هل إصلاح العربيّة ضروريّ وممكن؟ 3/1

مدخل

هذا البحث نشرته في الكتاب السنوي، قضايا فكرية، في 1997 بعنوان “الأصولية تُعيق تطور العربية”. بعد عام اختفى الكتاب طبعاً، من سوق الكتب.
أردت إنقاذه بإعادة نشره على الانترنت. إصلاح العربية، يهدف إلى تحويل العربية من لغة القرآن، أو من لغة القرآن فقط، إلى لغة العلم والكنولوجيا أيضاً. كيف؟

1 – بتبني معجم المصطلحات الغربي بتعريبه [= كتابة المصطلح بالأحرف العربية مع الإبقاء على بنية المصطلح في لغته الأصلية] لأن المصطلح لا يترجم. ترجمة معانيه بأكثر من كلمة تغتاله، كمصطلح، لاستحاله النسبة إليه، مثلا فزياء: فزيائي. لو ترجمنا الفزياء بمقابلها العربي القديم: علم الطبيعة؛ لأستحالت النسبة إليه، فعلمي طبيعي صيغة لا معنى لها. على العربية، أن تقلد العبرية، التي عبرنت معجم المصطلحات الغربي ولم تترجمه؛ فتحولت بذلك من لغة ماتت منذ ألف عام، إذ لم تعد صالحة إلا للشعائر الدينية، إلى لغة العلم والتكنولوجيا والإبداع في كل مجال.
2- إصلاح النحو، بإلغاء الإعراب والوقوف على السكون، كما طالب بذلك أحمد أمين وطه حسين، وكما فعلت اللغات الحديثة. إذ أن جميع اللغات القديمة قامت على الإعراب. ألححتُ منذ 16 عاما ولا زلت، على الاعتراف باللحن، الذي هو فاعل التطور في اللغة، كما أن البدعة هي فاعل التطور في الدين؛ التهجين هو فاعل التطور في البيولوجيا. دعاة نقاء اللغة، ونقاء الدين، ونقاء العرق، مصابون بوسواس الثبات، فيكسيزم، الذي ينافي قانون التطور الحتمي والكوني: “كل شيء يتغير إلا قانون التغير”.
3 ـ ضرورة إصلاح الأبجدية العربية، الفقيرة في الصوتيات، مما جعلها أحياناً شبه هيروغليفية، لذلك اقترحت منذ سنة 1971، إصلاح الأبجدية العربية، بعد إصلاح نصر ابن حجاج لها، بإضافة التنقيط والشكل، المفقودين حتّى ذاك التاريخ في مصحف عثمان، استغنيت عن التنقيط، بتغيير الأبجدية، حتى ما عاد حرف فيها يشبه حرفا -كما في الأبجديات المعاصرة-، وألغيتُ الشكل، باستحداث أبجدية صوتية في صلب الأبجدية: ترمز إلى الضمة والفتحة والكسرة. هذا الرمز هو الألف(أ)، يتكرر 3 مرات: مرّة في رأسه فتحة، ومرة في منتصفه ضمة، ومرة في آخره كسرة. فهل يبادر موقع إلكتروني إلى إدخاله إلى أبجديته؟ أما السّكون، فترك العلامة له علامة، كما قال النحاة. وأضفت الحروف اللاتينية المستخدمة في الرموز الرياضية، التي لا مقابل لها في العربية. وهكذا تصبح العربية من أيسر اللغات على متعلميها، ويربح الطفل أرباعة أخماس وقته، أي ما يضيعه اليوم في تعلمها.
***********
ضرورة الاعتراف باللّحن والدّخيل
هذا نص 1997 مختصراً ومنقحاً ومصححاً فأخطاؤه المطبعية جعلته أحياناً كثيرة غير قابل للفهم.

لنتفق على المصطلحات: ماذا أعني بالأصولية؟ أعني بها: وسواس النقاء: نقاء العرق، نقاء الهويّة، نقاء الدّين ونقاء اللسان، من اللحن والدخيل، وهما سر حياة جميع اللغات، فضلاً عن ُرهاب التطور والتجديد.

شكلت هذه الأصوليّة على مر العصور عائقاً أمام تطور العربية. هذا لا يعني أن تطورها الذاتي توقف. كلا. فالتطور قانون لا يُصد ولا يُرد. لكنّه تطور، جرى ويجرى خارج الشرعيّة اللغوية. مثلاً المصطلحات الإغريقية، التي عربها الفلاسفة ومترجموا بيت الحكمة المسيحيون في عصر صعودنا، لم تُحظى بشرعية المعاجم قط. النّطق، النّحو والمعجم تطوروا، لكن المؤسسات اللغوية، ظلت تمرّ عليها مرّ الكرام، بل وتجاهد ضدها وترميها بالزندقة اللغويّة.
الأصولية اليهوديّة، حاولت هي الأخرى أن تحبس العبريّة في سجن الشعائر الدينية، لكن النخبة العلمانيّة الحديثة، هزمتها فجعلت من هذه اللغة، التي كانت، تعد في عداد اللغات الميتة، لغة علمانية وعلميّة من طراز لغات الغرب.

اللغة ثابتة أم متطوّرة؟

نعرف اليوم، لماذا تموت لغة؟عندما تستبد بها فكرة ثابتة، تخشّبها، فتعيق تطورها، برفض إضفاء الشرعية، على تطوّر قواعدها ومعجمها، فتصاب بالانفصام إلى لغتين: فصحى الكتابة، وفصحى الحياة. دون أي تلاقح بينهما، كما يجري في اللغات الحية الأخرى، التي تجنبت غالباً، كالانجلو ساكسونية، إحلال الإرادوية الأصوليّة، محل قانون التطور اللغوي. لأن ذلك انتهاك للتاريخ، الذي لا يعترف إلا بالانتخاب الطبيعي، النقيض المباشر للانتخاب الإرادوي.

قانون التطور العام، سواء في مسار الحياة النباتية، الحيوانية والبشرية، خضع دوماً للانتخاب الطبيعي لا الإرادوي، أي للتغيرات الكمياوية، البنيوية والبيئوية، التي تدفع الإعلام الجيني للتكيف مع المستجدات. الأحياء التي عجزت عن التكيف ـ كلمة سر الحياة ـ انقرضت، ولم تبق منها إلا أحافير.
اللغة الميتة، بدورها أحافير، كأحافير الأحياء المندثرة، التي خذلها الانتخاب الطبيعي، لأنّها عجزت عن التكيف مع المستجدات اللغوية.

كيف نشأت اللغة البشرية؟

يصف كوبنس، عضو أكاديمية العلوم، مسار التطور التكنولوجي، الذي تواكب مع مسيرة تطور اللغة: “يثبت لنا علم ما قبل التاريخ، على نحو مذهل، مسار تطور وارتقاء التكنولوجيا والفكر الرمزي (…) كان الإنسان، منذ مليوني عام، يصنع من كيلو واحد من الصوان، 10 سنتيمتر شفرة [سكين] مفيدة، الإنسان منذ 500000 سنة، 40 سنتيمتر، الإنسان منذ 50000 سنة، 200 سنتيمتر، الإنسان منذ 20000 سنة، 2000 سنتيمتر، اخترع الإنسان منذ مليوني سنة، أواني للاستعمال الفوري. أما منذ 500000، فقد صنعها لتستخدم في الأسابيع أو الشهور القادمة. 50000 سنة، شرع الإنسان يدفن موتاه، لتسهيل رحلتهم إلى عالم آخرة. أجرى العلماء الأمريكيون تجارب على الجوريلا والشامبانزي. يقول شالين، الباحث في معهد علوم الأرض، بمدينة ديجون، ومدير معمل ما قبل تاريخ الباليو إكولوجيا: “ساد الظن بين العلماء طويلاً أن إحدى الفوارق الكبرى بين الإنسان والقرود، الإنسانية الشكل، الجوريلا والشامبانزي، هو اللغة. أجريت محاولات، لجعل القرد يتكلم لغة الإنسان، باءت جميعاً بالفشل. السبب عائد إلى كون تشكل حنجرة القرد لا يتفق مع النطق. لكننا مدينون، للسيّدة والسيد جاردنيير، اللذين قاما بثورة في هذا المجال سنة 1966. علّم هذان الزوجان الباحثان، رضيعة شامبانزي اسمها “واشو” بلغة الإشارات، التي يتواصل بها البكم والصم من الناس (…) خلال خمس سنوات، تعلمت واشو 160 كلمة، فغدت قادرة على تركيبها في جمل مفيدة. (…) وعندئذ سلم الباحثان، الطفلة واشو، إلى معهد دراسة الرّئيسات، بنورمان، الذي واصل تعليمها اللغة مع زملاء لها من القرود. فاتضح أنّهم موهوبون مثلها، في تعلم اللغة الإنسانية (…) كما قام باحثان آخران، بتعليم الجوريلا “سارة” بواسطة كلمات مكتوبة (…) وفي جامعة استاند غورد (كاليفورنيا)، تعلمت جوريلا اسمها “كوكو”، 400 كلمة، بنسبة 10 كلمات جديدة كل شهر.

فما الذي يمكن استنتاجه من هذه الملاحظات؟

“هو أن اللغة، التي كانت تبدو إحدى الخصائص الخاصة بالإنسان، لم تعد كذلك اليوم. في هذا المجال أيضاً، الفرق بين الإنسان والقرود الشبيهة بالإنسان، هو فرق في الدرجة لا في النوع. لقد أضحت الجوريلا والشامبانزي، قادرة على استيعاب 400 كلمة، التي تعلمتها كوكو، وهي نفس الكمية من الكلمات، التي يستخدمها اليوم الأناسي العاقلون، أصيلو استراليا، للتفاهم فيما بينهم”. (شالين، التطور البيلولوجي البشري ص ص 19 ،20 ).

نجحت الأصولية الإسلامية، قديماً وحديثاً، في إعاقة تطور العربية المكتوبة، لتواكب تطور العربية المنطوقة، الموصومة باللحن. سبب نجاحها يعود إلى انتصار نظرية ثبات اللغة، على نظرية تطورها.
اعتبار اللغة وحيا الاهيا، لا مسارا تطوريا، قناعة صريحة أو ضمنية، تشربتها الكثرة الكاثرة من المعجميين والنحاة، لذلك حاولوا، منذ البداية محاربة اللحن والدخيل، اللذين هما سر تطور اللغة؛ تحصينا للعربية ضد الرّوافد الداخليّة الكفيلة بتخصيبها وتطويرها، لتساير متطلبات الزّمان والمكان، محتمين بآية: “وعلّم آدم الأسماء كلها، ثم عرضهم على الملائكة، فقال: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين” (البقرة 31)؛ يقول الطبري في تفسيرها، نقلا عن ابن عباس: “علمه اسم كل شيء حتى الهنة، والهينة، والفسوة والضرطة”، فضلا عن أسماء جميع الوحوش والحيوانات والأشجار، وما فرّط في التسمية من شيء، سوى أسماء العلوم ومصطلحاتها طبعاً!

وراء كل أصولية تكمن أسطورة نرجسية القبيلة، كما يسميها ايريك فروم، أو المركزية الإثنية كما تسمّيها الانثروبولوجيا: نحن خير أمّة أخرجت للناس، ولغتنا خير اللغات. أليست لغة الوحي في الدنيا ولغة أهل الجنة في الآخرة؟ فكيف تخضع لغة سماوية لقانون التطوّر الأرضي الوضيع؟ وكيف تتطور لغة خلقت كاملة، كمال أبينا آدم، الذي قرض بها أشعاراً على أوزان الخليل بين أحمد؟ لغة نزل بها الوحي، تّتحد بالوحي ذاته، فلا تبديل لكلماتها!

هذا هو الاتجاه الذي ساد، صراحة أو ضمناً، لدى المتكلمين واللغويين. دافع عنه ابن فارس الرازي، في كتابه “اللغة والمقاييس”، وابن حزم في مؤلفة: “الإحكام في أصول الأحكام”. فضلاً عن الأشاعرة.

الاتجاه المضاد، عبر عنه ابن جني في كتابه “الخصائص”، إذ يقول: “[يتفق]أكثر أهل النظر، على أن اللغة تواضع واصطلاح، لا وحي وتوقيف”. محاولاً، شأن الاتجاهات التطورية، التي لم تكن قادرة على الخروج على المعجم الديني، بتأويل آية : “وعلم آدم الأسماء كلها” لم يعلم الله آدم الأسماء اسماً اسما، وإنما وهبه القدرة على تعلمها، بواسطة التواضع والاصطلاح.

تبنى النحاة ثم المعجميون، نظرية الوحي والتوقيف، لا نظرية “التطور في العربية؛ لتحصينها ضد وسواس اللحن بما هو تشويه لثبات لغة القرآن، التي اتحدت به، مستبدلة قداسته بتاريخيتها، التي تُنوسيت وحُقرت، مما جعل تطويرها، بإثراء معجمها بالدّخيل من اللغات، وتجديد نحوها، ليواكب كلام المتكلمين الأحياء، بدلاً من التسمّر في شواهد العرب الأموات، يعاش من الأرستوقراطيّة اللغوية والدينية كانتهاك لمحرم.

دفاعاً نفسياً ضد اللحن، الذي غزا لسان عرب الحواضر التي تموج بالجديد، لاذ النحاة والمعجميون بفصاحة أعراب البادية، جاعلين منها الفصاحة بألف ولام التعريف، نموذجا يحتذى للسان النقي، من شوائب اللحن، إذن شريعة لغوية: ضرباً من المرآة التي يتملون فيها وجوههم اللغوية، نوعاً من الأنا المثالي، الذي يرمز إلى جبروتهم اللفظي، حصنهم اللغوي المنيع. فالشواهد النحويّة تُستمد منهم ومنهم فقط. تلك هي الخطيئة التي شكلت على مر الدهور عائقاً، مازالت العربية تدفع ثمنه، من عدم معاصرتها لعلوم عصرها.

تعقب النحاة والنقاد، كل جديد في لسان العرب باسم اللحن، عند ألمع كتاب وشعراء العربية وفي القرآن أيضاً. فالجاحظ اقترف 200 خطأ ـ خطيئة نحوية، والمتنبي زلت به اللسان عندما قال: “فلا يبرم الأمر الذي هو حالل / ولا يحلل الأمر الذي هو مبرم
فحالل لم يجربها على القياس الصرفي، وكذلك يحلل. لأن القياس ـ النموذج الأعرابي ـ حالاً ويحل بالإدغام”. (عبد المجيد بن عمر الطاهري، قلائد المتنبي، ص 87).

ولم تشفع له فتوى الخليل ابن أحمد: الشعراء أمراء الكلام يحتج بهم ولا يحتج عليهم. تعقبوه أيضاً في أخطاء القرآن النحوية.

على غرار النحاة، الذين اتخذوا من لغة إعراب القرن الهجري الأول ـ لأنّه أفضل القرون ـ نموذجاً لا ينافس، ساح رواد المعاجم، كالأزهري صاحب “تهذيب اللغة”، وابن سيده، مؤلف “المحكم”، في بادية العرب العرباء: الفصحاء الخُلّص من تلويث اللحن والدخيل، محتقرين العرب المستعربة، التي حملت لواء الرّيادة الثقافيّة آنذاك. لكن خطيئتها أنّها ذات لسان مشبوه. لذلك كان لسان الأعرابي الأمي، أنقى لديهم من لسان العربي أو المستعرب العالِم، اللذين حرموا على أنفسهم الاستشهاد بهما. لأن دافعهم الأساسي للتأليف المعجمي هو خوفهم من تلويث اللحن والدخيل للغة العرب العرباء، التي زعموا أن القرآن نزل بها. وهو زعم لا ينهض عليه دليل. لغة القرآن هي لغة قريش، السّاكنة في حاضرة التجارة: مكة. لم تكن قريش تستورد السلع وحسب، بل وأيضا الأفكار واللغة الناقلة لها. وهكذا كانت لغة قريش تموج بالألفاظ الدخيلة، التي دخلت في القرآن، مثلا: من السريالية: جبروت وصنم، من الآرمية والعبرية: كتاب (كتيم)، سفر (سفرايم)، طهارة، أخ، جهنم، وعشرات بل مئات الكلمات الأخرى، حتى يكاد أن يكون القرآن مكتوباً بالعبرية التوراتية والتلمودية، فقد استعار من التلمود ومن المشناة [= المثناة القرآنية] عشرات الآيان، واستعار القرآن من اليونانية: ابليس، برج، درهم، قلم، ومن الفارسية: كافور، وزنجبيل… واستعار الكثير من اللغات الأخرى. حسب القارئ أن يعود إلى كتاب “الإتقان” مثلاً.

الخوف من التلاقح اللغوي، عبر اللحن والدخيل، دفع المعجميين إلى تأليف المعاجم للوقاية منه.

يقول ابن منظور، في مقدمة لسانه، لتبرير تأليف معجمه: “وذلك لما رأيته قد غلب في هذا الأوان، من اختلاف الألسنة والألوان، حتى لقد أصبح اللحن في الكلام، لا يعد لحناً مردوداً، وصار النطق بالعربية من المعائب معدوداً. وتنافس الناس في تصانيف الترجمانات في اللغة الأعجمية، وتفاصحوا في غير اللغة العربية، فجمعت هذا الكتاب، في زمن أهله بغير لغته يفخرون، وصنعته كما صنع نوح الفلك وقومه منه يسخرون، وسميته لسان العرب”.

ما أشبه اليوم بالبارحة! فلم تتقادم كلمة واحدة من هذه الفقرة من المقدمة، رغم مضي ثمانية قرون على كتابتها! لأن دواعي انصراف العرب والمستعربين، بالأمس واليوم، عن العربية إلى الألسن الأجنبية، متماثلة أو تكاد: مقاومة هذا اللسان للتطور.: “مما جعل النطق بالعربية من المعائب معدوداً، وتنافس الناس في تصانيف الترجمانات، في اللغة الأعجمية وتفاصحوا في غير العربية”. (ابن منظر، مقدمة لسان العرب ص 5).

لكن ابن منظور، لم يتساءل عن السبب، ولو فعل لوجده في رفضها لتجديد دمها باللحن والدخيل. مما جعل المعجم العربي الرسمي، لا يفي بحاجات الثقافة العربية ـ الإسلامية الصاعدة. لذلك لجأت النخبة إلى المعاجم السريانية، اليونانية، السانكريتية، والفارسية لتستعين بها وتستعير منها. لكن ما استعارته منها، لم يحظى بالشرعية المعجمية، التي ظلت مغلقة على لغة آكلي الشيح والقيصوم، رافضة الانفتاح على لغة العرب المستعربة، المتلاقحة مع لغات عصرها.

عبثا، تبحث في لسان العرب عن كلمة أشكلت عليك في بخلاء الجاحظ، في شفاء ابن سينا، أو حتى في شعر أبي نواس والمتنبي، اللذين استخدما كلمات سريانية، يونانية، وفارسية! لكنك واجد فيه كل ما تحتاج إليه، وخاصة كل ما لا تحتاج إليه، عن الصحراء، الخيام، النوق، وعالم البداوة الجديب، من كلمات مهجورة لم تستخدمها النخبة الثقافية العربية والمستعربة قط!

الخلفية الدينية الكامنة خلف هذا الموقف اللغوي الرافض للحن والدخيل، هي عدم الفصل بين العربية والدين. بما أن الشريعة صالحة لكل زمان ومكان زعماً، فكذلك اللغة التي عبرت عنها. وبما أن الشريعة ولدت مكتملة، فإن كل إضافة لها، تعتبر زندقة دينية، وكذلك كل إضافة للغتها المتحدة بها، تعتبر هي الأخرى زندقة لغوية: لحناً ودخيلاً!

يقول ابن منظور لساننا”شُرّف بالبيان على كل لسان، وكفاه شرفا أنه به نزل القرآن، وأنه لغة أهل الجنان. عن ابن عباس قال رسول الله: أحبوا العرب لثلاث: لأني عربي، والقرآن عربي ولسان أهل الجنة عربي”.
إذا كانت العربية، قد شرفتها المركزية الإثنية على كل لسان، فكيف ستتواضع، لتستجدي من هذه الألسن التي هي دونها شرفاً، بعض مفرداتها؟ أليس ذلك حطاً من شرفها وانتهاكاً لحرمتها؟

جميع الألسن بما فيها العبرية، التي ظلت طوال ثلاثة آلاف عام لغة دينية، قطعت حبل سرتها بالمقدس المعيق، بما هو ثبات يعيق تطورها، إلا لساننا، الذي فاته قطار التحديث اللغوي، فبقى يجتر ذاكرته التراثية، كبديل عن الالتحاق بقافلة المعارف والعلوم، التي أقلعت دونه.

علمنة العربية ضرورة حيوية. لأنّ الإصرار الأصولي، على شل ديناميك تطورها مازال اتجاها حاسماً بين سلطات الوصاية عليها: الانتلجانسيا التقليدية، والدّول المصرة على جعل العربيّة والإسلام مترادفين: “وبعد فاللغة العربيّة هي محور التراث العربي الزّاهر حتّى لقد أصبحت الصفتان: إسلامي وعربي صفتين مترادفتين. كما كانت اللغة العربية والدين، في عز الخلافة الإسلامية شيئين مترابطين لا انفصام بينهما”. كما كتب عبد الله باجبير. (الشرق الأوسط 1979/11/9).

هذا الترابط بات اليوم يتطلب الفك. لكنه لن يقع بدون صراع مرير. في سبتمبر 1996، شكلت كل من ألمانيا، النمسا وسويسرا لجنة مشتركة، لإدخال إصلاح موحد على الألمانية، لإصلاح نحوها وصرفها وكتابتها. وقد برّر المستشار الألماني، هيلموت كول، هذا الإصلاح اللغوي الجذري الثاني، بعد الإصلاح اللغوي الأول، الذي قاده الملك فرديريك الأكبر، في القرن الثامن عشر، والذي جعل من ألمانية العصور الوسطى المحنطة، ألمانية حديثة وعلمانية، على غرار اللغتين الإنجليزية والفرنسية، بضرورة المزيد من تحديث اللغة الألمانية لـ”تصمد أمام منافسة الإنجليزية والفرنسيّة”. استفز هذا “المزيد من التحديث” كما كان منتظراً، الأصوليّة أحزاباً وكتاباً وخاصة النازيين الجدد ومن لفّ لفهم لمعارضته. يعلق عبد الله باجبير على هذا الخبر: “هؤلاء الثائرون معهم كل الحق. فاللغة ليست جهاز تليفزيون يمكن تعديله وتبسيطه ووضع قواعد جديدة لتشغيله. وما حدث في ألمانيا حدث في فرنسا (…) وخطورة ما فعله الألمان، أنهم نزعوا روح اللغة، وقطعوا صلة الرّحم اللغوي، بين الماضي والحاضر الألمانيين”!
(نفس المصدر).
قد يستغرب المرء رهاب باجبير، من القطيعة بين ماضي اللغة الألمانية وحاضرها، التي لا تعنيه في شيء. لكن استغرابه سيزول عندما يعرف أنّه لم يرمي الإصلاح اللغوي الألماني بحجر، إلا كمحاولة استبعاد قلقة إزاء موضوع يثير أشجانه، يمثل بالنسبة إليه ذكرى مؤلمة، عاشها آباؤه في مطلع القرن ومازالت أشباحها تطارده. ذلك أن بعض الكتاب المصريين، دعوا لإصلاح العربية، المتخلفة عن الألمانية ببضعة قرون، لتبسيط رسمها الهيروغليفي، وإصلاح نحوها الأحفوري. لكن باجبير سرعان ما يطرد شبحه المقلق، ويستعيد طمأنينته: “ولكن كبار الكتاب، وقفوا في وجه هذه الدعوة المدمرة، وقالوا إن هذه الدعوة، ليست إلا حرباً على الإسلام وليس على اللغة العربية وحدها” (نفس المصدر)، لأن الإسلام هو الوحيد بين الديانات التوحيدية الذي حرّم على نفسه ـ بعد هزيمة المحاولة الاعتزالية ـ كل إصلاح ديني يرّشده، لكي لا يرفع عصا الردة، على الحداثة وعلومها، التي مازالت منفيه من أرضه! ولأن العربية هي الوحيدة، من بين جميع اللغات الحية، التي لم تُحظى بعد بإصلاح لغوي حقيقي، ينقلها من القدامة إلى الحداثة اللغوية.

صيحة فزع باجبير لا شيء، إذا ما قيست برفض الأصولي المغربي طه عبد الرحمن، لا لتعريب المصطلحات، الذي دشنه فلاسفة الإسلام وحسب، بل وأيضاً لترجمتها إلى العربية “ترجمة توصيلية” أي أمينة! لأنه يعيشه، كافتضاض لعذرية العربية، كتدليس لنقاوتها القدسية، وخاصة، كاعتراف آثم بنقصها وهي الكاملة بماهيتها، وبافتقارها إلى ما دونها من اللغات. وهي سيدة اللغات.

يبدو أن طه عبد الرحمن، دشن بكتابه “فقه الفلسفة: الفلسفة والترجمة”، علما جديداً “يتخذ من أصول الفقه، المتقادم، نموذجاً له هو “علم فقه الفلسفة”، الذي يكتب الأحرف الأولى في وثيقة ميلاده، بدماء “المتأغرقين” من العرب والمسلمين قديماً وحديثاً. لماذا؟ لأنهم يأخذون بالمعرفة الغربية، التي “تقطع العقل عن الغيب، وتفصل بين العلم والعمل” ( طه عبد الرحمن: فقه الفلسفة: فلسفة الترجمة ج.1 ص 15.)، بينما الثقافة الإسلامية تصل العقل بالغيب، وتصل العلم بالعمل”. ولم يعوا بعد أن عقلانيتهم الإغريقية تجريدية، إذن قادرة على التعميم والتنظير، الخطرين على العقيدة. “عكس العقلانية الإسلامية، ذات الطبيعة التأنيسية” (نفس المصدر)، والتذريرية، التي تعالج الحالات العينية في تشتتها، بعيدا عن التطلع إلى ما يكمن وراءها من اتجاهات وقوانين توحدها. أخيرا، تمتاز العقلانية الإسلامية المهتدية، عن العقلانية الإغريقية الغارقة في الضلال، بأنها” مؤيدة بالوحي الإلهي”.

الإبداع على غير منوال، الذات المكتفية بذاتها، والمؤيدة بعناية واجب الوجود بذاته، على ثلاث أصعدة: على صعيد فهم التراث،على صعيد الكتابة وعلى صعيد الترجمة.

1 ـ الإبداع على صعيد فهم التراث، يتلخص في تخليصه من المفاهيم المستوردة، من التراث الغربي لخطرها على: العقيدة، المعرفة واللغة! لأن الأيديولوجيا الأصولية، بما هي تعبير عن المجتمع التقليدي، الذي يحكم فيه الأموات من وراء قبورهم حياة الأحياء، تصر على ضرورة البحث في التراث بالتراث نفسه، وفي الدّين بالدّين، لا بتاريخ الأديان المقارن وعلوم الأديان الحديثة الأخرى، التي كفرها سيد قطب وهي: “اتجاهات الفلسفة بجملتها، واتجاهات تفسير التاريخ الإنساني بجملتها، واتجاهات علم النفس بجملتها (…) واتجاهات دراسات الأديان المقارنة بجملتها، واتجاهات تفسير المذاهب الاجتماعية بجملتها (…) [لأنها]تصورات اعتقادية جاهلية، أو قائمة على هذه التصورات. معظمها ـ إن لم يكن كلها ـ في أصوله المنهجية، عداء ظاهر أو خفي للتصور الديني جملة، وللتصور الإسلامي على وجه خاص” (سيد قطب، “معالم في الطريق”، ص 41)، ما يقوله سيد قطب مباشرة، يقوله طه عبد الرحمن مداورة. عداء الأصولية الإسلامية لعلوم الحداثة مفهوم، لأنها تعرى شجرة نسب الأساطير المؤسسة، التي تستمد منها الأصولية شرعيتها.

2 ـ الإبداع الفلسفي الإسلامي؛ يتلخص في انعزالية فلسفية، منافية لطبيعة الفلسفة نفسها، بما هي تفكير عقلاني، إذن كوني. تترجم هذه الانعزالية “الفلسفية” نفسها بالتخلص من كل ما هو آخر، مغاير مخالف أو مختلف، لتتملى وجهها في مرآتها الخاصة. بعيداً، بعيداً عن عالم الغرب، عن العالم؛ عالم الكون والفساد.

3 ـ الإبداع على صعيد الترجمة، وقوامه الأخذ بـ”الترجمة التأصيلية” التي لا تأخذ من النص “المنقول” [الغربي] إلا ما لا يخدش في شيء نقاء العقيدة، المعرفة واللغة؛ وهجر “الترجمة التحصيلية”، التي تترجم النص كما هو. وهي دعوة صريحة إلى تزوير النص الفلسفي. لكي لا تترجم منه إلا “ما يناسب الأصول التي يأخذ بها المتلقي”، أو معتقداته! قيل عن مترجمي صدام حسين، أثناء أزمة حرب الخليج، أنهم كانوا لا يترجمون له إلا ما يوافق هواه، مما يضطرهم إلى “تكييف” النص مع قناعات “المتلقي”. هؤلاء المترجمون، هم بالضبط المترجمون النموذجيون لـ”الترجمة التأصيلية”!

“الترجمة التحصيلية” الأمينة للنص “المنقول” محظورة، وكذلك تعريب المصطلحات. حتى تلك التي أدخلها الكندي وابن سينا إلخ، وبالتالي أضفوا عليها الشرعية اللغوية، فلا مناص من إعادة ترجمتها: الهرمينو طيقيا تصبح في “فقه الفلسفة” “التأويلات”. ونحمد الله على أن فقيه الفلسفة، احتفظ بفيلوزوفيا، التي مازالت تلوث عنوان كتابه. ولم يترجمها بـ”الحكميات” مثلاً. هذا الفقيه يذكرني بسلف له سوري، مبتلي هو الآخر بهوس النقاوة اللغوية، ترجم البروليتاريا بالكدحاء والبرجوازية بالربحاء!

طه عبد الرحمن قدم نماذج من الترجمة غير التأصيلية للكوجيتو “أنا أفكر فأنا موجود”، مترجماً له ترجمة تأصيلية: “أنظر تجد” تجد أن “أنا”الحداثة، أنا: الفرد، الذي امتلك رأسه وفرجه، قد طارت بقدرة قادر. “الترجمة التأصيلية” إباها، مشروع آخر لفرض الأمية على أجيال العالم العربي الصّاعدة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This