هل ضاعت فرصة بناء تيار إسلامي مدني؟ / توفيق شومان

ربما، تحتاج التطورات المتسارعة في مصر، إلى مسافة زمنية طويلة، نسبياً، لصوغ قراءة عقلانية، تفضي إلى صوابية تقدم الجيش المصري، إلى واجهة المشهد السياسي، أو خطئه، ففي مرحلة هياج العصبيات الإيديولوجية، غالباً، ما يكون الاستقطاب الحاد قاعدة للمواقف وأرضية للتراشق السياسي المنفلت من ضوابط المنطق وأحكامه ومقاييسه.

وفي ظلال هذه اللحظة المصرية الانفعالية، ليس من السهل، التغافل عن مخاوف القوى العلمانية من استراتيجية «أخونة» الدولة المصرية، مثلما درج القول منذ لحظة انحصار الجولة الانتخابية الرئاسية الثانية على التنافس الثنائي بين المرشحين، محمد مرسي وأحمد شفيق، في العام الماضي، وذهاب شريحة علمانية ويسارية وازنة، إلى إعطاء أصواتها لرئيس الوزاء السابق أحمد شفيق، وتردد شريحة ثانية والتزامها الصمت الانتخابي والمقاطعة، فيما شريحة ثالثة، تماشت مع مسار ثورة «25 يناير»، وصبت أصواتها لمصلحة المرشح محمد مرسي، الرئيس لاحقاً.

مثل هذه الخشية، يمكن إدراجها في سياق منطقي، ولكن في المقابل ثمة سياق منطقي آخر، تحجبه الآن، عصبية المشهد المصري، وعنوانه في منتهى الخطورة، ويتمثل في خشية ومخاوف مقابلة، وهي احتمال إضاعة فرصة تبلور تيار الإسلام السياسي المدني، الذي كادت تقاربه إلى حدود معقولة، الثورتان التونسية والمصرية.

من حقائق التاريخ السياسي القريب، أن ظاهرة «الإسلام القطبي» أنتجتها حمأة الصراع الناصري ـ الإخواني في عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، استناداً إلى كتابين لسيد قطب هما «معالم في الطريق» و«في ظلال القرآن»، وعلى الرغم من المراجعة النظرية التي قدمها المرشد العام الأسبق لـ«جماعة الإخوان المسلمين» حسن الهضيبي في كتابه الشهير «دعاة لا قضاة»، إلا أن الظاهرة القطبية، كانت قد ترسخت في المنظومة العقائدية لبعض قياديي الجماعة ومريديهم، فخرجوا عنها ومنها لاحقاً، ليشكلوا أطرهم الخاصة، أو يلتحقوا بظواهر إسلامية ناشئة، انبثقت عنها «الجماعة الإسلامية» (بقيادة الشيخ عمر عبد الرحمن المعتقل في الولايات المتحدة منذ العام 1993) التي خاضت «حرباً مقدسة» ضد السلطات المصرية في ثمانينيات القرن المنصرم، وكذلك تبلور تنظيم «الجهاد» بزعامة محمد عبد السلام فرج الذي أصدر كتابه المعروف «الفريضة الغائبة» في العام 1980، وهو الكتاب الذي صاغ منظومة عنفية متكاملة خلاصتها «قتال العدو القريب أولى من قتال العدو البعيد»، دفعت باتجاه اغتيال الرئيس المصري آنذاك أنور السادات بعد سنة من صدور هذا الكتاب، ليدخل بعدها تنظيم «الجهاد» في صراع وجودي مع النظام المصري، إلى أن التحق قسم من قيادييه بزعامة أيمن الظواهري بتنظيم «القاعدة» في النصف الثاني من تسعينيات القرن العشرين.

وقبل بروز تنظيمي «الجماعة الإسلامية» «والجهاد»، شهت مصر ما يُعرف بتنظيم «الفنية العسكرية» في العام 1974 بقيادة صالح سرية، وأيضاً جماعة «المسلمون» المعروفة إعلامياً بـ«التكفير والهجرة» بزعامة شكري مصطفى الذي أعدم في العام 1979، وكل هذه الأطر «الجهادية الإسلامية»، توجهت بالطعن نحو السلوك التهادني لجماعة «الإخوان المسلمين»، باعتبارها تغفل عن فريضة الجهاد (=العنف)، وهذا الخلاف النظري ـ العقائدي ـ السلوكي، كان شكل قاعدة السجالات الحادة بين قيادة «الإخوان المسلمين» والتيار «القطبي» الناشئ في السجون المصرية بعد إعدام سيد قطب في العام 1966، وأسفر عن إخراج قياديين وأعضاء بارزين من الجماعة، من مثل عبد المجيد الشاذلي ومصطفي شكري ومحمد قطب ومصطفى الخضيري ومحمد مأمون وغيرهم.

وفيما كانت مرحلة الثمانينيات من القرن الماضي، تشهد نزوعاً سلفياً متشدداً، وغير مسبوق، بفعل ضراوة الحرب الأفغانية واستدعاء الإغراءات المالية وإيديولوجيا الجهاد إليها لمكافحة الشيوعية، وحيث بدأ خلال هذه المرحلة إحياء المجلد 28 من مجموع فتاوى الشيخ إبن تيمية، وفتاواه عن التتار، وكتابيه «الإيمان الكبير» و«الصارم المسلول» وتفسير إبن كثير للآية القرآنية الكريمة «أفحكم الجاهلية يبغون» وأيضاً، حديثه في كتابه «البداية والنهاية» عن طريقة حكم التتار, بالإضافة إلى تفسير، سيد قطب، لآيات الحكم والسياسة على غرار قوله تعالى «إن الحكم إلا لله»، وكتاب «الشفا» للقاضي عياض، فضلا عن شيوع كتابين للجهادي المصري، سيد إمام الشريف، وهما «العمدة في إعداد العدة» و«الجامع في طلب العلم الشريف»، فإن جماعة «الإخوان المسلمين» المصرية، كانت تنحو في هذه المرحلة نحو مسار سياسي مدني، من معالمه ومعطياته، تحالفها مع حزب «الوفد» الليبرالي في الانتخابات النيابية في العام 1984، ولينجح التحالف المذكور بحصد 36 مقعداً في مجلس الشعب، وبعد ذلك، تحالف «الإخوان المسلمين» مع حزبي «الأحرار» و«العمل الإشتراكي» في انتخابات العام 1987، وحصلوا على 37 مقعداً نيابياً .

ووفق معادلة الثمانينيات، ولاحقاً، التسعينيات وما بعدها، ووصولاً إلى ما قبل الثورة المصرية في الخامس والعشرين من «يناير» 2011 ارتسم مشهد الإسلام السياسي في مصر، وفق صور ثلاث هي:

1: حركات إسلامية عنفية، ولكنها أجرت مراجعة جذرية لأفكارها السابقة، وهي «الجماعة الإسلامية» وتنظيم «الجهاد»، وأصدرت مجموعة من الكتب النقدية لتجربتها السابقة، منها: «نهر الذكريات» و«مبادرة وقف العنف» و«حرمة الغلو في الدين وتكفير المسلمين» و«تسليط الأضواء على ما وقع في الجهاد من أخطاء» و«التعرية»، وغيرها، ومضمون هذه الكتب ينهض على نبذ التجربة العنفية السابقة وتوسيع دائرة الإيمان والخروج عن قواعد الفكر التكفيري.

2: الإسلام السلفي: وله صور ووجوه عدة، ومن رموزه الشيوخ: أبو إسحق الحويني، حازم شومان، ياسر برهامي، محمد حسان، جمال المراكبي، وأبرز الأحزاب السلفية، حزب «النور» وحزب «الراية»، الذي أسسه حازم صلاح أبو إسماعيل، وكذلك حزب «الوطن»، وتختزن السلفية الحزبية في مصر، على ما يُظهر خطابها السياسي، قابلية للاعتدال السلوكي والعقائدي، وهو أمر تتجرد منه السلفية الدعوية المتمثلة بالشيوخ المسبوقي الذكر، حيث فتاوى التكفير والتفرقة والزندقة توجز بطاقاتهم التعريفية، علماً أن بعضهم قريب من هذا الحزب السلفي أو ذاك.

3: «الإخوان المسلمون»، وهي الجماعة الأكثر ميلا نحو الحياة المدنية، وفق التعريف المعاصر، وبصرف النظر عن صراعها المرير مع الرئيس جمال عبد الناصر، فقد أظهرت تجارب العقود الطويلة لمسيرتها، أنها ما كانت تتردد في المشاركة السياسية والانتخابية، حين يتم توسيع فضاء المشاركة في مصر، قبل العام 1952، أو في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك.

وإذا ما تم التمعن، مرة ثانية، في خارطة انتشار واتساع ظواهر الإسلام السياسي في المجال الشعبي المصري العام، وإسقاطه على بيئة مصرية يشكل التدين فيها إحدى الركائز الأساسية للهوية الفردية، فالنتيجة تفضي إلى سبيلين أمام جماعات واسعة من الأفراد، إما النزوع نحو جماعة «الإخوان المسلمين»، وإما النزوح نحو الجماعات السلفية ونظيراتها، التكفيرية أو العنفية، ولعل مشاهد العقود القليلة الماضية، شواهد على ذلك، إذ كلما حوصر «الإخوان المسلمون»، خرج من بطونهم أو من هوامشهم، «قطبيون» عنفيون، أو احتل خصومهم، السلفيون الجهاديون، مساحات الفراغ التي اضطروا لتركها وإخلائها.
وإذا كانت جماعة «الإخوان المسلمين»، قد أبكرت في تأويلها الحديث لمفهوم «الشورى» في الإسلام، واعتبارها العملية الانتخابية تفسيراً عصرياً وعملياً لـ«الشورى» واستطاعت أن تجر وارءها أطيافاً متنوعة من المناخات الإسلامية، إلا أنها، في الآن نفسه، اصطدمت فكرياً إلى حد تكفيرها من قبل جماعات إسلامية ضدية، تفترض الانتخابات حراماً، وفي ظل تعقيدات مرحلة ما بعد عزل الرئيس محمد مرسي، فإن حديث الخشية من ردة «فكرو ـ سياسية» إخوانية، يستعيد نفسه، وهو ما قد ينطبق أيضاً على احتمال عودة الجدل بين الإسلاميين وغيرهم، حول مبدأ الحريات السياسية وتدوال السلطة.

ووفقا لذلك، لا يكفي القول إن تقدم الجيش المصري إلى واجهة الحدث المصري، قد أنقذ الثورة المصرية من عوراتها عبر الحؤول دون «أخونة الدولة»، فالنصف الآخر من القول يُنتج أسئلة تحتاج إجابات هادئة من مثل:

أ: هل أضاعت تظاهرات «30 يونيو» فرصة بناء تيار إسلامي مدني، تبدو جماعة «الإخوان المسلمين» في طليعة القادرين على إنتاجه وتطويره؟

ب: هل ذهبت تقديرات الثوار، إلى قراءة تحتمل بروز تيارات إسلامية متشددة تنتهج الجهاد سبيلا، انتقاماً لإسقاط «الشرعية» وفي ظل مناخ مؤات أبرز ملامحه فقدان هيبة الدولة المصرية؟

ج: هل لدى رموز «الموجة الثورية الثانية» ثقة مطلقة بانسحاب الجيش من المشهد السياسي، في زمن ما، وفي نهاية مرحلة انتقالية ما؟

د: أي مبررات تدفع باتجاه إقفال القنوات التلفزيونية والصحف المؤيدة لـ«الإخوان المسلمين»، أو القريبة منهم، في حين يحتل الإعلام المناوئ لهم، الفضاء الإعلامي بكامله، مع ما يصاحب ذلك من حملات قاسية عليهم؟.

لعل الإجابات عن هذه الأسئلة، قد تبقى مؤجلة، ولكن بقاء المصالحة مؤجلة هو ما يجعل مصر فوق رؤوس الثعابين… وإلى حين نزول «عقل الرحمن» على المصريين… ثمة سؤال أخير: كم شهيداً سيسقط في أرض الكنانة… حتى يدرك المصريون أن السياسة هي فن التسويات؟

عن جريدة السفير

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق