هل من نهضة عربية آتية؟ / كارول سابا

“حروبنا على السماء، أفقدتنا الأرض!”. قولٌ رؤيوي يُنسَب لأنطون سعادة، يختصر المشهد العربي الُمُتخبِّط اليوم بأوحال سياسات خاطئة تمادت طوال القرن العشرين.

سياسات أحادية قاتلة أفقدت المُجتمعات العربية وأوطانها الغنية بالثروات الإنسانية والحضارية والطبيعية، يقظتها الوطنية والقومية، وحِسَّها الإنساني ومناعتها المُجتمعية وإمكانية تموضعها الحضاري في عالم اليوم. فبدل الصعود بحداثة نحو تفعيل القدرات العربية الاستراتيجية، على مثال مشاريع الوحدة الأوروبية التي تبني قومية أوروبية دون أن تلغي الأوطان فيها، كان الصعود العربي تدريجيا منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية نحو جحيم الأحاديات على أنواعها.

بدل بناء المُجتمعاتِ “الآمنة” وتدعيمها بالانصهار الوطني والديموقراطية، قامت الانقلابات والعسكرة والأنظمة “الأمنيَّة” التي قاتلت التنوع والحرية والديموقراطية. منها من ادّعى العلمانية والقومية والتقدمية والاشتراكية والجماهرية في البدايات فكانت في النهاية واجهة إيديولوجية لحكم الشخصنة السياسية. ومنها من حاول زج الدين بالسياسة فكان نتيجتها تحريك للعصبيات المذهبية ومحاولات لاسترجاع ماض مضى لإمبراطوريات دينية الطابع تُخرجنا تدريجياً من جغرافيا العالم.

بدل تربية مُجتمعات “مدنية” عربية وتوطيدها على فكر المواطنة التي ُتقونن التفاعل الإيجابي بين كل مكونات المُجتمع بالتساوي بالحقوق والواجبات وتجعل من جغرافيا العقل والفكر والقدرات والمواهب العربية قوة توثب حضارية للمستقبل، كان الجنوح التدريجي نحو مُجتمعات “العسكرة” التي استوطنت في جغرافيا الحاضرالعربي وأنهكته من خلال مشاريع حروب مُتتالية لأعداء الداخل والخارج. فكانت سياسات الطوارئ وإيديولوجيات الأمن والتعمية الوطنية والقومية والقتل المَنهجي للديموقراطية والنخب والطبقة الوسطى المنفتحة، وقيام أنظمة الشخصنة السياسية والزعامات.

أخفقت كل هذه الأنظمة في بناء مُجتمعات عربية مُحصَّنة واعية للتحديات وحاضنة للقدرات، ولم تحفظ السلم الأهلي الداخلي وُتطوِّره ولم تدافع عن الأرض، جغرافيا وكياناً، من أعداء الخارج ولم تكن قادرة على الحرب الفاعلة ولا على فرض السلام العادل، سلام الشرفاء. لن نبرِّئ سياسات الدول ومصالحها على حسابنا، فهي مُتربِّصة بأرضنا وثرواتنا منذ القدم. لكن ألم ُتعطِ المُجتمعات العربية السوط للجلاد ليضربها؟ فلقد ُطحِن العالم العربي في القرن الماضي ولا يزال بسبب إخفاقات “أزمة الحكم العربي” وخرافاته السبعة أي الجماهرية، القومية، التحررية، الاشتراكية، الثورية، التاريخية وخرافة النظام، التي حاضر عنها الكبير غسان تويني في 1967 في الجامعة الأميركية في بيروت ولا تزال قراءته صائبة إلى اليوم.

لا تزال الأزمة مُستعرة إلى اليوم فالمشهد العربي في حالة تخبُّط قصوى: تفكك مُتنامٍ، تجاذب بنيوي، تشرذم مُتمادٍ، تأرجح قلق، تديُّن يأكل الدين ويقضي على روحانية الإيمان كتسامح وتقبل للآخر.

كشف “الربيع العربي” العورات العربية وإخفاقاتها، أنظمة ومُعارضة. فالكل مُخطئ بحق الكل.فبدل أن يكون لنا رؤية متقدمة للأمن القومي العربي، تكون خلاصة ذكية وحديثة كما في اوروبا للمصالح العليا المشتركة لكل أوطان العائلة العربية، أمسينا طوائف ومذاهب تتصارع للسيطرة على جغرافيا عربية مُفككة أمسى مداها الاستراتيجي الساحات والميادين. فوَّت العالم العربي فرصة الدخول إلى الحداثة في بدايات القرن الماضي. فنمت الطائفية السياسية والعصبيات التي فككت الدولة والحس الوطني وجعلتنا طوائف ومذاهب تتناحر باسم السماء وتفقد قدرتها على الحفاظ على الأرض والشعب والوطن. الأزمة اليوم ليست أزمة ميثاق حول التعايش بين الأديان بل هي في جوهرها أزمة نظام حكم. فشيخ الأزهر وقف سوية، يدا بيد، مع بابا الأقباط للمطالبة بدولة يتساوى فيها الجميع بالحقوق والواجبات.

إنها أزمة حكم لمجتمعات متعددة دينيا وثقافيا يجب أن تكون فيها الدولة حاضنة للجميع، مما يتطلب فصل الدين عن الدولة. هذا مُمكن في الإسلام حيث الأزهر يقول بإمكانية الفصل بين فقه الدعوة وفقه الدولة، وضروري في المسيحية التي تقول بترك ما هو لقيصر لقيصر وما هو لله لله. النهضة العربية مُمكنة إن أدركت النخب العربية الواعية أن الطائفية السياسية هي المرض وأن العلاج يكمن في علمنة الدولة في الشرق دون علمنة المجتمع. بقاء الأنظمة الأحادية المُتجددة في الشرق في قوالب دولة حديثة غير مُمكن بعد اليوم، أكانت ذات طابع ديني أم ذات طابع علماني راديكالي مُعادٍ للدين، أكانت مُنبثقة من شرعية الاقتراع لديموقراطية عددية صرفة، أم من شرعية ثورية شبه عسكرية. الحاجة اليوم في مجتمعاتنا العربية المتنوعة هي لقيام نظام حكم يجمع بذكاء ما بين الديمقراطية العددية والديموقراطية التوافقية، ولبناء دولة ديموقراطية مدنية تقول بعلمانية منفتحة على مسافة واحدة من الجميع يُحترَم فيها الإنسان وحقوقه كمواطن.

النهضة تبدأ إذا بالاعتراف أن التنوع الديني والثقافي هو مُكوِّن للمجتمعات العربية وأن هذه المجتمعات لا يمكن حكمها بالتالي بمنطق الأكثريات العددية وإن خرجت من صناديق الاقتراع، بل بمنطق المُحافظة على التنوع وصون السلم الأهلي وتطوير مسالك المواطنة ومبدأ المساواة بالحقوق والواجبات للجميع، فنكون عندئذ بناة حقيقين “للنفوذ” القومي العربي المُستديم والفاعل والطليعي في عالم اليوم، لا “للسلطات”العربية المُتناهية والمُتهاوية في الميادين.

عن جريدة النهار البيروتية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This