعترف بكوني كائناً شعرياً، فإن هذا الشعر يلدني، وأولد به، يستقبلني فيه، وأستقبله فيَّ، أكثر مما أستقبل الهواء في رئتيَّ. لولا هذه الشعرية التي أعتقد أني جسمٌ متواضعٌ لحلوليتها، لما كان ثمة قدرةٌ عندي على الحياة والكتابة، ولا على مواصلة الأمل، والمناداة به.

في كلّ موضعٍ من أرضنا، هنا، في لبنان، في فلسطين، في سوريا، في مصر، وفي العالم العربي كلّه، كما في كلّ موضعٍ من العالم، ثمّة كلّ يوم برهانٌ مفجعٌ يجعل الاعتقاد بأن اليأس الديكتاتوري والظلامي والديني هو وحده الحقيقة المستتبة، وبأن الاعتقاد بالشعر ضرب من الهوس الرومنطيقي الساذج.

لكن هذا البرهان لا يزيدني إلاّ هوساً بالشعرية المقيمة على مقربة، وفي جينات العالم، كما هنا، في الظلال التي يتحدّر منها رأسي. هل أنا رومنطيقي ساذج؟ ربما. بل لِمَ لا؟! فلأمعنْ، أياً تكن النتائج الفعلية والمحتملة التي تترتّب على هذا الخيار. النتائج الراهنة التي تحلّ بعالمنا لن تغيّر من معادلاتي شيئاً.

هذا العالم المقيت البشِع، إذا كان هو الإله، فيجب وقفه عند حدّه. هذا يحتاج، في جملة ما يحتاج، إلى الشعر، إلى الكثير، أو إلى القليل منه. فلنواجه الهول الوجودي الخطير في العالم. ليس هذا بمستحيل! بل يتحقق بعضه، بإسلاس القياد لشعرية أفراس الحلم والحرية. هنا وفي كلّ مكان.

إنها أفراس هذا العالم، الجامحة الحرون الهاشلة في رؤوسنا، وفي براري التيه. وهي ستظلّ كذلك لأنها حرّة وأصيلة، إلى أن يتروّض بها هذا العالم المقيت البشِع، وهو الإله الرجيم، وتنكسر شوكة البشاعة والظلم والوجع، وتنكسر معها كلّ شوكة، وفي مقدمها شوكة الديكتاتور – كلّ ديكتاتور – إلى الأبد، وإلى ما بعد الأبد!

عن ملحق النهار الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق