هل هي نهاية الدولة الوطنية العربية؟ / السيد ولد أباه

أطلق رواد الفكر القومي العربي على دولة الاستقلال مقولة «الدولة القطرية»، و«دولة التجزئة»، واعتبروها حالة سياسية مختلة ومؤقتة لا مستقبل ولا شرعية لها.

في العقود الثلاثة الأخيرة، برز اتجاه قوي في الفكر السياسي العربي، يدعو لمراجعة هذه المقاربة من منظور نقدي لتجربة المشروع القومي، يعيد تصور مثال الاندماج الوحدوي في اتجاه استيعاب المعادلة الوطنية ضمن أفق اتحادي مرن على غرار تجارب الاندماج الناجحة دولياً.
اليوم تبرز مؤشرات خطيرة متزايدة على تفكك الدولة الوطنية في ساحات عربية عديدة تتفاقم فيها الصراعات الأهلية، وتنهار فيه بنيات المواطنة، وتتشكل فيها كيانات منفصلة عن المركز المتآكل.

بدا المشهد من العراق، الذي شكل في تاريخ العرب الحديث النموذج الأول للدولة الوطنية الحديثة، التي بلورتها الهندسة السياسية الاستعمارية. انفصل الشمال الكردي فعلاً، وتفجر الصراع الطائفي الدموي، ولم يعد الكيان السياسي الجامع حقيقة قائمة.

تمر سوريا حالياً بمشهد مماثل، في الوقت الذي تتزايد النذر في اليمن وليبيا. أما السودان الذي انفصل جنوبه، فلا يزال مهدداً بمزيد من التفكك والانقسام. من السهل تفسير هذا المشهد باستراتيجيات التفتيت الاستعمارية وبمخطط «سايكس بيكو» الجديد الموعود منذ أمد بعيد، بيد أن الحقيقة التي لا مراء فيها هي إنما يشهده الواقع العربي الراهن شديد الارتباط بخلفية ومسار تصور الدولة من حيث علاقتها بالمجتمع وطبيعة التدبير السياسي.

تتعين الإشارة هنا إلى أن الحركة الإصلاحية العربية التي قامت في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين امتاحت أفكارها، من التنوير الفرنسي التي تميز بخصائص ثلاث: الارتباط العضوي بين العقلانية النظرية ومشروع التحرر الجماعي، منزلة الدولة المحورية في تشكيل الأمة من حيث هي التعبير عن الإرادة الجماعية المشتركة المتجسدة في القانون. بناء الغائية السياسية على مفهوم الفضيلة المدنية. ومن هنا الاختلاف الجوهري بين التنوير الفرنسي والتنوير الأنجلوساكسوني الذي جسدته الثورة الأميركية في نزوعها الفردي الليبرالي وتركيزها على المنفعة أساساً للترابط الاجتماعي ورهانها على حيوية المجتمع الذاتية في تشكل القيم المشتركة.

تشبه تجربة التحديث العربي من هذا المنظور المسار الألماني، الذي تأثر مبكراً بالثورة الفرنسية، وبأفكار التنوير الفرنسي التي تلقفتها الطبقة البورجوازية والفئات المثقفة التي التأمت في منتديات وجمعيات فكرية وبعض الحكام الذين أغراهم النموذج الفولتيري «للحاكم المتنور».

كانت ألمانيا في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر مفككة مجزأة إلى دويلات ومدن مستقلة، ولم يكن الوعي القومي فيها قوياً. عبر فيلسوف ألمانيا الكبير «كانط» عن مشروع التحديث السياسي الألماني المتأثر بالثورة الفرنسية، مبلوراً فكرة الأمة بمفهوم روسو، أي الإطار الذي تحدده الإرادة الجماعية الحرة داخل دولة. ولم يكن كانط قومياً، بل طرح لأول مرة في الفكر السياسي أطروحة المواطنة الكونية القائمة على التعاقد الحر و«المواطنة الدستورية».

بيد أن غزو نابليون لألمانيا والحروب المدمرة التي واكبته أفرزت وعياً قومياً قوياً بمفهوم الأمة الألمانية، التي إنْ لم تكن موحدة سياسياً، فإنها ترتكز على هوية ثقافية وتاريخية مكينة. ومن هنا الاحتفاء بالعصر الوسيط الألماني، وبرموز الثقافة الجرمانية، مما عبرت عنه الحركة الرومانسية، وصاغه الفيلسوف «فيخته» في «خطابه للأمة الألمانية». لقد اعتبر «فيخته» أن الأمة ليست مجموعة سياسية تعاقدية، بل كياناً ثقافياً يذوب فيه الفرد في الكلي، مما يدعم مجال المواطنة بصفتها رابطة عضوية جوهرية.

تأثر المشروع القومي العربي بالنموذج الألماني في تصوره الثقافي للأمة، وبدا الرصيد الليبرالي للإصلاحية العربية يضعف خصوصاً بعد اشتداد القبضة الاستعمارية ونجاح مخطط التجزئة. وقد نتجت عن هذا التحول نتيجتان برزتا للعيان في نموذج الدولة الوطنية الوليدة هما: إناطة كل الفاعلية التاريخية تحديثاً ونهوضاً، بهذا الكيان السياسي، وتكريس الانفصام بين حقل المواطنة في بعدها القانوني التعاقدي وبعدها الثقافي، العضوي، أي مصادرة الانتماء لوحدة روحية طبيعية وقبلية.

والمثير في الأمر، أن أبرز المفكرين السياسيين العرب على اختلاف مشاربهم، اتفقوا في الرهان على الدور التاريخي المحوري للدولة في بناء الكيان الاجتماعي، وتحصينه وتحديثه بل وإنجاز الوحدة القومية المنشودة، مما عكس ضعفاً قوياً في المثل الليبرالية وقيم التحرر السياسي حتى لدى أكثر المثقفين دفاعاً عن الديمقراطية التعددية.

ظل النموذج الفرنسي «اليعقوبي» المركزي بحصيلته الدستورية الديجولية (نظام الجمهورية الخامسة الذي يكرس سلطة جمهورية مطلقة دعاها الرئيس الأسبق ميتران نظام الانقلاب الدائم) المثال المنشود عربياً، دون التفكير في نقاط ضعفه التي تعود في خلفيتها البعيدة إلى تركة التنوير الفرنسي، التي لم تكن في منطلقاتها ليبرالية، وإنما عقلانية راديكالية تسعى لحمل المجتمع على التحرر الفكري والاجتماعي.

وبطبيعة الأمر، لم تكن الدولة الوطنية العربية الحديثة في أدائها ونظام اشتغالها دولة حريات وقانون ومؤسسات دستورية على غرار النموذج الفرنسي، لكنها احتضنت من دون شك- على الرغم من طابعها التسلطي وتركيبتها الاجتماعية- مثل التحديث والتنوير ودفع حركة التقدم مما حولها في الوعي المشترك إلى الإطار الوحيد للكيان الجماعي.

إنما كشفت عنه «الثورات العربية » الأخيرة هو هشاشة النموذج السياسي للدولة الوطنية العربية، لا من حيث ضعف قاعدتها الاندماجية- كما يكرر السياسيون الذين فاجأتهم قوة البنيات العصبية والطائفية- ولكن من حيث الهندسة السياسية للدولة، التي بلورتها النخب الوطنية التي قادت عملية التحرير والتحديث والبناء السياسي.

لم تطرح هذه النخب السؤال الجوهري الذي طرحه فلاسفة الحداثة الأوروبية وهو:كيف يمكن صناعة حالة اجتماعية آمنة ومستقرة من وضع أصلي تحكمه الإرادات الفردية الحرة، بحيث يتم الجمع بين حرية الإنسان واندماجه الإرادي في نسق سياسي مشترك؟ لم تدرك النخب أن العلاقة القائمة في نموذج الدولة الوطنية بين المواطنة والهوية الثقافية ليست بديهية ولا عضوية، وإنما هي عمق ورهان العقل السياسي الحديث.

عن جريدة الاتحاد الإماراتية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This