هل المرفوض: انعتاق المرأة أم طريقة تعبيرها؟

إذا كان ما يجر ي من تشنّج وغضب ضدّ ما بدر من البنت “أمينة” ومن رفيقتيها من منظمة “فيمن” كان من أجل طريقة التّعبير عن أفكارها، فهنّ ونحن والجميع مع حرمة الجسد…
نرفض الطريقة، ولكن بهدوء ودون ثورة وعنف، لأنّ الخطأ صفة الإنسان ولكن بتفاوت، ويحصل ذلك إمّا بسبب الغفلة أو الاندفاع والطيش أو وجود علة أو فساد، وفي كلّ هذه الصور فالتدخل لا يكون إلا بالإصلاح ما استطعنا، ولا يتحقّق الإصلاح إلا بلسان الشفقة والمحبّة الخالصة.
وأمّا العنف والقانون والسّجن فلا تزيد الأمور إلّا تعقيدا.
سبق للسيّد المسيح عليه السلام أن أعطى المثل في صورة أتعس ممّا صدر عن البنت أمينة، وقد حضرت إلى مجلسه سيّدة عرفت بالفساد الأخلاقي وكانت باكية وهي تعلن توبتها وتلتمس المغفرة من الله، تعامل معها السيد المسيح باللطف والشفقة مما أثار جمهور الحاضرين بالاحتجاج عليه، فكان أن رفع عينيه إلى الجميع وخاطبهم بقوله :
“من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر”، ثم خاطب المرأة بقوله “قومي مغفورة خطاياك”.
وأعطى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم المثل في المعاملة بالشفقة واللطف وحسن الفهم والتفهّم للأسباب، عندما تبّول إعرابي بركن من المسجد، وهبّ عليه الحاضرون بعنف فتدخّل الرّسول الكريم قائلا: “إنّكم بعثتم ميسّرين لا معسّرين”، اهرقوا عليه إبريق من الماء فيطهر.
تلكم هي أخلاق وسنن المرسلين، وإذا كنا حقا ضدّ طريقة أمينة بالتعرّي فلنبحث عن الأسباب فالبنت صغيرة السنّ مندفعة بحماسة الشباب، ثمّ أنها وصديقاتها من المنتميات إلى منظمة “فيمن” جميعهنّ نساء تعرّضن إلى القهر والتسلط والاعتداء على شرفهنّ والإذلال من المجتمع الرّجالي.
وما جرى على النّساء في أوكرانيا لا يعلمه ولا يشعر بمرارته إلا هنّ، وليس هذا من باب التبرير وقد يكون كافيا لإقدامهن على حرق أنفسهنّ كما فعل الكثير من المقهورين، المرأة اليوم لم تعد تقبل أن تكون كما كانت جدّتها أو توصف بالعورة، وتجد أنّ من يصفها بذلك هو الأعور الذي يرى المرأة بعين واحدة.
لو كان الأمر ضدّ الطريقة فنحن نشاهد يوميا في شوارعنا وحفلاتنا الخاصّة والعامّة نسوة من زوجاتنا وبناتنا وأمّهاتنا وأخواتنا يكشفن عن أجزاء كثيرة من أجسادهنّ وحتى على جزء من الثديين وجزء من الظهر والبطن والساقين إلى ما فوق الركبتين، واعتدنا على ذلك بحكم التربية المدنية وتهذيب الغرائز بالاختلاط والتعليم ولم نعد نفزع من ذلك، ممّا يجعل ثورتنا عل أمينة ربّما تستهدف المرأة لذاتها لمنعها من إثبات وجودها وكيانها وسيادتها على نفسها وليس على طريقة التعبير.
يبدو أنّ المشكلة عندنا في عجز الرجال على تهذيب غرائزهم من جهة، ومن جهة أخرى ثقافة امتلاك الرّجل للمرأة وسيادته عليها جسدا وفكرا، لذلك يرفض السّماح ببروز أيّة إمكانيّة لانعتاقها من هذه العبوديّة، الله خالق الزوجين أودع في عنصرهما المادي طاقة غريزيّة جاذبة متبادلة، فتعرّي بعض أجزاء المرأة أمام الرّجل تثيره ونفس الشّيء إذا تعرّى الرّجل أمام المرأة…
لماذا نرفض تعرّي المرأة ونثور من أجله ونسكت على تعرّي الرّجل وهو يتواجد في الشارع عاريا بالكامل فيما فوق الصرة وفيما فوق الركبتين، لماذا نفس الشيء نحرّمه على المغلوب ونسمح به للغالب، أم لأنّ المرأة يمنعها الحياء والتقاليد من الاحتجاج على تعرّي الرجل أمامها؟
هذا هو الحيف والتمييز الذي يدفع المرأة وكلّ مقهور إلى التعبير عن رفضه بوسائل وطرق أحيانا لا يرضى عنها ولا يقبل بها اختيارا إلا كوسيلة احتجاج وقتي يزول بزوال أسبابه.
يبقى الحلّ في تقديري في تساوي المرأة مع الرجل في كلّ الحقوق وإعطاء الحرية للجميع لممارسة حياتهم وقناعاتهم وتديّنهم وسلطانهم على أنفسهم دون تدخل من كائن من كان وبأيّ ذريعة كانت غير القانون المدني الواجب تطبيقه على كلّ المواطنين، بهذا فقط لن تضطر أمينة ولا غيرها إلى التعبيرات الخارجة عن المألوف، لأنّ نفسيّة وأعصاب الجميع ستهدأ ويتحقق بذلك العيش والتعايش السّلمي بين الجميع بلسان الشفقة واللطافة والمودّة المتبادلة، لن يكون السّجن والعقاب الزّجري والعنف اللفظي هو الحل بل أنه يزيد من شدّة ردود الفعل.
ما يتوخاه عالمنا اليوم من طرق ووسائل وسلوكيات حديثة على ثقافات مجتمعاتنا، علينا التعوّد عليه والتعامل معه بشكل مدني حضاري هادئ، ولا نعتبره تنطعا أو اعتداءا على العادات والتقاليد التي يجب مراجعتها أو هو حالات مرضية وانحراف سلوكي، بل هو وجه جديد من التعبير على رفض أو احتجاج ليس أكثر، والواجب معالجة الأسباب بالحكمة وحسن التربية وتعميق المشورة مع الشباب والأطفال والجميع.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق