هل ساهمت التغيرات المناخية في إشعال الثورات العربية لفرانشيسكو فيميا وكيلتين ويريل / طارق راشد العليان

يُعزَى الربيع العربي -الذي تحوّل، في الخطاب العام، إلى الصحوة العربية حيث استمرت الاضطرابات الاجتماعية إلى ما بعد ربيع عام 2011- إلى العديد من الأسباب المباشرة وغير المباشرة. لم يتم فهم أغلب تلك الأسباب فهمًا تامًّا حتى الآن، خاصة وأن الظاهرة حديثة ومستمرة. ومع ذلك بدأ المحللون في تجميع صورة للعوامل الاجتماعية والاقتصادية والبيئية التي لعبت دورًا في نشوب الثورات، ويُعتبر تغير المناخ جزءًا من تلك الصورة، بحسب دراسة حديثة صادرة عن مركز التقدم الأمريكي Centre for American Progress بالاشتراك مع مركز ستيمسون The Stimson Center، والمركز المختص بشئون الأمن والمناخ The Center for Climate & Security.

وبينما سعى كثيرون في هذه الدراسة إلى إيضاح تلك الفكرة، لم يؤكد أحدهم أن تغير المناخ هو السبب الوحيد وراء هذه الحركة من أجل التغيير. لكن من الواضح بشكل متزايد أن التغيرات المناخية العالمية والإقليمية لعبت دورًا في مضاعفة التوتر في المنطقة، وسيتعيّن على الحكومات المتضررة، فضلا عن المجتمع الدولي، التعامل مع عواقب تغير المناخ بشكل ملائم، بينما تقوم الدول العربية بإعادة بناء بلادها.

تتناول الدراسة حالتيْن: تُعنى دراسة الحالة الأولى بالوضع في سوريا وتوضّح الدور الذي لعبه تغير المناخ والضغوط البيئية اللاحقة في الشرق الأوسط في الفترة التي سبقت اشتعال الثورة في سوريا، بينما تُعنى دراسة الحالة الثانية بالوضع في ليبيا، وتوضّح الدور الذي من المرجح أن يلعبه تغير المناخ الحادث في شمال إفريقيا، فضلا عن الضغوط ذات الصلة، في ظهور دولة ليبية جديدة، مع التركيز على إمكانية قيامها بإجراءات تتعلق بتغير المناخ والأمن المائي كوسيلة لتسوية النزاعات وبناء السلام

سوريا: تغير المناخ والجفاف والاضطرابات

يرى البعض أن السبب المباشر للثورة الاجتماعية الحالية في سوريا هو رد فعل لنظام وحشي وغير حديث، واستجابة لموجة التغيير التي بدأت في تونس في الأشهر الأولى من عام 2011. بيد أن الدراسة ترى أن هذا السبب مجرد جزء من الصورة الكاملة، فقد شهدت السنوات القليلة الماضية مجموعة من التغييرات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والمناخية الهامة في سوريا التي عملت على تآكل العقد الاجتماعي بين المواطن والحكومة في البلاد، وعزّزت القضية التي تطرحها حركة المعارضة، ودمّرت شرعية نظام الأسد بشكل لا يمكن إصلاحه.وإذا كان المجتمع الدولي وصنّاع القرار المستقبليون في سوريا سيعالجون الدوافع التي أدت إلى الاضطرابات في البلاد ويجدون حلولا لها، فالأولى أن يدرسوا هذه التغييرات ويعالجونها، برأي الدراسة.

وصف عدد من المستشارين الدوليين الثورة السورية بأنها حالة “غير متوقعة” في الشرق الأوسط، وتغيير لم يخطر لهم على بال. وتكهّن العديد من المحللين، حتى قبل الاحتجاجات الأولى ببضعة أيام، أن سوريا، في ظل حكم الرئيس بشار الأسد، كانت “في مأمن من الربيع العربي”. ومع ذلك، كانت بذور الاضطرابات الاجتماعية موجودة تحت السطح. لم تكن الاضطرابات موجودة فحسب، بل ظهرت تقارير حولها أيضًا -برغم تجاهلها على نطاق واسع- في عدد من الأشكال.

لقد عانت نسبة تصل إلى 60 في المائة من الأراضي السورية في الفترة من 2006 إلى 2011، وفقًا لتقديرات أحد الخبراء، “من أسوأ فترة جفاف طويل الأجل وأكثر المحاصيل الزراعية تلفًا منذ بدأ الحضارات الزراعية في منطقة الهلال الخصيب منذ آلاف السنين”. ووفقًا لدراسة حالة خاصة من تقرير التقييم العالمي بشأن الحدّ من مخاطر الكوارث لعام 2011 للأمم المتحدة، فإن من السوريين الأكثر تأثرًا المعتمدين على الزراعة -وخاصة في محافظة الحسكة بشمال شرق سوريا (بل وفي الجنوب أيضًا)- “عانى حوالي 75 في المئة من تلف كامل بالمحاصيل”. وفقد الرُّعاة في شمال شرق سوريا نحو 85 في المئة من ماشيتهم، وهو ما أدى لتضرر 1. 3 ملايين شخص.

وكان لهذه الخسارة تكلفة بشرية واقتصادية هائلة. ففي عام 2009، أفادت الأمم المتحدة والاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر أن أكثر من 800.000 سوري فقدوا مصدر رزقهم بالكامل نتيجة الجفاف. وبحلول عام 2011، أشارت تقديرات تقرير التقييم العالمي إلى أن عدد السوريين الذين أصبحوا يعانون من “انعدام الأمن الغذائي” بسبب موجات الجفاف بلغ نحو مليون نسمة. وصار عدد الأشخاص الذين أصبحوا يعانون من الفقر المدقع أسوأ من ذلك، حيث أشار تقرير للأمم المتحدة للعام الماضي أن عدد المتضررين يتراوح من 2 إلى 3 ملايين.

وأدى ذلك إلى هجرة جماعية للمزارعين والرعاة والأسر الريفية التي تعتمد على الزراعة من الريف السوري إلى المدن. وفي يناير 2011، أفادت تقارير أن تلف المحاصيل -خصوصًا الفلفل الحلبي- في القرى الزراعية حول مدينة حلب السورية فقط قد دفع “200.000 قروي إلى الهجرة من الريف إلى المدن”. وعلاوة على ذلك، في أكتوبر 2010، أبرزت صحيفة نيويورك تايمز تقديرات للأمم المتحدة تشير بأن 50.000 أسرة سورية هاجرت من المناطق الريفية فقط في تلك السنة، “على رأس مئات الآلاف من الأشخاص الذين هاجروا في السنوات السابقة”. وفي سياق المدن السورية التي تتعامل مع الموجات المتدفقة من اللاجئين العراقيين منذ الغزو الأمريكي في عام 2003، فقد فرضت هذه الهجرة ضغوطًا وتوترات إضافية على سكان يعانون من التوتر والحرمان بالفعل.

تغير المناخ وسوء الإدارة للموارد الطبيعية

تذهب الدراسة الى القول بان أسباب انهيار الأراضي الزراعية في سوريا عبارة عن مجموعة معقّدة متفاعلة من المتغيرات، بما في ذلك تغير المناخ وسوء الإدارة للموارد الطبيعية والديناميات السكانية. وأكدت دراسة نشرتها وكالة الإدارة الوطنية لدراسة المحيطات والغلاف الجوي في أكتوبر 2011 في مجلة المناخ Journal of Climate وجود أدلة قوية يمكن ملاحظتها تفيد بأن الفترة الأخيرة الممتدة للجفاف على سواحل البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط ترتبط بتغير المناخ. وعلى رأس ذلك، وجدت دراسة أخرى للوكالة وجود علاقة تثير القلق بين التأثيرات المناخية الملحوظة والتوقعات المستقبلية من النماذج المناخية.

وهناك نموذج حديث لتأثيرات تغير المناخ على سوريا أجرته الوكالة الدولية لبحوث السياسات الغذائية يتنبأ، على سبيل المثال، بأنه إذا ما استمرت المعدلات الحالية لانبعاثات الغازات الدفيئة العالمية على حالها، فمن الممكن أن تنخفض إنتاجية المحاصيل التي تعيش على المطر بنسبة “تتراوح بين 29 و57 في المئة من عام 2010 إلى عام 2050”. علاوة على ذلك، فإن تغير المناخ ومشكلات الجفاف يصاحبهما نظام حكم سيئ. إذ يتسم نظام الأسد، كما تشير معظم الآراء باستثناء النظام نفسه، بسوء إدارة الموارد الطبيعية في سوريا، وإهمالها بشكل إجرامي، مما ساهم في نقص المياه وتصحر الأراضي. وبالاعتماد على تقييمات قصيرة الأجل خلال سنوات من الوفرة النسبية، دعمت الحكومة بشدة الاستخدام الكثيف للمياه في زراعة القمح والقطن، وشجعت تقنيات الري غير الفعالة.

وسعى المزارعون، في مواجهة نقص المياه الناجم عن الأنشطة البشرية والتغيرات المناخية، إلى زيادة العرض من خلال التحول إلى موارد المياه الجوفية في البلاد، حيث أفاد المركز الوطني للسياسات الزراعية في سوريا بزيادة الاستفادة من مستودعات الماء الأرضي المخزّن في الآبار الجوفية من “أكثر بقليل من 135.000 بئر في عام 1999 إلى أكثر من 213.000 بئر في عام 2007”. وقد أدى هذا الضخ “في هبوط مستويات المياه الجوفية في أجزاء عديدة من البلاد، وأثار مخاوف كبيرة حول نوعية المياه الجوفية في المستودعات المائية المتبقية”.

ويأتي على رأس ذلك تفاقم الرعي الجائر للأراضي، وتزايد عدد السكان بسرعة، وهو ما ضاعف من عملية تصحر الأراضي. وبينما تحوّلت الأراضي الخصبة سابقًا إلى أرض بور، لم يكن أمام المزارعين والرعاة خيار سوى الانتقال إلى مكان آخر، أو الجوع، أو تغيير الطلب.

استياء أهل الريف والاضطرابات السياسية

يعد النزوح الداخلي الشديد من المناطق الريفية إلى المراكز الحضرية والاستياء الكبير بين المجتمعات التي تعتمد الزراعة بمثابة عوامل للاضطرابات الاجتماعية والسياسية في سوريا، لكن لم يتم بحث هذه العوامل بدرجة كافية، بحسب ما أفادت الدراسة. لقد فرضت حركة السكان من الريف إلى الحضر في جميع مسارات موجات الجفاف الأخيرة ضغوطًا كبيرة على المدن السورية الضعيفة اقتصاديًّا، والتي تعاني عَرَضيّا من نقص في البنية التحتية للمياه. واضطر الفقراء للتنافس مع مجتمعات فقيرة أخرى ليس فقط على فرص العمل الشحيحة وإنما أيضًا على إمكانية الوصول إلى موارد المياه.

ووفقًا لخبيرة تتخذ من دمشق مقرًّا لها هي فرانشيسكا دو شاتيل Francesca de Châtel، فقد شهدت سوريا “تدهورًا ضخمًا في نصيب الفرد من [المياه] المتوفرة” ويعزى ذلك جزئيًّا إلى انهيار البنية التحتية للمناطق الحضرية. وعلاوة على ذلك، لعبت المجتمعات الريفية الساخطة في حركة المعارضة السورية دورًا بارزًا مقارنة بنظيراتها في غيرها من بلدان الربيع العربي. والواقع فإن مدينة “درعا” الزراعية الريفية كانت مركزًا محوريًّا للاحتجاجات في المراحل الأولى لحركة المعارضة في 2011، حيث عانت هذه المدينة بشدة من الجفاف وندرة المياه لمدة خمس سنوات، ولم تحصل على مساعدات تُذكر من نظام الأسد.

وكان من الصعب دراسة المدى الذي يؤدي فيه النزوح السكاني الداخلي والسخط الريفي إلى تحريك الاضطرابات، نظرًا لاستمرار حالة عدم الاستقرار، لكن تؤكد الأدلة المتاحة أن تأثير هذه الظاهرة قد لا يكون ضئيلا.

إن القمع الوحشي الذي يقوم به نظام الأسد ضد حركة المعارضة هو بحق محور الاهتمام لمجتمع دولي يحاول إيقاف الكارثة الإنسانية التي تتكشف تدريجيًّا في سوريا ويسعى لتخفيفها. ومما لا شك فيه، يُعد وقف عمليات ذبح الأبرياء هو الخطوة الأولى الضرورية. لكن إجراء تقييم أكثر شمولية لديناميات المعارضة في البلاد، بما في ذلك الدوافع الاجتماعية والبيئية والمناخية المحتملة للاضطرابات، سيساعد واضعي السياسات وقادة الرأي في اتخاذ إجراءات أكثر مسئولية، بحسب ما أفادت الدراسة.

وأوضحت الدراسة أن وقف العنف وتعزيز احتمالات حكومة شرعية سيتطلب على المدى القصير تقييمًا ذكيًّا لحاجات ومطالب حركة المعارضة، بما في ذلك تلك التي تنطوي على الوصول إلى الموارد الطبيعية الحيوية، مثل الغذاء والماء والأراضي الصالحة للزراعة وإدارتها. وسيكون تناول السلسلة الكاملة للعلل البيئية والاجتماعية والمناخية السورية أمرًا حاسمًا على المدى الطويل لضمان ظهور دولة يمكنها المشاركة بشكل بنّاء في المجتمع الدولي.

ليبيا:الأمن المائي يخلق فرصًا لحل النزاعات

كان هتاف “ليبيا حرة” أحد الهتافات الرئيسية للمعارضة الليبية في عام 2011، والتي تمكّنت -بمساعدة حلف شمال الأطلسي “الناتو”- من الإطاحة بالنظام الوحشي للرئيس السابق معمر القذافي الذي دام 40 عامًا. لكن بعد مرور ما يقرب من عامين على سقوط القذافي، ما تزال الحكومة الجديدة في ليبيا -على الرغم من انتهاء انتخابات برلمانية حرة ونزيهة نسبيًّا (هي الأولى منذ عام 1952)- تواجه مشكلة في التوفيق بين العديد من التصورات المختلفة لشعار “ليبيا الحرة” الذي هتفت به جموع الجماهير المختلفة، والتصدي لاتهامات ببعض الممارسات غير الحرّة.

في مارس 2012، أعلنت المنطقة الشرقية من برقة، وعاصمتها في بنغازي -التي تُعد قلب الحركة المناهضة للقذافي- أنها منطقة تتمتع بحكم شبه ذاتي، مما أثار احتجاجات كبيرة في كل من بنغازي وطرابلس. وعلى الرغم من النجاحات الأخيرة من قِبَل الحكومة المركزية الجديدة في ليبيا، ما تزال الميليشيات المسلحة تجوب البلاد، وهناك تساؤلات حول قدرة الحكومة في طرابلس على السيطرة عليها. في الواقع، لقد تم وصف مدينة مصراتة بأنها “دولة مدينة مسلحة” في تحدٍّ للحكومة المركزية. وعلاوة على ذلك، هناك تقارير عديدة تشير إلى انتهاكات لحقوق الإنسان ارتُكبت ضد متعاطفين مشتبَهين مع القذافي، بمن فيهم المهاجرون الأفارقة السود من المنطقة الإفريقية جنوب الصحراء الكبرى.

وعلى الرغم من أن الانتخابات الوطنية الناجحة قد تخفف من بعض هذه التوترات حول الأرض والسلطة، فليس من المحتمل أن تختفي بسهولة، وفقًا للدراسة. لكن بينما تسعى الحكومة الليبية حاليًّا بشكل جدّي لمعالجة هذه الصراعات، فقد تكون القضايا الأقل صبغة سياسية مثل تغير المناخ وإدارة الموارد المائية هي المفتاح لبناء وحدة وطنية.

إن العقبات الهائلة التي تواجه الوحدة الوطنية في ليبيا -والتي لم تكن غير متوقعة تمامًا بعد انهيار نظام أمسك بالسلطة لمدة أربعة عقود- لم تمنع حكومة البلاد من بذل المحاولة على الأقل لمعالجة قضايا توجد خارج الإطار التقليدي لإعادة البناء بعد الحرب مثل قضية تغير المناخ. في ديسمبر 2011، على سبيل المثال، أرسلت الحكومة الليبية المؤقتة ممثلين لحضور مؤتمر المناخ للأمم المتحدة في ديربان، جنوب إفريقيا، للترويج لمشروع يُدعى “مبادرة تغير المناخ الليبية” الذي يقترح تمويل مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح باستخدام عائدات النفط، على الرغم من تلقي المشروع ردود فعل متباينة.

وعلى الرغم من هذا النهج الاستباقي على ما يبدو، ما يزال هناك خطر بأن بعض تحديات الموارد الطبيعية الحاسمة التي تواجهها ليبيا -تلك المتعلقة بقوة بإعادة الإعمار بعد الحرب- ستفشل خلال هذه الفترة من عدم الاستقرار وعدم اليقين، بحسب الدراسة. في هذا السياق، هناك سؤالان هامان، برأي الدراسة، هما: كيف يمكن للحكومة الليبية الجديدة إدارة الموارد المائية للبلاد، وهل سيتم تضمين آثار تغير المناخ في الطريقة التي ستسلكها الحكومة؟.

قضية المياه والتعاون في ليبيا

ترى الدراسة أنه يتعين على ليبيا أن تسارع بمعالجة بعض القضايا المتعلقة بالموارد، لا سيما توافر المياه، إذا كان البلد يريد الاستقرار. جدير بالذكر أنه غالبًا ما تساعد قضايا إدارة المياه في تسهيل التعاون بين الفصائل المتنازعة، مما يساعد في عملية المصالحة الوطنية.

يشتمل أحد مجالات التعاون المحتمل، بحسب الدراسة، في تصحيح التجاوزات التي لا يمكن تحملها لنظام القذافي. ومن المرجح أن يوافق قادة ليبيا الجُدد والبرلمان الليبي على التركيز على تصحيح الأخطاء الكثيرة لنظام القذافي، وسيكون من المهم ملاحظة أن القبضة الحديدية للقذافي قد امتدت إلى ما هو أبعد من تجاهله التام لحقوق الإنسان وإلى عالم إدارة الموارد الطبيعية. لقد قام النظام بتنفيذ مشروعات موسعة، لكن لا يمكن تحمّلها في نهاية المطاف، لاستخراج الموارد المحدودة للبلاد، لا سيما المياه، وفقًا للدراسة.

وما زال، على سبيل المثال، “مشروع النهر الصناعي العظيم” الذي يُموّل من أموال النفط الذي أطلقه القذافي قائمًا، ويعد هذا المشروع واحدًا من أكبر مشاريع هندسة المياه في العالم. لكن هناك غموض بشأن المدى الزمني الذي سيستغرقه المشروع في ليبيا؛ ذلك البلد الذي تشكّل الأراضي القاحلة 93% من مساحته. إن المصدر الرئيسي للمياه في ليبيا عبارة عن مستودع محدود من المياه الجوفية “المتحجرة”، التي تعود إلى فترة تاريخية سابقة أكثر خضرة خلال العصر الجليدي. في الوقت الحاضر زاد الطلب على المياه الجوفية لاستخدامها بشكل رئيسي في ري المحاصيل، وهو ما ضغط بشدة على المعروض منها، وتغلغلت مياه البحر إلى طبقات المياه الجوفية الساحلية تدريجيًّا.

ووفقًا لـ”مشروع الحوض النوبي للمياه الجوفية”، وهو مبادرة مشتركة بين وكالة الطاقة الذرية الدولية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومرفق البيئة العالمي التابع للبنك الدولي، فإن الاستغلال الليبي المفرط للمياه الجوفية في “حوض الكُفرة” -الذي تشترك فيه ليبيا مع مصر وتشاد والسودان- أدى أيضًا إلى “انخفاض مستويات المياه وجفاف البحيرات الصحراوية المرتبطة بالواحات”.

في هذا السياق، ستحتاج الحكومة الليبية الجديدة، من أجل شرعيتها وقدرتها على البقاء، بحسب الدراسة، إلى معالجة القضايا الأساسية لتوصيل إمدادات مستدامة من المياه لسكانها المتزايدين، وإدارة المشاكل المعقدة المرتبطة بتقاسم مثل هذه الإمدادات مع غيرها من الدول. هذا هو السؤال الذي، إذا أُجيب بشكل جيد، يمكن أن يساعد في توحيد البلاد، بحسب ما أوضحت الدراسة.

توقعات بتغير المناخ والجفاف

بإدخال عامل تغير المناخ في الصورة، نجده يشكّل أيضًا تهديدًا لتوافر المياه في ليبيا. ويُعد نقص توفر المياه أحد التأثيرات الرئيسية لتغير المناخ، لكنه ليس التأثير الوحيد. وأفاد تقرير صدر مؤخرًا لجاشوا باسبي وآخرين في جامعة تكساس، بولاية أوستن الأمريكية، أن التوقعات المتعلقة بتغير المناخ ستكون لها آثار سلبية. ويشير التقرير إلى أنه من يومنا هذا إلى منتصف هذا القرن، من المرجح أن تواجه بعض المناطق المطيرة والمكتظة بالسكان بطول ساحل البحر المتوسط زيادة في أيام الجفاف من الـ101 يومًا الحالية إلى 224 يومًا.

إن مضاعفة أيام الجفاف مشكلة خطيرة، وخاصة إذا ما كان المرء يعتمد بشكل كبير على المياه الجوفية غير المتجددة. كما تم تأكيد هذه النتائج من خلال دراسة كبيرة أجرتها وكالة الإدارة الوطنية لدراسة المحيطات والغلاف الجوي في مجلة المناخ في أكتوبر 2011، حيث وجدت أن تغير المناخ مسئول بالفعل عن الجفاف الذي طال أمده في المناطق الأكثر اكتظاظًا بالسكان في ليبيا على الساحل، وتتفق هذه الملاحظات مع التوقعات المستقبلية الناجمة عن النماذج المناخية.

بينما لا تُعد ليبيا بأي حال البلد الأكثر عُرضة لتغير المناخ في شمال إفريقيا (انظر منطقة الساحل والقرن الإفريقي) فمن المتوقع أن تكون تأثيرات تغير المناخ على أنماط الجفاف في ليبيا والكثير من المناطق الواقعة على ساحل البحر الأبيض المتوسط هي الأسوأ. بالإضافة إلى ذلك، وفي ظل عدم اليقين بشأن استقرار حكومة جديدة، ستحتاج ليبيا إلى الاستعداد لاحتمال تعرض بنيتها التحتية لمزيد من التهديدات في المستقبل. وينبغي لمثل هذا التهديد الخطير لأمن المياه في ليبيا أن يعمل على تشجيع التعاون بين القوى المتصارعة حاليًّا في ليبيا، وفقًا للدراسة.

الآثار الإقليمية للتغيرات المناخية

قد تمتد نقاط ضعف ليبيا إلى ما وراء حدودها أيضًا. تقوم ليبيا باستخراج كمية واسعة من المياه الجوفية بالفعل، على سبيل المثال، من الحوض النوبي للمياه الجوفية. وفي حال أدى الجفاف الناجم عن تغير المناخ إلى نقص المياه، واستجابت الحكومة الليبية لسحب المزيد من المياه الجوفية من الحوض النوبي، فقد يتسبب ذلك في إحداث توتر مع بلدان مجاورة مثل مصر وتشاد والسودان التي تشارك في مياه الحوض.

ونظرًا لعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي الراهن في هذه الحكومات الأربع التي تتقاسم المياه الجوفية للحوض، فإن هذه تعد بمثابة مشكلة أمنية محتملة لا يمكن تجاهلها. إن الاتفاق على تجنُّب هذا الاحتمال الذي قد يؤدي لصراع إقليمي يمكن أن يكون موضوعًا آخر لتوحيد الفصائل المتنافسة في ليبيا.

ترى الدراسة أن بزوغ فجر ليبيا جديدة يمثل فرصة فريدة من نوعها لخلق تقليدٍ سياسيٍّ للحكم الرشيد في البلاد؛ حكم يتسم بالشفافية، واحترام حقوق الإنسان، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة، وسنّ سياسات اقتصادية من أجل كل الليبيين. وهي أيضًا ليست مجرد فرصة لليبيين للانتقال إلى عصر ما بعد القذافي، بل أيضًا لحقبة جديدة من المرونة تستخدم فيها البلاد مواردها بحكمة، وتكيّف نفسها مع تغير المناخ. ولا يمكن الاستهانة بالآثار المحتملة لهذا التحوّل غير المسبوق في المناخ العالمي على زعزعة الاستقرار، وخاصة في البلدان والمناطق التي تمر بمرحلة انتقالية والتي تتقاسم الموارد الطبيعية الأساسية.

قد لا يكون تغير المناخ على رأس جدول الأعمال في ليبيا اليوم، ولكن لا يجب أن يبقى هذا الموضوع خارج إطار البحث لفترة طويلة، حيث يمكن أن يؤدي عمل شيء ما حيال هذا الملف والتحديات التي يضعها أمام قضايا مهمة، مثل توافر المياه، إلى مساعدة ليبيا في سعيها نحو تحقيق الوحدة، بحسب ما جاء في الدراسة.

الخلاصة: ما الخطوة التالية بالنسبة لسوريا وليبيا؟

ستشكّل الأسباب المباشرة وغير المباشرة للصحوة العربية موضوعًا للدراسة على مدى العقود والقرون القادمة. ومع ذلك، بدأ المحللون في رسم خريطة للمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية التي أدت إلى نشوب الاضطرابات، ويُعد تغير المناخ جزءًا من تلك الخريطة. وبينما تبزغ الأمم من هذه الفترة المليئة بالثورة والإصلاح، ستبقى التغيرات المناخية العالمية والإقليمية وتأثيراتها اللاحقة على أمن الموارد بمثابة مشكلة تلوح في الأفق ويجب معالجتها إذا كانت الحكومات الجديدة تريد النجاح والحفاظ على البقاء في السلطة، بحسب ما أفادت الدراسة.

في سوريا، ربما عَمِل تغير المناخ كمضاعف للإجهاد، وهو ما أدى إلى تفاقم الضغوط البيئية والاجتماعية الموجودة بالفعل التي حرّكت السخط وحركات المواطنين والثورة. وما يزال نظام الأسد الوحشي يقف في طريق التقدم. وعلى الحكومة الليبية الجديدة أن تضع كأولوية رئيسية لها مسألة التعامل مع التوقعات المتعلقة بتغير المناخ ومشكلات الموارد المائية المحدودة، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى توفير فرصة لحل النزاعات الحالية والمستقبلية بالوسائل السلمية.

وتخلص الدراسة إلى القول بأن، تغير المناخ لعب دورًا هامًّا في المنطقة، وسيستمر في لعب دورٍ هامٍّ في المستقبل. لذا يجب أن يكون التصدي لتغير المناخ جزءًا من مسعى أي حكومة جديدة نحو الشرعية والبقاء.

عن مجلة السياسة الدولية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق